اليمين المتطرف ينخر أوروبا... الجذور والتداعيات

عودة بالذاكرة إلى حقبة التحولات بين الحربين العالميتين

Nathalie Lees
Nathalie Lees

اليمين المتطرف ينخر أوروبا...
الجذور والتداعيات

أشار انضمام مكوّن يميني شعبوي ومعاد للمهاجرين إلى الحكومة الفنلندية في يونيو/حزيران الماضي- قبل عام واحد من الانتخابات الأوروبية- إلى أن صعود التشكيلات الشعبوية في شمال أوروبا أحدث شبه تجانس مع باقي أقسام القارة التي تشهد الصعود نفسه، من السويد إلى إيطاليا التي تبوأت فيها جورجيا ميلوني رئاسة الحكومة في أكتوبر/تشرين الأول 2022، والنجاح الانتخابي لحزب “فوكس” الإسباني في الانتخابات الإقليمية الأخيرة.

بالفعل، إذا جال المرء حاليا بنظره في أوروبا، شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، سيلاحظ صعود أحزاب يمينية متطرفة بصيغ مختلفة، فهناك أحزاب قومية متعطشة لأمجاد الماضي، وأخرى قومية شعبوية، وكذلك محافظة متشددة ذات جذور فاشية، وغيرها من الأحزاب المتطرفة التي باتت تحظى بشعبية لا يستهان بها.

لذا لا بد من الإحاطة بهذه الظاهرة من كل جوانبها والتطرق إلى مسارات نشأتها وصعودها، كما إلى تداعياتها المحتملة على مشهد أوروبي يهتز تحت وقع الاضطراب العالمي.

جذور الظاهرة

يعود صعود اليمين المتطرف ووصوله إلى مراكز القرار في أكثر من بلد أوروبي لعدة أسباب، أبرزها: البعد التاريخي لصعود الفاشية والنازية وأخواتهما في القرن الماضي، والأزمات الاجتماعية والاقتصادية وانعكاسات الهجرة ونزعات الانطواء العنصرية والشعبوية والإسلاموفوبيا (رهاب الإسلام) والخلط بين الإسلام والإرهاب. وهناك أيضا البعد الثقافي مع رفض الآخر ورفض الاعتراف بالتعددية الدينية والثقافية.

يمكننا أن نضيف إلى قائمة الأسباب والدوافع لهذا الصعود انعكاسات حرب أوكرانيا على أوروبا اقتصاديا واستراتيجيا. ولا يمكننا التغاضي كذلك عن شعور كثير من الناخبين بخيبة أمل من الأحزاب السياسية التقليدية.

وفي الإجمال تتجاوز هذه الظاهرة أوروبا، لأننا أمام أزمة معولمة جديدة، ناتجة في البداية عن تراجع النمو في كثير من البلدان وانعكاسات وباء “كوفيد”، وجاءت بعد ذلك التداعيات الاقتصادية للحرب في أوكرانيا وأزمة تكلفة المعيشة.

ومن هذه الزوايا تراجعت الأحزاب اليمينية التقليدية وسجلت الأحزاب الشعبوية اختراقا عبر طرحها حلولا بسيطة إلى حد ما لهذه المشاكل شديدة التعقيد، مع دغدغة مشاعر الجماهير بوعود حماية الشعب والسيادة من التهديدات المبالغ بها أو المخاطر الحقيقية الآتية من “الخارج”.

تتجاوز هذه الظاهرة أوروبا، لأننا أمام أزمة معولمة جديدة، ناتجة في البداية عن تراجع النمو في كثير من البلدان وانعكاسات وباء "كوفيد"، وجاءت بعد ذلك التداعيات الاقتصادية للحرب في أوكرانيا وأزمة تكلفة المعيشة

إزاء كل ذلك، يصح التساؤل بقوة: ما الذي حدث؟ ما أسباب تحولات الرأي العام؟ هل بات الملايين من الناخبين الأوروبيين يميلون حقا إلى اليمين المتطرف؟ أم إن هذا الاقتراع ليس أكثر من تصويت احتجاجي؟ أم هل هو علامة على الاستقطاب الحاد بين الناخبين الليبراليين في المدن والبقية المحافظة؟ وكيف بإمكاننا أن نصنف حزبا ما بأنه "يميني متطرف"؟
الأسئلة مشروعة، وهناك تبريرات في الأجوبة، لكن الذي يثير كل الانتباه هو سقوط المحرمات (التابوهات) القديمة، التي تعود إلى الحرب المدمرة في أوروبا ضد النازية والفاشية في القرن العشرين، والتي كانت متمثلة في رفض معظم الناخبين منح أصواتهم مرة أخرى لليمين المتطرف وذلك لإبعاد المتطرفين عن السلطة ومخاطر شن الحروب وصفحات التاريخ السوداء. 

Nathalie Lees


وفي الوقت ذاته، كانت أحزاب سياسية رئيسة لا تحبذ بشكل حاسم التعاون مع التجمعات اليمينية المتطرفة، وكل تلك التحفظات أخذت تتلاشى شيئا فشيئا في وقتنا الراهن. وكم يبدو بعيدا أو مختلفا ذلك الزمن الذي انضم فيه حزب الحرية الشعبوي اليميني المتطرف إلى الائتلاف الحكومي في النمسا عام 2000، وحينها تصدر الحدث وسائل الإعلام في أوروبا والعالم، حتى إن الاتحاد الأوروبي فرض حينها عقوبات دبلوماسية على فيينا. 
أما في العامين 2023-2022 فلم تكن هناك ردة الفعل ذاتها من إيطاليا والسويد إلى فنلندا، وهذا يؤكد تطبيع وضع اليمين المتطرف وإمكان تأهيل كثير من قواه لتصبح أحزاب حكم وليس فقط تشكيلات خطابية شعبوية واحتجاجية.

التداعيات والمشهد الجديد

 
الأدهى في هذا الاطار، إمكان تعميم التشدد اليميني من خلال المساكنة والتأقلم والتعاون بين الأحزاب التقليدية والتشكيلات المتطرفة، أو من خلال هيمنة فكر اليمين المتطرف وأدواته على الجناح اليميني في التركيبات السياسية. وسوف يؤثر ذلك على الحملة المقبلة للانتخابات الأوروبية وميزان القوى ضمن البرلمان الأوروبي. 
وقبل عام واحد من الانتخابات الأوروبية، فإن التحول السياسي الحاصل في أكثر من بلد يمثل إنذارا لجهة تقييم الهيكل المستقبلي للبرلمان الأوروبي. فالأغلبية الحالية، التي شكلها الديمقراطيون المسيحيون من حزب الشعب الأوروبي، والاشتراكيون الديمقراطيون والليبراليون، قد تتراجع وتضعف أمام المد المتطرف.
وتزداد الخشية من خلل بنيوي بسبب التقارب بين حزب الشعب الأوروبي (اليمين التقليدي) والمحافظين، بمن فيهم المتطرفون، حول قضايا معينة مثل الميثاق الأخضر بخصوص الانتقال الطاقوي نحو المصادر المتجددة.
ورغم الدور الاستشاري والرمزي للبرلمان الأوروبي، يمكن لصعود التيار المتطرف في الانتخابات الأوروبية المقررة في يونيو/حزيران 2024 أن يضع الاتحاد الأوروبي تحت الضغط، لكنه لن يؤدي إلى إرباكه أو إلى تقليص دوره، نظرا لمهام الاتحاد والتحديات التي يواجهها على صعيد الاستجابة للتحديات الجيوسياسية وحرب أوكرانيا والصراع الدولي، وكذلك الاقتصاد الأخضر والتحول الرقمي. 
على الصعيد الوطني، لا بد من رصد آثار التغيير التدريجي الناتج عن عدم بقاء اليمين المتطرف على هامش المشهد السياسي، ومشاركته في الائتلافات الحكومية إلى جانب الأحزاب اليمينية. 
 

رغم الدور الاستشاري والرمزي للبرلمان الأوروبي، يمكن لصعود التيار المتطرف في الانتخابات الأوروبية المقررة في يونيو/حزيران 2024 أن يضع الاتحاد الأوروبي تحت الضغط، لكنه لن يؤدي إلى إرباكه أو إلى تقليص دوره، نظرا لمهام الاتحاد والتحديات التي يواجهها على صعيد الاستجابة للتحديات الجيوسياسية وحرب أوكرانيا والصراع الدولي

وكان لافتا أن اليمين الشعبوي في عدد من البلدان الأوروبية الذي يتبنى بشكل أو بآخر نهجا عنصريا، استغل أعمال العنف الأخيرة في فرنسا لتأكيد قناعته بفشل نموذج المجتمع متعدد الثقافات في أوروبا. وقد ركز حزب "البديل من أجل ألمانيا" على احتمال حدوث انفجار مماثل في ألمانيا حيث تكمن جذور المشكلات نفسها في كلا البلدين، وبرز في الخطاب الشعبوي الأوروبي هجمة ضد "سياسة التعددية الثقافية"، و"الجهود" العبثية لإدماج المهاجرين". 
وزيادة على إيطاليا والسويد وفنلندا، يمكن لليمين المتطرف أن يحقق اختراقات سياسية إضافية في إسبانيا وربما يخترق في المستقبل القريب في كل من ألمانيا وفرنسا، علما أن التيار ذاته موجود في السلطة في كل من المجر وبولندا، وهما اللتان يتهمهما الاتحاد الأوروبي غالبا بانتهاك ثوابت "دولة القانون".
ومن التداعيات على المستوى التاريخي، العودة بالذاكرة إلى حقبة التحولات الحادة بين الحربين العالميتين في القرن العشرين، وهذه المرحلة من الاضطراب الدولي ومن المجابهة الأوكرانية بالتزامن مع صعود الحركات الشعبوية والأفكار الإقصائية أو التوتاليتارية. ومن هنا تظهر الخشية من تكرار التاريخ نفسه بصورته السيئة مع عودة الحرب إلى قلب القارة القديمة.
 

font change