الجزائر ومراجعة قانون الأحزاب ... خطوة باتجاه التحديث السياسي

AFP
AFP

الجزائر ومراجعة قانون الأحزاب ... خطوة باتجاه التحديث السياسي

أثار غياب الأحزاب السياسية عن المشهد اليومي العام حفيظة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، فمعظمها- إن لم نقل كلها- اختفى كليا عن الأنظار. ولم نعد نراها أو نسمع عنها أي شيء، رغم بعض الأحداث التي تشهدها البلاد كالتطورات الأمنية والسياسية في دولة النيجر المجاورة فضلا عن الاستعدادات الجارية بداية الموسم الدراسي وأعبائه الاجتماعية وغيرها من القضايا.

وفي لقاء صحافي مع مجموعة من الصحافيين الجزائريين، دعا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون التشكيلات السياسية صراحة إلى "تخطي الأساليب البالية في النشاط الحزبي والتركيز على العمل الفعال القائم على تجنيد المناضلين في الشارع الذي أصبح بعد الحراك المبارك الأصيل لا أحد بإمكانه تحويله عن مساره"، وهو يثبت أن السلطة في البلاد غير راضية إطلاقا على مكونات الساحة السياسية.

أيضا جاهر الرئيس تبون بتقاطع وجهة نظره مع وجهة نظر تشكيلات سياسية، وهنا استدل بدعوة بعضها إلى "إطلاق سراح المتورطين في قضايا نهب المال العام وتهريبه إلى الخارج في حال تعاونهم لاسترجاعه".

زمن التصحر السياسي

واتفق محللون تحدثوا لـ"المجلة" على أن إثارة رئيس البلاد ملف المنظومة الحزبية يحمل عدة مؤشرات ودلالات يمكن رصدها من خلال أوجه متعددة. وتتمثل ظاهرة "التصحر السياسي" التي أصبحت تشكل خطرا على الحياة السياسية وهو ما يؤكده البروفيسور علي بقشيش أستاذ العلوم السياسية بجامعة الأغواط الجزائرية، ويقول إن "المنظومة الحزبية فشلت من خلال ضعف أداء الأحزاب السياسية رغم كثرتها عدديا، من حيث العمل اليومي- وهنا يجب أن نشير إلى الجامعات الصيفية للتشكيلات السياسية التي تمثل الإطار الشامل للتكوين- أو في المواعيد الانتخابية، أو في العمل المؤسسي داخل البرلمان الجزائري (الهيئة التشريعية)".

دعا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون التشكيلات السياسية صراحة إلى "تخطي الأساليب البالية في النشاط الحزبي والتركيز على العمل الفعال القائم على تجنيد المناضلين في الشارع"

يضع هذا الوضع اليوم حجر عثرة في مسار التقدم السياسي، فقد أصبحت الثقة السياسية من أبرز الأزمات التي تواجه التشكيلات السياسية في الجزائر، ويقول الدكتور بقشيش في هذا المضمار إن "المواطن الجزائري فقد الثقة في التشكيلات السياسية بدليل توجه السلطات إلى التنسيق مع تنظيمات المجتمع المدني التي لا يمكنها أن تكون بديلا لها".

AFP
طلاب جزائريون اثناء تظاهرة في الجزائر العاصمة في 18 فبراير 2021

وتضم الساحة السياسية صنفين من الأحزاب حسب المتحدث، الصنف الأول يمثل الأحزاب التي حصلت على الاعتماد منذ دستور 1989 وشاركت في كل المواعيد ولم تتحصل على نسبة 5 في المائة من الأصوات المعبر عنها وفق ما تنص عليه المادة 85 من قانون الانتخابات التي تقصي التشكيلات التي لا تحصل على هذه النسبة، لكنها لازالت وإلى غاية اللحظة على قائمة وزارة الداخلية، أما الصنف الثاني فيضم الأحزاب التي لم تنظم مؤتمراتها وإذا نظمتها تكون بصفة صورية أي شكلية فقط ولازالت موجودة، في حين أن قانون الأحزاب السياسية المعمول به حاليا يلزمها بذلك.

الرئيس غاضب 


الناشط السياسي يوسف عطية علَق على تصريحات الرئيس الجزائري حول وضع الأحزاب السياسية بالقول إنه "غير راض تماما على أدائها ويمكن تقسيم ذلك على أساس ثلاثة محاور أساسية". 

المحور الأول يتمثل وفق تقديره في "بناء مجالس منتخبة ترقى إلى تطلعات الشعب وفق مبادئ أول نوفمبر/تشرين الثاني، والحراك الذي قام ضد الفساد والمفسدين، حيث صرح الرئيس بأن ما يقارب 750 مترشحا في صفوف قوائم الأحزاب لانتخابات المجلس الشعبي الوطني ثبت تورطهم في قضايا فساد أو محسوبين على العصابة التي كانت تحكم البلاد من قبل. وهذا مؤشر غير جيد لمشروع التغيير الذي يطمح إليه الشعب ورئيس الجمهورية، كما أن مساعي إدخال الشباب في المؤسسات المنتخبة لم تنجح ربما بسبب عامل الخبرة أو اختيار المرشحين أنفسهم من قبل الأحزاب أو الظروف المحيطة بعملية الانتخاب". 

المحور الثاني برأي يوسف عطية يتمثل في "مساهمة الأحزاب ببناء معالم الجزائر الجديدة، حيث يفهم من كلام الرئيس الجزائري أن الأحزاب لا تزال على العهد القديم، حيث تبحث قياداتها على تحقيق مكاسب خاصة على حساب مصلحة المجتمع الذي من المفروض أن تمثله وهنا لمح أيضا إلى عدم قدرة الأحزاب على القيام بدورها الأساسي وهو وضع برنامج كفيل باستقطاب وجذب مناضلين جدد، أي إن المجتمع لا يزال فاقدا للثقة تجاه التشكيلات السياسية وما تقوم به". 

ويتناول المحور الثالث "علاقة قادة الأحزاب بالسياسة الخارجية، وهنا أظهر الرئيس غضبه وامتعاضه تجاه بعض الممارسات القديمة مثل استقبال سفراء دول أجنبية ومناقشتهم للأوضاع السياسية دون احترام لمؤسسات الدولة وتوجهاتها التي تنتهجها، الأمر الذي قد يضعف هيبة الدولة ومؤسساتها". 

كل هذه العوامل تكفي حسب الناشط السياسي للتأكيد على أن "الأحزاب السياسية لا تقوم بأدوارها الأساسية على المستوى الداخلي من أجل بناء معالم الجزائر الجديدة وتشبيب المؤسسات المنتخبة والمشاركة في تنشيط الحياة السياسية لأفراد المجتمع وبناء جسور الثقة".  

فصل المال عن السياسة

 
هذا الوضع يدفعنا للتساؤل: ما المطلوب اليوم لبعث الروح في الحياة السياسية؟ فمعظم الأحزاب ضعيفة وعاجزة وليس لديها شيء يذكر تقدمه. 

أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة ورقلة الجزائرية والخبير في الشؤون الدولية مبروك كاهي أكد في حديثه لـ"المجلة" على "أهمية إخضاع قانون الأحزاب السياسية للمراجعة" وهو نفسه ما أعلن عنه الرئيس الجزائري في آخر لقاء صحافي له.
 

فرضت السلطات الجزائرية في السنوات الأخيرة مجموعة من القيود على ما يصطلح عليهم بـ"أصحاب الشكارة" (أكياس المال) وهم أباطرة المال وكبار التجار الذين يوظفون أموالهم للوصول إلى مراكز القرار

وبرأي مبروك كاهي هناك مجموعة من النقاط التي يجب أخذها في الاعتبار عند التفكير في إحداث التغيير، وبإدراك هذه النقاط يمكن التوصل إلى المتطلبات اللازمة لإعادة الروح الحزبية، ويذكر من بينها "تحديد آليات تمويل الأحزاب السياسية والالتزام بالتشريعات الوطنية والتأكيد على فصل المال الفاسد عن السياسة". 

AFP
متظاهرون في الجزائر العاصمة في 18 فبراير 2020

وفرضت السلطات الجزائرية في السنوات الأخيرة مجموعة من القيود على ما يصطلح عليهم بـ"أصحاب الشكارة" (أكياس المال) وهم أباطرة المال وكبار التجار الذين يوظفون أموالهم للوصول إلى مراكز القرار في الأحزاب وشراء مقاعد في المجالس المحلية المنتخبة أو الهيئة التشريعية، وفي السياق ذاته أخضع المشرع الجزائري تمويل الأحزاب خلال الحملات الانتخابية للمراقبة المشددة، كما وضع سقفا لحجم التبرعات والموازنة المخصصة للمرشحين وإنشاء لجنة على مستوى سلطة الانتخابات مكونة من قضاة تتولاها مصالح وزارة الداخلية مختصة في مراقبة تمويل الحملة الانتخابية. 


تدوير القيادة 


واقترح المتحدث أيضا "إيجاد آلية حقيقية تضمن التداول على رئاسة التشكيلات السياسية وتدوير القيادة دون اللجوء إلى أروقة العدالة الجزائرية مع إعطاء فرصة للشباب وتمكين المرأة داخل الأحزاب تماشيا مع الإصلاحات السياسية الأخيرة، وأيضا التأكيد على أهمية التكوين وتزويد الساحة السياسية بكوادر حقيقية وتنظيم عملية الانخراط داخل الحزب وتشجيع ثقافة نشر الأفكار الحزبية لدى المجتمع المدني". 
وحسبما هو متداول، فإن السلطة تتجه نحو تعميم نظام تحديد مدة بقاء القيادات الحزبية بفترتين متتاليتين أو منفصلتين، وهي قاعدة وردت في الدستور الجزائري، وبالتحديد في المادة 88 بالنسبة لرؤساء الجمهورية، والمادة 122 بالنسبة لأعضاء البرلمان بغرفتيه، وجُسد أيضا هذا المبدأ في القانون المنظم لممارسة الحق النقابي. 
ويبدو أن السلطة تسعى جاهزة لإبعاد النخب الحزبية أو ما يسمى بالحرس القديم عن واجهة المشهد السياسي والمساعدة على بروز قيادات شبابية لإحداث تحول كبير في العمل الحزبي. 
والظاهر أن هذا التوجه ليس بالجديد، إذ شرعت السلطات الجزائرية في العمل به أي تحديد مدة العهدات، خلال انتخابات المجلس الشعبي الوطني (الغرفة الأولى لبرلمان الجزائر) والتي نظمت في شهر يونيو/ حزيران 2021، حيث تم منع كل مترشح سبق له وأن شغل عهدتين تشريعيتين من خوض غمار الانتخابات مجددا.  
ومن أهم النقاط الأخرى التي يجب التركيز عليها عند مراجعة قانون الأحزاب، يشير المتحدث إلى "ضبط أخلاقيات الممارسة السياسية بعيدا عن السب والتجريح وغيرها من الأفعال المشينة والمسيئة للحزب والحياة السياسية ككل". 

ويؤيده في الرأي الناشط السياسي يوسف عطية، ويدعو إلى "فسح المجال لوصول قادة حقيقيين يؤمنون بأخلقة العمل السياسي كأرضية أساسية لبناء معالم الجزائر الجديدة، وربط مستوى الأداء بالجزاء فلا مكاسب ولا ترقيات لمن لا يجتهد ويساهم في البناء، ومن جهة أخرى إعادة الاعتبار للمساهمات القيمة والفعالة التي قد تقدمها بعض الأحزاب والتي من شأنها حلحلة الوضع السياسي والاقتصادي بالبلاد، فالدولة لن تستطيع في المستقبل الاستمرار في الاعتماد على الريع البترولي لدعم الطبقات الهشة كونها تتسع مع مرور الوقت، ولكي ينجح كل هذا وجب بناء نظام رقابة شامل وفعال". 
 

font change

مقالات ذات صلة