الروس يبحثون عن حياة جديدة في أرمينيا

110 آلاف مواطن روسي انتقلوا إلى يريفان وأكثر من 6500 شركة جديدة تأسست

Shutterstock
Shutterstock
جناح جمهورية أرمينيا في معرض إنجازات الاقتصاد الوطني، موقع التراث الثقافي في موسكو

الروس يبحثون عن حياة جديدة في أرمينيا

في صيف 2022، أعيد تصميم منزل في وسط العاصمة الأرمنية يريفان، وسرعان ما عُرضت بفخر لافتة جديدة ورُفِع عَلَم، ليتحول إلى مؤسّسة جديدة تسمى "سفارة المتع الجمالية"، ما لبث سائقو سيارات الأجرة أن سمّوها "مقهى الروس". ذلك مثل واحد على أثر الغزو الروسي لأوكرانيا في بعض الدول الأخرى التي كانت تابعة للاتحاد السوفياتي السابق، إذ لم يكتفِ المهاجرون الروس بالانتقال للعيش في بلد آخر فحسب، بل نقلوا أعمالهم إليها أو أنشأوا شركات جديدة.

في حديث مع إحدى وسائل الإعلام الأرمنية بعد فترة قصيرة من افتتاح "السفارة"، قالت المؤسِّسة المشاركة ميشا رايفيشر: "كان لدينا اتحاد إبداعي في موسكو يسمى 'المتع الجمالية' وكنا ننظّم فاعليات على مستوى عال في أماكن مختلفة كل عام تسمى 'أمسيات المتع الجمالية'. بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، بدأنا البحث عن فرص لإطلاق شيء جديد في كل من أرمينيا وجورجيا. وكنا محظوظين في العثور على مكان في أرمينيا". تجمع المؤسّسة بين أفكار متنوّعة في مبنى واحد، حيث تُستخدم إحدى المساحات كبار، وأخرى كمقهى، وهكذا في باقي أجزاء المبنى. وقال المدير الإبداعي للمكان، إيليا كوسنيروفيتش، "غادرتُ روسيا وأنا أشعر بقلق كبير، وكنت مستاء. أنا ضدّ الحرب... ولهذا السبب، ولأسباب مالية بحتة أيضاً – كنا نعمل مع شركات دولية في الغالب، فألغيت عقودنا أو جمدت - أدركنا أنه لا يوجد سبب لبقائنا [في روسيا]".

الأعمال الروسية بالأرقام

في إيجاز للأرقام، قال وزير الاقتصاد الأرمني، فاهان كيروبيان، إن ما بين 108 و110 آلاف مواطن روسي انتقلوا إلى أرمينيا في سنة 2022. وجاء عدد أكبر إلى أرمينيا بوصفها "منطقة عبور" قبل العثور على مكان جديد للإقامة. وسُجّلت نحو 2500 شركة جديدة في البلاد أسّسها مواطنون روس أو شاركوا في تأسيسها، إضافة إلى 4000 مواطن روسي سُجّلوا بوصفهم روّاد أعمال مستقلّين. وفي خطاب عن الأداء الاقتصادي لأرمينيا في 2022، قال رئيس الوزراء نيكول باشينيان "إن موجة الانتقال هذه ساهمت جزئياً في تمكيننا من تجاوز هدف النمو الأصلي البالغ 7 في المئة، ونما الناتج المحلي الإجمالي لأرمينيا بنحو 13 في المئة".

أ.ف.ب.
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان يتصافحان خلال اجتماع للمجلس الاقتصادي الأوراسي الأعلى في يريفان عام 2019

وعلى الرغم من أن العديد من المواطنين الروس الذين انتقلوا إلى أرمينيا أنشأوا أعمالاً في قطاع الفنادق والمطاعم والمقاهي، إلا أن قطاع تكنولوجيا المعلومات اجتذب أكبر الاستثمارات الجديدة. وقال كيروبيان في مقابلة مع مجلة "فوربس" هذا الصيف: "يعدّ قطاع تكنولوجيا المعلومات في أرمينيا أكثر تطوّراً مقارنة بالدول المجاورة لنا، ومن المهم أن تكون المواهب المحلية متاحة للشركات المنتقلة إلى أرمينيا. لا نمانع دخول الشركات المنافسة من روسيا. في الواقع، من الأفضل أن تنافس الشركات من دول أخرى شركاتنا المحلية، وتجبرها على التقدم. فالشركات التي لا تتكيّف وتتقدم بسرعة كافية تندثر".

انتقل ما بين 108 و110 آلاف مواطن روسي إلى أرمينيا في سنة 2022. وسُجّلت نحو 2500 شركة جديدة في البلاد أسّسها مواطنون روس أو شاركوا في تأسيسها، إضافة إلى 4000 مواطن روسي سُجّلوا بوصفهم روّاد أعمال مستقلّين

تعتبر أرمينيا موقعا مناسبا للمواطنين الروس للبحث عن حياة جديدة. هناك عشرات الرحلات الجوية من يريفان إلى مختلف المدن الروسية كل يوم، ولا حاجة للمواطنين الروس حتى إلى جوازات سفر للقدوم إلى هذا البلد، إذ يكفي أن يحملوا بطاقات هويتهم الوطنية. لدى كثير من الأرمن إلمام باللغة الروسية، وهذا ما يسهّل الحياة اليومية، والمواطنون الروس يلقون تفهّماً أكبر في المعاملة وقليلاً من العداء، مما يجعل أرمينيا خيارا جذّابا من الناحية العاطفية، كما تتخذ أرمينيا موقفاً أكثر تمايزا في شأن الحرب في أوكرانيا. ففي النهاية، تنتمي أرمينيا إلى تحالف عسكري مع روسيا وتعتمد عليها في الدفاع عن حدودها، وحفظ السلام في ناغورنو كاراباخ، وهي منطقة منكوبة بالصراعات يسكنها الأرمن. لكن الحكومة اتخذت موقفاً واضحاً في الآونة الأخيرة، إذ قال رئيس الوزراء باشينيان في يونيو/حزيران 2023، "لسنا حلفاء لروسيا عندما يتعلّق الأمر بالحرب في أوكرانيا."

وتشكل يريفان موقعا جذّابا أيضاً للشروع بالأعمال. يقول روبن ينيكولوبوف، مدير كلية الاقتصاد الروسية، وأستاذ باحث في المعهد الكاتالوني للبحوث والدراسات المتقدّمة في جامعة بومبيو فابرا ومعهد برشلونة للاقتصاد السياسي: "يمكن أن تتوقّع هذه الشركات المنتقلة دعماً كاملاً من جهة الحكومة. فالضرائب منخفضة بشكل مريح، بل إنها غير موجودة في بعض أنحاء البلاد. وتحتفظ أرمينيا بروابط تجارية مريحة مع روسيا مقارنة بأي مكان آخر في أوروبا."

غيتي
سائحة تتفحص الأواني الخزفية والهدايا التذكارية المعروضة للبيع في سوق "فيرنيساج" في يريفان

لا يعني ذلك أن أرمينيا تفسح المجال للروس لتجاوز العقوبات التي فرضتها حكومات أخرى. ففي يوليو/تموز 2023، أعلنت ثمانية مصارف من أصل 18 مصرفا في أرمينيا وقف العمليات القائمة على نظام "يونيستريم" للدفع - الذي كان يقدّم في السابق حلاً سريعاً ومناسبا لنقل الأموال بين أرمينيا وروسيا - حيث تعرض المصرف الذي يدير النظام لعقوبات أميركية. وقال نائب رئيس البنك المركزي في أرمينيا، آرمن نوربكيان، في أغسطس/آب إن ستة مصارف فقط تواصل العمل بنظام "يونيستريم" بالروبل الروسي والدرام الأرميني.

وصل معدّل التضخّم في أرمينيا إلى 8,6 في المئة في 2022 وارتفع متوسّط سعر المتر المربع للشقق بنسبة 14 في المئة. فقد أحدث السيل الجديد للمهاجرين ضغطاً على اقتصاد البلاد ورفع أسعار كثير من المنتجات والخدمات، وتدنّى سعر الدولار بنسبة 19,5 في المئة في أغسطس/آب 2023 عما كان عليه في فبراير/شباط 2022.

مرّ أكثر من 500 يوم على بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، ولا يزال عدم اليقين مهيمنا، وكثير من المواطنين الروس المقيمين في أرمينيا غير مدركين لما يخبّئه المستقبل، بل يركزون على الحاضر والجوانب الإيجابية لحياتهم الجديدة في أرمينيا. يذكر دينيس، الذي امتنع عن ذكر اسمه بالكامل، أنه يعمل عن بُعد من أرمينيا لشركة تكنولوجيا معلومات كبيرة، "الوضع رائع هنا. الجو دافئ، والطعام جيد، والناس لطفاء. شهدنا عقبة واحدة فقط في البداية عندما لم نكن نعرف إلى أين نذهب ونحاول استيعاب المواقع على هاتفنا، وعرض علينا مواطنان المساعدة. هذا أمر لم أشهده في روسيا منذ وقت طويل – أي الجانب الإنساني". لكنه أشار أيضاً إلى بعض المجالات التي يجب أن تعمل أرمينيا على تحسينها، "بعض الخدمات والحلول التكنولوجية هنا لا تزال على مستويات مشابهة لما كانت عليه في روسيا في سنة 2007. تطبيقات المصارف، على سبيل المثل، لا تزال بسيطة للغاية. وأنا بصفتي مهندساً لا يسعني إلا أن ألاحظ هذه الأمور. ومن وجهة نظر اقتصادية، دهشت لكون بعض الأسعار هنا في يريفان موازية للأسعار في سانت بطرسبرغ أو حتى موسكو."

غيتي
المقر الرئيسي لبنك VTB في أرمينيا في يريفان

بالفعل، وصل معدّل التضخّم في أرمينيا إلى 8,6 في المئة في 2022 وارتفع متوسّط سعر المتر المربع للشقق بنسبة 14 في المئة. فقد أحدث السيل الجديد للمهاجرين ضغطاً على اقتصاد البلاد ورفع أسعار كثير من المنتجات والخدمات. في الوقت نفسه، أدّى التدفّق المتزايد للعملات الأجنبية من شركات تكنولوجيا المعلومات في الغرب التي تدفع للعاملين المستقلّين والموظفين في أرمينيا، إلى انخفاض أسعار الصرف. وتدنّى سعر الدولار بنسبة 19,5 في المئة في أغسطس/آب 2023 عما كان عليه في فبراير/شباط 2022، في حين انخفض اليورو بنسبة 23,2 في المئة. ويعني ذلك بطبيعة الحال انخفاضاً كبيراً في القوة الشرائية لمن يعملون عن بُعد من أرمينيا لصالح شركات دولية.

في يوليو/تموز 2023، أكّدت وكالة "فيتش" أنها تتوقّع أن تشهد قيمة الدرام انخفاضاً معتدلاً في الفترة بين 2023-2024، لكنها ستظل أقوى مما كانت عليه قبل بداية الصراع في أوكرانيا. كما شهدت نسبة التضخّم الأساسي انخفاضاً أيضاً وبلغت 1,5 في المئة على أساس سنوي في يونيو/حزيران 2023.

في النهاية، ليس من الواضح ما سيفعله كثير من الروس الذين انتقلوا إلى أرمينيا عند انتهاء الحرب في أوكرانيا. لكن كثراً آثروا الالتفات إلى الجوانب الإيجابية. يقول بوريس فوكين، المؤسّس الشريك لشركة استشارات جديدة في أرمينيا: "ان القدرة على التأثير هنا وتلمس نتائج ما تقوم به هي عظيمة حقاً. لا يتعلّق الأمر بدخلك الشخصي فقط، بل برؤية التحوّل الذي يحدث من حولك. ربما تكون ناشطا وتتمكن من تغيير الوضع المتعلّق بقضيّتك. هذا أمر رائع! عندما تعيش في بلد كبير، يكون تأثيرك ضئيلا ويكتنفك إحساس بالعجز، وعدم القدرة على اتخاذ قرار. هنا، يمكنك أن تكون صانع قرار وأن تكون مؤثرا، حتى على نطاق واسع أحياناً".

font change

مقالات ذات صلة