"قتلة زهور القمر" قد يعيد سكورسيزي إلى الأوسكار

قصة قبيلة من السكان الأصليين

AppleTV+
AppleTV+

"قتلة زهور القمر" قد يعيد سكورسيزي إلى الأوسكار

هوليوود: استقبل خروج فيلم "قتلة زهور القمر"(Killers of the Moon Flowers) في الأسبوعين الثالث والرابع من شهر أكتوبر/تشرين الأول إلى الأسواق العالمية، بما فيها العربية، بترحاب جماهيري لا بأس به. حل الفيلم أولا في الإيرادات الهولندية والبرتغالية والأوسترالية والإيطالية وفي كوريا الجنوبية ونيوزيلاندا، وثانيا في بريطانيا والولايات المتحدة. وحقق إيرادات جيدة في السعودية ومصر والإمارات وإن لم تكن تفاصيل الإيرادات قد أعلنت بعد.

ساعد في ذلك أمران أساسيان، الأول أن الفيلم، خلق منذ عرضه في مهرجان "كان" السينمائي الماضي، فضولا واسعا بسبب الغموض التام الذي يحيط بموضوعه، والأمر الثاني هو اسم مارتن سكورسيزي الذي ينتظر أفلامه رهط كبير من المتابعين حول العالم. الفيلم الممهور باسمه هو رهان الجمهور على قيمة الفيلم ونوعيّته. هذا تكرر سابقا أكثر من مرّة حتى وإن لم يترجم إلى مئات الملايين من الدولارات التي تتمتع بها أفلام الأكشن والأبطال الخارقين.

يؤخذ في الحسبان أن اهتمام جمهور المثقفين والباحثين عن السينما الفنية عموما في أعمال سكورسيزي لم يضع أفلامه في مرتبة عالية في حصاد إيرادات الأفلام.وأعلى إقبال حصده فيلم لسكورسيزي كان "المغادر"في 2006 الذي تُرجم 211 مليون دولار. في المركز الثاني "كايب فير" الذي حصد 198 مليون دولار، والثالث فيلم "الملاح" (174 مليون دولار) ثم "شاتر آيلند"و"ذئب وول ستريت" (152 مليون دولار).

الموضوع الذي يطرحه الفيلم الجديد مأخوذ عن أحداث حقيقية وقعت في عشرينات القرن الماضي عندما اغتيل عدد من أعيان وأثرياء قبيلة أوساج الهندية تبعا لخطة تصفية أدارها رجل أبيض ونفّذها أعوانه


وفي حين ليس من المتوقع أن يدخل "قتلة زهور القمر" قائمة الخمسة الأنجح لسكورسيزي، فلا بدّ من ملاحظة أن أربعة من هذه الأفلام كانت من بطولة ليوناردو دي كابريو (باستثناء "كايب فير")، بذلك يكون دي كابريو هو نقطة الجذب الأساسية في أفلام المخرج.

وقائع مخيفة

الموضوع الذي يطرحه الفيلم الجديد مأخوذ عن أحداث حقيقية وقعت في عشرينات القرن الماضي عندما اغتيل عدد من أعيان وأثرياء قبيلة أوساج الهندية تبعا لخطة تصفية أدارها رجل أبيض ونفّذها أعوانه.

AppleTV+

للأسف، لم يكن موضوع الفيلم ليستحوذ على أكثر من نصف هذا الإهتمام لو أن مخرجا من غير الصف الأول من مخرجي أميركا اليوم (وهو صف يقف فيه حاليا سكورسيزي بجانب كريستوفر نولان وديفيد فينشر وريدلي سكوت وجيمس كاميرون وثلّة من الآخرين) قام بإخراج الفيلم.

اسم سكورسيزي ونوعية الفيلم بوصفه عملا جادا حول قضية لم تتعرّض لها السينما من قبل (إلا مرّة واحدة) أدّت للكشف عن وقائع مخيفة في تاريخ العلاقة بين البيض والمواطنين الأميركيين الأصليين، أو كما لا يزال البعض يصفهم بـ"الهنود الحمر"،  يقفان وراء اهتمام الجمهور الذي لم يكن مطلعا على القضية المُثارة في الفيلم ولا على تاريخها الواقعي.

المرّة الوحيدة التي أقدم فيها فيلم ما على التعرّض لهذه القضية، وردت في فيلم "قصة الأف بي آي" (The FBI Story)الذي أخرجه العتيق مرفن ليروي وتسلم دفة بطولته جيمس ستيوارت في سنة 1959.

تكوّن ذلك الفيلم من عرض خمسة ملفّات لنشاطات جهاز "مكتب التحقيقات الفيديرالي" الذي كان أُسّس حديثا في الخمسينات. أحد هذه النشاطات تمحور حول ملف جرائم القتل التي وقعت لأثرياء القبيلة بهدف سرقة أراضيهم. الحبكة تمّت بحسب الخطة التالية: اغتيال أحد أثرياء أفراد القبيلة ثم المسارعة في الاستحواذ على أرضه بصفقة بيع جاهزة. الغاية ليست الاستحواذ على الأرض فقط، بل الاستحواذ على النفط الذي تحويه أراضي القبيلة في ولاية أوكلاهوما (إحدى أهم الولايات المدرّة للنفط في الولايات المتحدة).

AppleTV+

فيلم ليروي لم يحقّق الأثر التجاري على الرغم من عنوانه الجاذب، لكنه فتح نافذة من نحو ثلث ساعة على القضية التي بادر فيها بطل الفيلم، المحقق تشيب هاردستي (شخصية خيالية)، الى التحقيق في شكاوى بعث بها أفراد من قبيلة أوساج تطالب مكتب التحقيقات الفيديرالي بالإهتمام بما يحدث. ج. إدغار هوفر، رئيس المكتب، طلب من هاردستي الانتقال إلى ولاية أوكلاهوما للتحقيق، وهذا اكتشف حقيقة ما يحدث وهي الحقيقة التي تظهر، على نحو أوسع وأكثر إلماما، في فيلم سكورسيزي الجديد.

شهادة

في حين أن "قصّة الأف بي آي" ينتقل بين خمس قضايا مختلفة (من بينها واحدة حول ممارسات عصبة كوكلكس كلان العنصرية وأخرى عن محاكمات المكارثية للمتهمين بالانتماء الى الشيوعية خلال الخمسينات) يدور "قتلة زهور القمر" بكامله حولها وفي ثلاث ساعات و40 دقيقة من العرض. وهو فيلم مقتبس من كتاب لديفيد غران يتناول الوقائع على  نحو قريب ويحاذي الكتابة الوثائقية.

كُتب الكثير، شرقا وغربا، وبإعجاب كبيرعن هذا الفيلم، مما منح سكورسيزي، ابن الثمانين عاما، انتصارا معنويا جديدا يكمل سلسلة انتصاراته السابقة عبر تاريخه الطويل من الأعمال المشهودة.

القضية المثارة جنائية في الدرجة الأولى وفيلم سكورسيزي يبدأ ‫بنماذج منها. أشخاص غامضون يقتلون رجالا من قبيلة أوساج الهندية من دون ترك أثر. العمليات دموية والمخرج يختار شكلا توثيقيا قبل الانتقال إلى ما هو روائي. هذه البداية شبيهة ببداية فيلمه الشهير "الرفقة الطيبة" الذي عمد فيه إلى تصوير سقوط ضحايا عمليات مافيوية في نيويورك. الفارق أن الأحداث التي يتناولها في فيلمه الأخير وقعت بالفعل ولو أنها سُجلت كحوادث انتحار عبر رئيس شرطة البلدة المرتشي (أبيض).

الحال هنا هي أن الأرض التي أفردتها الحكومة الأميركية لقبيلة أوساج كمحمية بعدما نقلتهم من أراضيهم الأصلية في ولاية ميسوري إلى ولاية أوكلاهوما، كانت تحتوي على مخزون هائل من النفط ومن المشكوك جدا فيه أن الحكومة الأميركية لم تكن لتمنحهم تلك القطعة الكبيرة من أراضي الولاية لو إنها كانت تعلم أنها حبلى بالنفط.

الاعتراف

بعيد اكتشاف النفط في أراضي القبيلة، بدأت، في مطلع العشرينات وحتى منتصفه، حوادث قتل  غامضة، والضحايا كانوا دوما من أثرياء النفط الأوساجيين. أما الجهة التي تدير تلك الإغتيالات فتتجسّد في شخصية صاحب البنك الذي يودع فيه أثرياء القبيلة أموالهم. خطته تقتضي التخلص من الأثرياء ثم شراء أراضيهم بأسعار بخسة مستحوذا على خيراتها. عدد الضحايا، بحسب تقدير المؤلف ديفيد غران، لا يقل عن 20 فردا (ذكر في كتابه أن الرقم قد يصل إلى 200 فرد اختفوا بطريقة غامضة لكن الفارق بين 20 و200 يبدو كبيرا).

في الفيلم تعاون المسؤولون المحليون مع صاحب المصرف وليام هايل على إقناع قادة القبيلة بأنهم ليسوا مؤهلين لاستثمار أموالهم وبأنهم في حاجة إلى مرشدين. فاقترح هايل للمهمة وهذا لم يثر الريبة لدى الأوساجيين كونه كان دائم التودد لهم، مظهرا المحبة والوئام من دون أن تحفّظ أو عنصرية.

 عومل السكان الأصليون كمجموعات متوحشة تستحق السطو على أراضيهم وقتلهم ونقلهم من مكان إلى آخر لتوسيع مساحات الاستيطان خصوصا إذا كانت القبائل تعيش فوق ركام من الذهب والفضّة

فيلم سكورسيزي دراما متعددة الرؤوس وأهمها ثلاثة: هايل كما يؤدّيه روبرت دينيرو وابن شقيقه إرنست، ليوناردو دي كابريو) والمرأة التي أوصى هايل إبن أخيه بالزواج منها لأن لديها قطعة أرض كبيرة سيرثها حين تموت. يكشف له كامل الخطة، بل يطلب منه المشاركة في تنفيذ الاغتيالات ولاحقا في دسّ السم لزوجته مولي (ليلي غلادستون) لكي يستعجل التخلّص منها. لكن السم هو من النوع البطيء، حتى لا يشك أحد في أنها ماتت مسمومة. عند هذه النقطة من الفيلم يدخل على الخط محقق "الأف بي آي" (الممثل الممتاز جسي بليموندز الذي شوهد آخر مرّة في فيلم وسترن هو"قوة الكلب" قبل عامين). يحقق في القضية ويستنتج وينقذ حياة مولي في اللحظة الأخيرة. إرنست يعترف بأن عمّه هو الذي طلب منه قتل زوجته وهو الذي يقود شبكة القتلة التي أودت بحياة الأوساجيين.

وقائع

نهاية الفيلم التي تصوّر مارتن سكورسيزي يقف في استديو لمحطة إذاعية يتلو بقايا الأحداث مع مؤثرات صوتية مناسبة، تسيء إلى ما سبق. إنها خاتمة جديدة بالفعل كبديل لما تقوم عليه أفلام أخرى مع نهاية حكايات مستوحاة من الواقع فتذكر، بطريقة الطبع على الشاشة،  ما آلت إليه الأحداث والشخصيات لما بعد العرض. لكن ما يختاره سكورسيزي كبديل يترك مذاقا كوميديا على المأساة التي أمضى المخرج تلك الساعات لتعميقها. في الأساس لا يتجنّب المخرج الدفاع عن مصير تلك القبيلة وما شهدته من ظلم وخداع. هذا تردّد في أفلام عديدة حيث الأشرار هم البيض الذين يقضمون الأراضي الهندية للتوسع أو بسبب اكتشاف الذهب والفضة. أما في فيلم سكورسيزي، فإن البيض (باستثناء المحققين) مدانون بالطبع، طالما أن هذا مقتبس من وقائع لا غُبار عليها، وخصوصا أن مواطني أميركا الأصليين عوملوا منذ وصول كولومبوس إلى سواحل القارة كمجموعات متوحشة تستحق السطو على أراضيهم وقتلهم ونقلهم من مكان إلى آخر لتوسيع مساحات الاستيطان خصوصا إذا كانت القبائل تعيش فوق ركام من الذهب والفضّة.

AppleTV+

الإشكال الأساسي في الفيلم درامي. كالعادة يحب سكورسيزي منح بطولة أفلامه للشخصيات الشريرة. بذلك يواصل ما بدأه من قبل، فيروي الحكايات من وجهة نظر الجلادين أو القتلة وليس من وجهة نظر الضحايا. وحدها غلادستون، في دور الزوجة، تعبّر هنا عن تراجيديا الجشع والعنصرية، لكن الواجهة الأساسية لا تزال ملكا للشريرين روبرت دينيرو وليوناردو دي كابريو.

نجد هذا في فيلم "شوارع شريرة" (1974)، امتدادا لأفلام أخرى مثل "سائق التاكسي" و"لون المال" و"الرفقة الطيبة" و"كازينو" ولاحقا "ذئب وول ستريت" حيث الخديعة والجشع وسرقة المال عبر التلاعب بالبورصة مجسّدة من دون واعز أو انتقاد، و"الأيرلندي" من بين أفلام أخرى عديدة. في الفيلم الأخير يؤدي ذلك إلى تحييد القضية الهندية بأسرها وتحويلها إلى خلفية. صحيح أن هناك دورا نسائيا بارزا لكن القيادة في يد دينيرو ودي كابريو طوال الوقت.

أوسكارات محتملة

لا يغيّر وصول محقق "الأف بي آي" ورجاله إلى البلدة في نصف الساعة الأخيرة من الفيلم من هذا الوضع شيئا. ما يفعله سكورسيزي هو توفير خاتمة نظر إليها البعض كدعاية لمكتب التحقيقات الفيديرالي. لكن هذا ليس صحيحا لأن "الأف بي آي" دخل فعلا وقبض على العصابة الشريرة بالفعل. وفي حين كان يمكن لسكورسيزي معالجة الموضوع الكبير ذاته بطريقة تختصر نحو ثلاثة أرباع الساعة من العرض، فإن نصف الساعة الأخيرة هي ختام واقعي لا بد منه بحسب المعالجة التي كُتبت للفيلم أساسا.

موقع سكورسيزي النوعي حاليا أفضل بكثير من أبناء جيله بمن فيهم فرنسيس فورد كوبولا ووودي ألن وبرايان دي بالما(معظم الباقين تواروا منذ سنوات بعيدة بعدما فشلوا في ترك بصمات فنية وتجارية مهمة، باستثناء ستيفن سبيلبرغ المنتمي إلى ذلك الجيل نفسه ولو أنه اتبع، منذ البداية، نمط السينما الإستهلاكية والترفيهية المضمونة النتائج).

تأخير العروض التجارية إلى النصف الثاني من شهر أكتوبر/ تشرين الأول، كان لأجل إدخال الفيلم ومخرجه وفنانيه وفنييه في موسم الجوائز السنوية غير المرتاح حاليا على وقع إضراب الممثلين (مما يعني غياب كثر عن منصات تلك المهرجانات) ووقع حرب غزة التي قد تثمر عن بضعة خطابات سياسية إذا ما سنحت الفرصة.

سكورسيزي وفيلمه ليسا وحدهما في السعي الى كسب أوسكارات وجوائز أخرى، بل هناك "نابليون" لريدلي سكوت و"المُخلّفون" (The Holdovers) و"مايستروط  لبرادلي كوبر و"القاتل" لديفيد فينشر من بين أخرى.

font change

مقالات ذات صلة