غاز شرق المتوسط على وقع حرب غزة

هل تقطع تطورات المنطقة التعاون بين مصر وإسرائيل بعد الاتفاق

Alex Williams
Alex Williams

غاز شرق المتوسط على وقع حرب غزة

تسببت الحرب الإسرائيلية على غزة في تأزم اقتصادي في المنطقة، وخصوصاً في دول الشرق الأوسط، مصر وإسرائيل والأردن ولبنان، التي تعاني أصلا من ارتفاع معدلات التضخم، ويتوقع أن تؤدي الحرب الدائرة إلى تداعيات اقتصادية بالغة السوء في هذه الدول إذا ما استمرت الحرب أسابيع إضافية أو أشهراً، وربما من ثم تصدير الأزمة إلى دول أخرى. وبات الوضع يثير مخاوف تهدد سوق الغاز في الشرق الأوسط، وهو الخطر الجيوسياسي الأكبر الذي يهدد سوق الطاقة العالمي.

تبدو العواقب متسارعة، قد ينجم عنها ركود اقتصادي نظرا الى تباطؤ النمو، وقد انعكس ذلك بالفعل ارتفاعاً في أسعار الغاز نتيجة تعطل تصديره من إسرائيل بالكميات التي كانت تصدرها الدولة العبرية إلى مصر ومن ثم توقف ذلك، قبل نقله إلى دول الاتحاد الأوروبي، وذلك من طريق "محطة إسالة الغاز المصرية" في دمياط ومحطة "أدكو" في محافظة البحيرة، وهما من أهم الركائز الرئيسة في التسهيلات والبنية التحتية التي تمتلكها مصر لتجارة الغاز الطبيعي وتداوله. وتسهل المحطتان الواقعتان على ساحل البحر المتوسط عملية تسييل الغاز ونقله في شاحنات مباشرة إلى دول الاتحاد الأوروبي، طبقاً لاتفاقات موقعة بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي، وبينهما وبين مصر.

وأعلنت مصر في27 أكتوبر/تشربن الأول المنصرم عن تراجع وارداتها من الغاز إلى الصفر من 800 مليون قدم مكعبة يوميا. وأصبحت الرؤية معدومة في ما يتعلق بشكل التعاون بين مصر وإسرائيل في موضوع الغاز في المرحلة المقبلة، بسبب تداعيات الحرب وتمسك مصر بموقفها الرافض للانتهاكات الإسرائيلية والتصعيد واستهداف المدنيين. وكان نوع من المناوشات السياسية طرأ بين القاهرة وتل أبيب بسبب قصف إحدى نقاط أبراج المراقبة المصرية على الحدود الإسرائيلية من طريق الخطأ. بالتالي، إلى جانب وقف تصدير الغاز إلى مصر، بات مشروع تصدير الغاز على المحك، وكذلك واقع الاقتصاد المصري الي يعاني من آلام مزمنة.

أعلنت مصر عن تراجع وارداتها من الغاز إلى الصفر من 800 مليون قدم مكعبة يوميا. وأصبحت الرؤية معدومة في ما يتعلق بشكل التعاون بين مصر وإسرائيل في موضوع الغاز في المرحلة المقبلة، وبات مشروع تصدير الغاز على المحك

تأثير حرب غزة في سوق الغاز

ينتظر الجميع أن تهدأ الحرب لاستكمال تطبيق الاتفاق الموقع بين مصر وإسرائيل. وهذا الأمر غير محسوب حتى الآن، إذا كان تصدير الغاز من إسرائيل إلى مصر ومنها إلى أوروبا سيستأنف، ومعه، تعويض الكميات التي تحتاج إليها مصر للاستخدام من طريق الاستيراد لحسابها الخاص طبقاً للاتفاقات المبرمة. كل هذه الأمور تتضح عقب انتهاء الحرب، وكيف سيكون عليه شكل التعاون في هذا المجال بين القاهرة وتل أبيب في ضوء تطورات الأوضاع في المنطقة. ولا تزال الاحتمالات والتخوفات قائمة في شأن الآثار الكارثية على الاقتصاد المصري والعالمي، في حال توسع الحرب، لتشمل أطرافاً إقليميين.

اقرأ أيضا: الاقتصاد الإسرائيلي من سيء الى أسوأ

وكانت شركة "شيفرون" الأميركية قررت تحويل توجيه شحنات الغاز الطبيعي المنتج من حقل "ليفاياثان" الإسرائيلي إلى مصر عبر خط الغاز العربي بدلاً من خط أنابيب غاز شرق المتوسط، كما أوقفت الإنتاج في حقل "تمار" بناء على طلب من السلطات الإسرائيلية. وكان هناك تأكيدات مصرية بعدم انقطاع الغاز المورد إلى مصر بـ"شكل كلي"، وإنما خفض للكميات، ولا سيما في ضوء عدم تأثر السوق المحلية بتراجع الإمدادات، وذلك قبل الإعلان عن توقف الواردات.

EPA
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ووزير النفط المصري طارق الملا ووزيرة الطاقة الإسرائيلية كارين الهرار خلال توقيع الاتفاق الغاز بين مصر واسرائيل في القاهرة في 15 يونيو.

وتدير "شيفرون" حقلي "تمار" و"ليفاياثان" في إسرائيل، وقررت السلطات الاسرائيلية وقف العمل في الحقل الأول، وتوجيه إنتاج الحقل الثاني إلى خط الغاز العربي عبر الأردن بدلاً من خط أنابيب غاز شرق المتوسط، ونتيجة لذلك، شهدت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا ارتفاعاً بأكثر من 40 في المئة، عند 56 يورو (59. 2 دولار) لكل ميغاواط-ساعة، وأخذ المتداولون في اعتبارهم حجم التداعيات التي قد تصيب القارة الأوروبية والأردن ومصر، جراء توقف حقل "تمار" عن الإنتاج. وتستورد مصر الغاز الإسرائيلي لتسييله بمحطات الإسالة على البحر المتوسط لتصديره إلى أوروبا. 

وكانت كميات الغاز الطبيعي التي تستوردها مصر من إسرائيل ارتفعت في السنة المالية المنصرمة المنتهية في يونيو/حزيران 2023، بنسبة 42,77 في المئة، لتصل إلى 272,7 مليار قدم مكعبة من الغاز، في مقابل 191 مليار قدم مكعبة في السنة المالية 2021-2022، وفق تقرير لـ"الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية" (إيغاس).

وبدأت مصر استيراد الغاز من إسرائيل للمرة الأولى عام 2020، في صفقة قيمتها 15 مليار دولار بين شركة "نوبل إنيرجي" – التي استحوذت عليها "شيفرون" عام 2020 – و"ديليك دريلينغ"، وشركة "دولفينوس القابضة" المصرية. ووقعت مصر في يونيو/حزيران 2022 مذكرة تفاهم مع الاتحاد الأوروبي وإسرائيل لزيادة صادرات الغاز إلى أوروبا، بهدف الإمداد بالغاز الإسرائيلي عبر محطات الإسالة المصرية في "أدكو" ودمياط على البحر المتوسط.

AFP

ومع اندلاع الحرب، كشفت وكالة "ستاندرد أند بورز" أن إغلاق منصة "تمار" الإسرائيلية للغاز أدّى إلى خفض واردات مصر من الغاز من 800 مليون قدم مكعّبة يومياً إلى 650 مليون قدم مكعّبة يومياً، قبل أن تتراجع إلى الصفر، مما يخفض قدرة مصر على تلبية طلبات تصدير الغاز الطبيعي المسال.

تدير "شيفرون" حقلي "تمار" و"ليفاياثان" في إسرائيل، وقررت السلطات الاسرائيلية وقف العمل في الحقل الأول، وتوجيه إنتاج الحقل الثاني إلى خط الغاز العربي عبر الأردن بدلاً من خط أنابيب غاز شرق المتوسط، ونتيجة لذلك، شهدت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا ارتفاعاً بأكثر من 40 في المئة

تأثير الحرب في مصر اقتصاديا

في السياق، قال الخبير والمحلل السياسي أشرف العشري لـ"المجلة" إن لدى مصر مصنعين لإسالة الغاز الطبيعي، الأول في "أدكو" مملوك لـ"الشركة المصرية للغاز الطبيعي المسال"، ويضم وحدتين للإسالة بطاقة استيعابية تصل إلى نحو 1,35 مليار قدم مكعبة يومياً من الغاز الطبيعي، والآخر في دمياط ومملوك لشركة "إيني" الإيطالية و"الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية" (إيغاس)، وهيئة البترول، ويضم وحدة فقط بطاقة تصل إلى نحو 750 مليون قدم مكعبة يومياً. ولدى مصر خط أنابيب شرق المتوسط، وهو خط لنقل الغاز الطبيعي المصري من العريش بمصر إلى عسقلان بإسرائيل عبر المياه الإقليمية المصرية ثم الإسرائيلية في البحر المتوسط بطول 100 كيلومتر، ويُستخدَم في تصدير الغاز الإسرائيلي إلى مصر.

وألمح العشري إلى أن الحرب لها تأثير اقتصادي في الإقليم بما فيه مصر نظراً إلى حالة الركود الاقتصادي وارتفاع معدل التضخم وارتفاع سعر الغاز نتيجة التطورات في المنطقة، وخصوصاً دول التماس مثل مصر ولبنان وسوريا والأردن وإسرائيل، لكنه أكد عدم تأثير ذلك في احتياجات مصر الداخلية من الغاز لأن مصر لديها حساباتها وحصصها ولديها إنتاج من حقل "ظهر" وبعض الحقول المصرية التي بدأت في ضخ الغاز في الآونة الأخيرة.

ويعتقد العشري بأن الحكومة المصرية لديها حساباتها وترتيباتها لضخ الغاز للداخل المصري، وخصوصاً أنها كانت تستخدم جزء من الغاز الإسرائيلي للداخل والجزء الآخر يجري بيعه للخارج بمعرفة الدولة للحصول على العملة الصعبة نتيجة الاتفاق الموقع بين مصر وإسرائيل.

وقال إنه لا يعتقد أن يكون لهذا الأمر تأثير في الداخل المصري، فمصر لديها بدائل في إنتاجها الداخلي، وتستطيع خفض البيع أو التصدير إلى الخارج في مقابل سد عجز الحصة الداخلية في هذه المرحلة، لكن عقب انتهاء الحرب، ربما ستكون هناك عودة إلى الاتفاق المصري مع إسرائيل، لأن إسرائيل ترى أن العبور إلى أوروبا من خلال تصدير الغاز إلى مصر هو الأوفر والأصوب والأنجح لها في هذا الشأن.

اقرأ أيضا: سر اهتمام الصين بحرب غزة

 الغاز المورد إلى مصر وأوروبا

وكانت مصر وقعت اتفاقات مع فرنسا وألمانيا بزيادة كميات الغاز إلى أوروبا بعد فرض عقوبات على روسيا من دول الاتحاد الأوروبي والناتو والولايات المتحدة، بسبب الحرب الروسية الأوكرانية، تاليا، كان لدى القاهرة فرصة لفتح أسواق جديدة بكميات كبيرة بناء على عقود جرى إبرامها منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير/شباط عام 2022.

وفي مطلع عام 2020 بدأت إسرائيل بضخّ الغاز من حقلي "تمار" و"ليفاياثان" إلى مصر بموجب اتفاق لمدة 15 سنة بقيمة 19,5 مليار دولار، حيث تمتلك القاهرة مراكز بنية تحتية قوية لتسييل الغاز الطبيعي وتصديره، ولا سيما إلى أوروبا.

REUTERS
مصنع غاز من طريق السويس الصحراوي خارج القاهرة، مصر، 1 سبتمبر 2020.

وحافظت صادرات مصر من الغاز المسال في الربع الأول من عام 2023 على مستوياتها السابقة للفترة نفسها من العام الماضي، على الرغم من تراجع إنتاج بعض الحقول. وكشف تقرير لـ"منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول" (أوابك)، تسجيل صادرات الغاز المسال المصرية خلال الربع الأول من 2023 نحو 1,90 مليون طن. وأرجع التقرير حفاظ صادرات مصر من الغاز المسال إلى مستويات الإنتاج التي ارتفعت بعد تطوير حقول الغاز في منطقة شرق المتوسط، وما تستقبله القاهرة من كميات من حقول أخرى في المنطقة بموجب اتفاقات مع الشركات الأجنبية.

تهدد الحرب على غزة سوق الغاز الإقليمية وستكون لها تأثيرات شديدة في الآونة المقبلة، حيث تستعر حرب الأسعار بين الدول المنتجة والمستهلكة

الخبير النفطي الدكتور رمضان أبو العلا

وسبق الإعلان الأخير عن توقف التصدير من إسرائيل، تأكيد وكيل أول وزارة النفط المصري الأسبق المهندس محمود نظيم لـ"المجلة" عدم تأثر السوق المحلية بانخفاض الإنتاج من حقل "تمار" في البحر المتوسط، ولذلك "قل التصدير وهذا طبقاً لاتفاق تجاري بين شركات ليس له علاقة بتأثيره في الداخل المصري ولن يؤثر في الاستهلاك المحلي، الذي يغطيه حجم الإنتاج من الآبار والحقول المصرية، في حين سيتأثر حجم المصدر من مصر إلى الخارج نسبياً، وقد يجري تعويضه لاحقاً وفق العقود المبرمة". وذكر نظيم أن الحرب تهدد سوق الغاز المصدر إلى أوروبا، ويتوقف الإنتاج نتيجة الحرب لكن الأسعار لم تتأثر في شكل كبير. 

غزة تهدد سوق الغاز الإقليمية

من جهته قال الخبير النفطي الدكتور رمضان أبو العلا لـ"المجلة": "تهدد الحرب على غزة سوق الغاز الإقليمية وستكون لها تأثيرات شديدة في الآونة المقبلة، حيث تستعر حرب الأسعار بين الدول المنتجة والمستهلكة: الدول المنتجة تريد تحقيق أعلى ربحية، في وقت تسعى الدول المستوردة إلى وضع سقف لأسعار الغاز". واعتبر أن تذبذب أسعار الغاز محصور في الوقت الراهن فقط بينما ستعود الأسعار إلى طبيعتها عقب توقف الحرب. واتفق أبو العلا في الرأي مع العشري ونظيم في أن الحرب الإسرائيلية على غزة "تهدّد سوق الغاز الطبيعي الإقليمية كما يمكن أن يكون لها تأثير في إمدادات الغاز الطبيعي الى مصر لتسييله وتصديره إلى أوروبا".

وعن الاتفاقات الاقتصادية المبرمة بين مصر وإسرائيل والاتحاد الأوروبي، قال أبو العلا إنها موثقة بين الجانبين وتضمنها حكومات الدولتين، ولا يمكن تغييرها إذ أن أي إخلال بالشروط يدفع إلى اللجوء إلى المحاكم الدولية التي تفرض غرامات على الإخلال بالعقود المبرمة، إلا في حالة الخطورة التي تعيق التصدير، وهنا يجري التماس الأعذار بين الأطراف، أما في حالة الحرب والتأخير في التصدير فلا يجري اللجوء إلى المحاكم فذلك ليس له أي مردود.

font change

مقالات ذات صلة