"محور فيلادلفيا" الخط الفاصل للعلاقة بين إسرائيل ومصر في حرب غزة

Reuters
Reuters
جندي إسرائيلي عند مدخل نفق حفرته "حماس" قرب معبر ايريز في 15 ديسمبر

"محور فيلادلفيا" الخط الفاصل للعلاقة بين إسرائيل ومصر في حرب غزة

رفح- انتشر مؤخرا الكثير من التصريحات والتلميحات المنقولة عن المسؤولين الإسرائيليين، حول إمكانية إعادة احتلال وسيطرة الجيش الإسرائيلي على الحدود بين قطاع غزة ومصر أو ما يُعرف باسم "طريق صلاح الدين- محور فيلادلفيا"، بحجة أنّ الفصائل الفلسطينية تعمل على تهريب الأسلحة والمواد المتفجرة من الأنفاق أو تهريب قادتها في الأنفاق التي تمر أسفل المحور، وتربط بين غزة ومصر.

وكان الجيش الإسرائيلي قد بدأ حربا على قطاع غزة يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بعد اقتحام عدد من المقاتلين التابعين لـ"كتائب القسام" الجناح العسكري لحركة "حماس"، الحدود الشرقية صباح ذلك اليوم، برا وجوا، حيث اشتبكوا مع جنود الجيش الإسرائيلي وأسروا مجموعة منهم واعتقلوا عددا من المستوطنين القاطنين في المستوطنات المحاذية لحدود القطاع، واقتادوهم إلى داخل غزة.

وتستمر الحرب الإسرائيلية على غزة للشهر الثالث وتخللها اجتياح بري لشمال قطاع غزة ثم التقدم نحو مدينة غزة وإجبار الآلاف من السكان على النزوح القسري نحو جنوب القطاع، كما عمل الجيش الإسرائيلي على اجتياح شرق مدينة خانيونس جنوبي القطاع في مرحلة ثانية مع استمرار عمل الجيش على استكمال اجتياحه البري للمناطق الشرقية شمالي غزة.

ومع استمرار العمليات العسكرية، التي تقول إسرائيل إنها تهدف من خلالها إلى القضاء على حركة "حماس" وجناحها العسكري، كثر الحديث إسرائيليا حول إمكان إعادة احتلال محور فيلادلفيا بحجة أن الحركة استخدمت الأنفاق أسفل حدود المحور لتهريب الأسلحة والمواد المتفجرة من عدة مناطق وبلدان داعمة، كما أنّ بعضها أبدى تخوفه من إمكان تهريب قادة "حماس" أو المحتجزين الإسرائيليين لديها إلى دول داعمة للحركة عن طريق الأنفاق.

بدأت عملية تقسيم وترسيم الحدود بين القطاع ومصر، بعد معاهدة السلام التي تم توقيعها بين مصر وإسرائيل عام 1979

ويمتد محور فيلادلفيا أو محور صلاح الدين من البحر المتوسط غربا حتى معبر كرم أبو سالم شرقا، حيث نقطة الالتقاء بين حدود مصر وإسرائيل وقطاع غزة، ويبلغ طول المحور قرابة 14 كيلومترا، يتخلله معبر رفح البري الذي يربط بين غزة والعالم عن طريق مصر.

بدأت عملية تقسيم وترسيم الحدود بين القطاع ومصر، بعد معاهدة السلام التي تم توقيعها بين مصر وإسرائيل عام 1979، وتُعرف بـ"اتفاق كامب ديفيد"، الذي نص على إنشاء منطقة عازلة على طول الحدود، عُرفت باسم "طريق صلاح الدين– محور فيلادلفيا"، سمحت بوجود الجيش الإسرائيلي لمراقبة الحدود، كما سيطر على عمل معبر رفح البري من الجهة الفلسطينية حتى عام 2005.
وقد استمر الحال على ما هو عليه حتى تم توقيع اتفاق جديد بين مصر وإسرائيل، عُرف باسم "اتفاق فيلادلفيا" عام 2005، بعد مفاوضات استمرت قرابة 18 شهرا. وسمح ذلك الاتفاق بوجود قوات مصرية بأسلحة خفيفة على طول المحور، كما نص على تحميل طرفي التوقيع مسؤولية مكافحة الأنشطة المعادية المتعلقة بالتهريب والتسلل والإرهاب من أراضي أي من الدولتين، بالإضافة إلى أنه سمح بوجود 750 جنديا مصريا من حرس الحدود، ومتخصصين في مكافحة الإرهاب والتسلل عبر الحدود ومنع عمليات التهريب، من خلال انتشارهم على طول المنطقة الحدودية. 
وتزامن توقيع الاتفاق مع انسحاب إسرائيل من المحور في العام ذاته، وفق خطة إعادة الانتشار التي وضعها في ذلك الوقت رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق آرئيل شارون، حيث سحبت إسرائيل جيشها ومستوطنيها من قطاع غزة وبشكل أحادي الجانب، فيما هدف توقيع إسرائيل لـ"اتفاق فيلادلفيا" إلى ضمان تأمين الحدود وعدم استغلاله للأنشطة العسكرية.

اخترق الفلسطينيون المحور مرتين عقب الحصار، بحيث دخلوا إلى رفح المصرية وبعض القرى المحيطة بها لعدة أيام، للتزود بالطعام والشراب وبعض اللوجستيات الأساسية

وكانت إسرائيل تعلم جيدا أهمية الحدود وعمليات التهريب بالنسبة للفصائل الفلسطينية التي كانت تعمل على تهريب أسلحة ومواد متفجرة من خلال أنفاق سرية معدودة، لكنها ربما لم تكن تعلم أنّ الغزيين سيقتحمون الجدار الحدودي لاحقا كنوع من انفجار الضغط المُتولّد نتيجة فرض الحكومات الإسرائيلية التالية حصارا خانقا على قرابة مليون ونصف المليون فلسطيني بحسب تعداد الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني في ذلك العام.

ومضت إسرائيل في انسحابها من قطاع غزة وتوقيع الاتفاق مع مصر، رغم اعتباره محورا استراتيجيا من الناحية الأمنية والجغرافية لإتمام عملية الانسحاب، ومعارضة إسرائيلية من قبل بعض الوزراء في الحكومة الإسرائيلية وقيادات إسرائيلية استيطانية أخرى رأت في عملية الانسحاب بداية لتشكيل الدولة الفلسطينية وانحسارا لدولة إسرائيل، بالإضافة إلى أسباب استراتيجية أمنية تتعلق بعملية تسليح غزة وتأثير ذلك على أمن إسرائيل، فيما مضى الفلسطينيون باستلام الأراضي المُحررة والتي كانت تُقام عليها المستوطنات بالقطاع، كما عملت على ضمان استمرار عمل معبر رفح.

وانتقلت إلى السلطة الفلسطينية عملية الإشراف على عمل معبر رفح البري مع اشتراط إسرائيل وجود مراقبين من الاتحاد الأوروبي، ونص على ذلك اتفاق المعابر الذي تم توقيعه بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، مُحددا شروط ومعايير تنظيم حركة المرور من وإلى الأراضي الفلسطينية عبر المعابر كافة مع قطاع غزة ومنها معبر رفح، وتزامن ذلك مع توقيع بروتوكولات مع مصر سمحت بوجود 750 جنديا مصريا من حرس الحدود كما سبقت الإشارة.

مضى الحال على ما هو عليه لأقل من عامين، حين سيطرت حركة "حماس" على الحكم في قطاع غزة عام 2007، وخضع محور فيلادلفيا منذ ذلك الحين لسيطرة الحركة كما سيطرت على معبر رفح البري، وعملت على تشغيله لاحقا، أما بالنسبة إلى المحور، وبعدما فرضت الحكومة الإسرائيلية حصارها المُشدد على سكان القطاع بسبب سيطرة "حماس"، فقد اخترق الفلسطينيون المحور مرتين عقب الحصار، بحيث دخلوا إلى رفح المصرية وبعض القرى المحيطة بها لعدة أيام، كان الهدف من ذلك الاختراق، التزود بالطعام والشراب وبعض اللوجستيات الأساسية في حياتهم والمفقودة بسبب الحصار.

رغم كافة المحاولات المصرية لإنهاء ظاهرة الأنفاق، إلا أنّ إسرائيل لا زالت تدعي وجود أنفاق بين مصر وقطاع غزة يجري من خلالها تهريب الأسلحة والمواد التفجيرية إلى الفصائل الفلسطينية

ولم تستمر عملية اختراق الحدود طويلا، فيما استمر الحصار واشتد بشكلٍ أكبر، مما دفع الفلسطينيين في غزة إلى حفر أنفاق أسفل محور فيلادلفيا، بين رفح الفلسطينية ورفح المصرية ومن داخل المنازل القريبة من المناطق الحدودية على الجانبين، حيث أدخل الفلسطينيون المواد الغذائية والتموينية وحتى المعدات التي يحتاجها الغزيون لضمان استمرار أعمالهم، ووصلت إلى حد تهريب السيارات ومواد أخرى، وذلك بمساعدة مُهربين من الجانب المصري.

AFP
شاحنة مساعدات انسانية في معبر كرم ابو سالم في 21 ديسمبر

وقد مضى الفلسطينيون في عمليات التهريب، فيما راقبت إسرائيل المنطقة الحدودية فوق المحور، لتدعي أنّ الفلسطينيين يعملون على تهريب الأسلحة والذخيرة ومواد متفجرة إلى داخل القطاع، وهو ما قررت مواجهته باستهدافها عددا من الأنفاق من الجانب الفلسطيني بشكل مُباشر من خلال قصفه بالطائرات.

أما مصر التي التزمت الصمت، وربما سمحت في تلك الأعوام التي كانت تشهد خلالها عملية تغيير في النظام الحاكم، بعد إعلان الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك تنحيه عن الحكم، بدأت العمل على تعزيز قواتها على الحدود مع قطاع غزة منذ عام 2013، كما عملت على إغلاق الأنفاق الواقعة في المنطقة الحدودية بين الجانبين، الأمر الذي حد من عدد أنفاق التهريب بشكل واضح.

ولأن مصر أرادت القضاء على كافة الأنفاق نهائيا، فقد قررت إزالة المنطقة السكنية بمدينة رفح المصرية لحماية الحدود المصرية، أو بالأحرى لإنهاء وجود الأنفاق التي كانت ممتدة حتى رفح الفلسطينية ومن داخل المنازل المصرية الحدودية، لتنفذ عملية الإزالة على أربعة مراحل، بواقع 500 متر لكل مرحلة، بدأت في أكتوبر/تشرين الأول 2014 واستمرت حتى نوفمبر/تشرين الثاني 2017، كما نفذ الجيش المصري حملة كبيرة لحفر قناة عرضية من ساحل البحر أقصى الشمال الغربي من الناحية المصرية، وحتى معبر رفح في الشمال الشرقي للتأكد من قطع الإمداد عن الأنفاق وتدميرها نهائيا.

لكن على الرغم من كافة المحاولات المصرية لإنهاء ظاهرة الأنفاق، إلا أنّ إسرائيل لا زالت تدعي وجود أنفاق بين مصر وقطاع غزة يجري من خلالها تهريب الأسلحة والمواد التفجيرية إلى الفصائل الفلسطينية، كما عادت إسرائيل للحديث عن الأنفاق خلال حربها الأخيرة والمستمرة على القطاع، وإبداء تخوفها من هروب بعض من قيادات حركة "حماس" أو تهريب المحتجزين الإسرائيليين لديها عن طريق الأنفاق مع مصر إلى دول حليفة وداعمة لها.

رغم التصريحات الإسرائيلية، والادعاءات المتكررة حول إعادة احتلال محور فيلادلفيا، يستبعد بعض المختصين في الشأن الإسرائيلي، إقدام الجيش الإسرائيلي على إعادة احتلاله

إن ادعاء إسرائيل الأخير، وحديثها عن مراقبة الحدود بين غزة ومصر، جاء كتلميح إلى ضرورة إعادة احتلال جيشها لمحور فيلادلفيا والسيطرة على الحدود ومعبر رفح البري، لإنشاء منطقة أمنية عازلة ومنع عمليات التهريب أو استخدام الأنفاق من قبل الفصائل الفلسطينية وبالتحديد "حماس" وجناحها العسكري، إلا أنّ مصر، أكدت مرات عدة أنها دمّرت جميع الأنفاق التي كانت تستخدم للتهريب، وأن أي حديث إسرائيلي عن استخدام مسؤولي المقاومة للخط الحدودي لتنفيذ عمليات وتهريب أسلحة إلى داخل قطاع غزة غير صحيحة وغير موجودة ولا أساس لتلك المعلومات.

AFP
مدفع إسرائيلي ذاتي الحركة يقصف جنوب غزة في 21 ديسمبر

وكان الجيش الإسرائيلي قد استهدف في أكتوبر/تشرين الأول الماضي ومع بداية الحرب، برج مراقبة مصريا داخل الحدود المصرية بقذيفة دبابة وبالقرب من معبر العوجة، وقال فيما بعد إنها وصلت عن طريق الخطأ، فيما حذّرت مصر إسرائيل من تنفيذ أي عمليات عسكرية في المنطقة العازلة المعروفة بمحور صلاح الدين- فيلادلفيا، كما رفضت مصر أي وجود إسرائيلي على المحور.

وبالرغم من التصريحات الإسرائيلية، والادعاءات المتكررة حول إعادة احتلال محور فيلادلفيا، يستبعد بعض المختصين في الشأن الإسرائيلي، إقدام الجيش الإسرائيلي على إعادة احتلاله، وذلك بسبب ما يتطلبه الأمر من حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من التنسيق المُسبق مع مصر حول المرحلة التي تلي عملية الاحتلال، والتي سيكون لها تأثير كبير على طبيعة انتشار الجيش المصري في سيناء.

font change

مقالات ذات صلة