ثلاثة مسارات للعبور من "المقبرة البحرية" إلى "الحلم الأوروبي"

"المجلة" تتقصى وتكشف مسالك الهجرة السرية ومافياتها

Andrei Cojocaru
Andrei Cojocaru

ثلاثة مسارات للعبور من "المقبرة البحرية" إلى "الحلم الأوروبي"

برلين: معضلة الهجرة السرية القسرية، أو غير النظامية إلى أوروبا، تهز أركان الحياة السياسية الأوروبية، وتكاد تصدّع الاتحاد الأوروبي. قامت "المجلة" باستقصاءات ميدانية واسعة عن هذه المعضلة/ الظاهرة الدولية. فجمعت شهادات خاصة كثيرة من بلدان عدة عن أعمال شبكات الإتجار بالبشر ومآسي ضحاياهم وتهريبهم بحرا وبرا. وكذلك مسالك التهريب والفرار من بلدان جنوب البحر المتوسط الأفريقية، والآسيوية في شرقه، إلى دول شماله وشرقه الأوروبية.

شبكات عشائرية... و"شبيحة"

روى سوري (45 سنة)- يقيم منذ 5 سنوات في مدينة دورين الألمانية الصغيرة، وعشيرة أهله واسعة النفوذ شرقي سوريا- أن بعضا من أبناء العشيرة بدأوا يعملون في خطف أشخاص وابتزاز أهلهم لدفع فدية مالية في خضم تسلح الثورة السورية وعسكرتها. وبعد وقت انتقل بعض أبناء العشيرة إلى تركيا، فشرعوا في تهريب سوريين راغبين في الفرار من تركيا إلى بلغاريا. توسعت أعمالهم وتحولت إلى شبكة متنوعة في "الأعمال السوداء" وتضم، بالإضافة إلى شبان من العشيرة، أبناء عشائر أخرى تربطها بها مصاهرات ومصالح، ومنهم ضباط سابقون انشقوا عن الجيش السوري، وآخرون في أجهزة أمنية. وسرعان ما احترف الحلف العشائري تهريب السوريين عبر تركيا إلى اليونان وبلغاريا وصربيا.

وما جمعته "المجلة" من شهادات لاجئين كثيرين في ألمانيا وهولندا وفرنسا يشير إلى أن ظروف الحرب السورية وما رافقها من مآس وفوضى وتفكك وتحلل اجتماعيين، ومن توسع نشاط ظاهرة ما سمي "الشبيحة" المتصلة شبكاتها مباشرة بأجهزة النظام الأمنية، ساهمت في نشوء وتبلور عصابات مسلحة طائفية (في حالة “الشبيحة”) وعائلية وعشائرية (في حالات أخرى) كان نشاطها محليا في البداية. لكنه توسع في خضم الحرب، فشملت أعمالها مناطق أخرى، وانتقلت إلى العمل على صعيد إقليمي. ثم تمكنت من الانتشار في دول عدة، من سوريا مرورا بتركيا وصولا إلى البلقان وبلدان أوروبية أخرى.

وحسب تقارير وتحقيقات استقصائية عدة، وسواها من دراسات موسعة، لا تقتصر مثل هذه الأعمال السوداء التي تحترفها عصابات، على سوريا، بل تشمل بلدانا تتمادى فيها الحروب الأهلية، مثل العراق وأفغانستان ولبنان؛ فالسوابق اللبنانية التي زامنت تصاعد نفوذ ميليشيا حركة أمل الشيعية منذ النصف الثاني من الثمانينات تؤكد ذلك؛ فمنظمة أمل اخترقت أو استقطبت عائلات شيعية مهاجرة في أفريقيا. وامتدت شبكات عائلية و“تنظيمية أملية” إلى أعمال تجارة السيارات المستعملة وسواها من أعمال سوداء عبر ألمانيا، حيث تكاثر لاجئون شيعة وانخرطوا في تلك الأعمال. وشبكات “حزب الله” اللبناني فاقت أنشطتها السوداء سوابقها “الأملية” بأشواط، فشملت لبنان وسوريا ودولا أفريقية وأوروبية، وصولا إلى أمريكا اللاتينية.

والعصابات السورية بدأت بمجموعة من النشاطات الإجرامية المحلية، كالخطف والابتزاز طلبا للفدية. وتشير شهادات جمعتها “المجلة” إلى أن العصابات ما لبثت أن وسّعت نشاطاتها في تهريب المهاجرين عبر دول عدة. والملاحظة المهمة على هذا الصعيد تكمن في أن أفراد بعض عصابات تهريب البشر- أي النواة التي تشكلت منها- كانت تربطهم في الأصل علاقات عائلية وعشائرية ومناطقية، شكلت الأساس الذي تكونت منه الشبكة المتوسّعة إقليميا وأوروبيا.

وثمة شبكة سورية أخرى لتهريب البشر، كانت قد بدأت نشاطاتها الإجرمية على نطاق محلي ضيق. وما لبثت بعد بعض الوقت أن توسعت وباتت شبكاتها واسعة الانتشار. وهي شبكات عشيرة البوسرايا العربية السورية، على الجانب الأيمن من نهر الفرات بالقرب من مدينة دير الزور.

ا تقتصر الأعمال التي تحترفها عصابات، على سوريا بل تشمل بلدانا تتمادى فيها الحروب الأهلية مثل العراق وأفغانستان ولبنان

بدأت فروع من هذه العشيرة بتشكيل ميليشيا عسكرية أثناء الحرب الأهلية السورية، أسوة بباقي القوى الاجتماعية المتصارعة. وانتشار أبناء العشيرة على نطاق واسع وفي بلدان كثيرة، حولها إلى شبكة تهريب مهاجرين، تمتد أعمالها من سوريا وتركيا واليونان وصربيا إلى العمق الأوروبي. والشبكة هذه تملك حافلات نقل (فانات وحافلات) عبر طريق شرق البلقان. وبعض العاملين فيها مزودون بسلاح خفيف. وتقود مجموعات من الأدلاء المهاجرين عبر الغابات وإيصال قوافلهم إلى بلدان أوروبية عدة. والسوريون يسمون هذه الشبكات "أمراء التهريب".

AFP
مهاجر ينام بالقرب من نار في الغابة بالمنطقة العازلة على الحدود التركية اليونانية، في 5 مارس 2020.

هكذا تحولت عشيرة البوسرايا من جماعة عسكرية محلية نطاق نشاطها لا يتجاوز الحدود السورية، إلى شبكة تهريب دولية، فصار يحسب لها حساب على نطاق شبكات الإجرام الكبرى، كالشبكات الأفغانية والمغاربية. وتلعب القرابة العائلية والعشائرية دورا حاسما في بناء الثقة بين أفراد هذه الشبكات. بينما تلعب العلاقات الطائفية دورا مهما في تشكيل بعض العصابات الأخرى، كعصابات "الشبيحة" لتهريب المخدرات السورية. وهي تنطلق من السواحل السورية واللبنانية، ويصل نشاطها الإجرامي إلى الأردن والخليج وأوروبا، لمنافسة كارتيلات إجرامية أخرى في العالم.

مافيات كالمنظمات الإرهابية

تشير المعطيات والشهادات التي جمعتها "المجلة" إلى أن تركيا، وليبيا، وتونس، هي البلدان- المراكز الأساسية لتجميع موجات الفارين من بلدان الشرق الأوسط، وشمال أفريقيا، وجنوب صحرائها الكبرى، ووسط آسيا. ومراكز التجميع هذه، إضافة إلى اليونان وسوريا وربما لبنان، هي مرتع مافيات التهريب وشبكاتها متعددة ومختلطة الجنسيات الشرق أوسطية، من سوريّة إلى تونسية وليبية ومصرية وتركية ولبنانية.

لكن هذه المافيات السرية وشبكاتها الإجرامية، لا تعمل وفق نظام متصل ومترابط الشبكات. بل إن عملها وتواصلها متقطعان وموزعان جغرافيا. فلا روابط ولا تواصل مباشرة بين مجموعاتها المنتشرة في بلدان كثيرة، إلا عبر وسطاء محليين لا يجمعهم بتلك المجموعات سوى اتصالات هاتفية لها لغتها الرمزية الخاصة أو المشفّرة.

والأرجح أن هذه الشبكات المنفصلة والمترابطة في الخفاء، تعمل على نحو عنقودي يشبه عمل النسخ الأخيرة من المنظمات الإرهابية، شأن "داعش" مثلا. وهي مثل هذه المنظمات تستعمل في عملها ونشاطها منصات التواصل الاجتماعي لجذب ضحاياها وابتزازهم. وهم أصلا من المشردين والتائهين في العراء أو مخيمات اللجوء (السورية خصوصا) الكثيرة في الشرق الأوسط، والتوّاقين إلى الفرار منها، ولو بالمخاطرة بآخر ما يملكون من مال قليل وحياة معلّقة بين البؤس واليأس.

السيل الكبير للهجرة السرية واللجوء، يظل منبعه الأساسي دولا وأنظمة ديكتاتورية، ومجتمعات متصدّعة وبلدانا مفلسة ماليا واقتصاديا، ومصبه أوروبا، ذاك الحلم التاريخي في وعي ومخيلات شعوب عجزت تاريخيا عن بناء دول ومجتمعات ديمقراطية متماسكة. وفي خضم السيل البشري التواق إلى الفرار والهجرة، تنبت شبكات مافيات الإتجار بالبشر وأحلامهم. فتستعمل أساليبها في الحصول على أموال ضحاياها. وأحيانا تنبت الشبكات الإجرامية في هوامش جماعات التشرُّد. وهي تسيّر رحلات المشرّدين المميتة أحيانا في البحر والبر. فتجني المافيات من ذلك أموالا، بل ثرواتٍ سوداء، شبيهة بثروات الإتجار بالمخدرات، ومافيات تبييض الأموال. وهذه كلها منظمات إجرامية. 

Eduardo Ramon

لكن ما هي البلدان الأساسية لتجميع بشر موجات المهاجرين السرية والقسرية، وما هي المسالك الأساسية التي تعتمدها مافيات الإتجار بالبشر لتهريبهم إلى أوروبا؟

  •  مسار جنوب البحر المتوسط: تنطلق موجات الهاربين عبره بالقوارب من الشواطئ التونسية والليبية، وصولا إلى الجزر الإيطالية. وشبكات المافيا العاملة على هذا المسار تونسية وليبية بمشاركة سورية.وحسب إحصاءات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تصدّرت الرحلات المنطلقة من تونس في النصف الأول من عام 2023؛ حيث وصل من الشواطئ التونسية إلى الشواطئ الإيطالية 37720 مهاجرا سريا. وتلت تونس ليبيا التي وصل منها إلى إيطاليا 28558 مهاجرا.

وتشير إحصاءات منظمة أطباء بلا حدود الدولية للعام 2022 إلى أن 2327 شخصا لقوا حتفهم غرقا في البحر المتوسط، جراء رحلات الهجرة السرية. ومعظم هؤلاء الضحايا انطلقت قواربهم من الشواطئ التونسية والليبية.

ولا يخلو تحقيق استقصائي عن الهجرة السرية من عمليات المطاردة والتعذيب والسجن والخطف وأعمال السخرة والطرد الجماعي خارج الحدود. وهذه تعتمدها الميليشيات الليبية حيال الفارين الأفارقة من جنوب الصحراء وسواهم من بلدان أخرى. وفي العام 2021 وحده تجمّع في تونس 21 ألف مهاجر من بلدان غير مغاربية، أي أفريقية من جنوب الصحراء في الغالب.

لكن رحلات الفرار من تونس والموت غرقا، لا تخلو من عدد كبير من التونسيين الفارين من العيش في بلدهم المشرف على الإفلاس الذي وقع فيه لبنان. والهجرة الشرعية والسرية التونسية إلى أوروبا مسألة تاريخية مستمرة، اشتد زخمها بقوة بعد الربيع العربي (2011). وأصابت عدوى الهجرة التونسية أخيرا معظم أعضاء فريق لكرة القدم، ما دفع إدارة نادي الفريق إلى تعليق نشاطه.

أما ليبيا فمضت سنوات كثيرة على تحوّلها إلى ديار انقسامات حربية وميليشياتٍ وخراب. فلا عجب في تحوّلها إلى مأوى عصابات إجرامية تعمل في استعباد اللاجئين إليها والإتجار بهم.

REUTERS
رسمة لمهاجر أنقذته منظمة أطباء بلا حدود من قارب مطاطي جرفته الأمواج في البحر الأبيض المتوسط، يظهر عندما غرق رجل سوري يبلغ من العمر 23 عاما من القارب.

 

  •  مسار شرق المتوسط: هو مسار مزدوج، بحري وبري. وتشكّل تركيا قلب هذا المسار النابض والطارد نحو اليونان بحرا، ونحو بلغاريا والصرب برا، والمعروف بطريق البلقان.

فبعدما أقدم أردوغان وحزبه على التلاعب بمصير سوريا وسواها من بلدان الربيع العربي، فجمع في تركيا ما تخيّل أنه عماد انبعاث كرسي السلطنة العثمانية، جاء وقت التلاعب بمصير مئات الألوف- بل بضعة ملايين- من اللاجئين السوريين، وسواهم من الإسلاميين المتسلقين لتصدّر الربيع العربي. وهذا بعدما انبعثت القومية التركية الشوفينية بنوابض إسلامية هذه المرة، حرّكتها الأزمة الاقتصادية في تركيا. لذا راحت تركيا تضيّق على اللاجئين السوريين وتضطهدهم، كي يفروا بحرا وبرا إلى أوروبا.

وتشير الإحصاءات إلى أن عام 2022 شهد عبور 145600 مهاجر غير قانوني عبر مسلك تركيا-اليونان البحري. وهناك عدد مماثل من المهاجرين سلكوا طريق البلقان البري. ويتصدّر المهاجرون السوريون على هذين المسلكين. ويليهم مهاجرو أفغانستان ومصر وتونس وبنغلاديش ونيجيريا والكونغو.

 مسار غرب المتوسط: هذا المسلك مغربي. وهو هامشي مقارنة بالمسارين الكبيرين السابقين. والمسلك الغربي وجهته إسبانيا عبر مضيق جبل طارق. أو برا عبر سبتة ومليلة، الجزيرتين المتنازع عليهما بين المغرب وإسبانيا. وبلغ عدد عابري هذا المسار 14582 مهاجرا في العام المنصرم.

لكن هذا المسلك المغربي، وإلى جانبه المسلك الجزائري الخافت، لا يخلوان من بعض مهاجرين سوريين، على ما بيّنت استطلاعات وشهادات خاصة جمعتها "المجلة" في ألمانيا وهولندا.

تركيا وليبيا وتونس، هي المراكز الأساسية لتجميع موجات الفارين ومراكز التجميع هذه إضافة إلى اليونان وسوريا وربما لبنان مرتع مافيات التهريب وشبكاتها

المقبرة البحرية

قد تبدو قصيدة الشاعر الفرنسي بول فاليري "المقبرة البحرية"- نُشِرت سنة -1922  مستوحاة من حال البحر المتوسط اليوم، بعد تحوّله إلى مقبرة بحرية فعلية وحقيقية. فما عُرفت منذ السبعينات بظاهرة "الحرّاقة" (مراكب صغيرة لجزائريين وتونسيين ومغاربة في موجات هجرة سرية إلى أوروبا)، صارت ظاهرة متوسطية عامة، في خضم خراب العراق وسوريا وليبيا ولبنان أخيرا، وتحوّل تركيا ولبنان خزّانا بشريا ضخما للاجئين. وهكذا صار البحر المتوسط أملا مأساويا للفارين من بلادهم ودمارها، طلبا للوصول إلى شواطئه الشمالية الأوروبية. والاستعانة هنا ب"مقبرة" فاليري الشعرية "البحرية"، للتمثيل بها على هذه المآسي، ليست مجازا خالصا. فالمزاوجة أو الزواج الشعري بين البحر والمقبرة تحول إلى واقعة متوسطية لكثرة تعساء الحظ الفارين عبره بقوارب موت.

وما جعله فاليري عناصر قصيدته التعبيرية - أي الماء والزرقة والريح والنور والموج والملح والظلام والشمس والفجر والمساء- هي رفيقة رعب من يرتمون في المتوسط أملا في خلاص، ومقبرة من يبتلعهم البحر أثناء رحلاتهم الخلاصية المفجعة.

REUTERS
مجموعة من اللاجئين السوريين، يقفون على جانب الطريق بالقرب من بلدة سوفلي في منطقة إيفروس، اليونان، 3 سبتمبر 2023.

حمص- القاهرة- إسطنبول

نجا زياد السوري (47 سنة) من مقبرة المتوسط البحرية. فمركب هجرته اجتاز المسافة بين إزمير التركية والشاطئ اليوناني في أربع ساعات ونصف الساعة. التقته "المجلة" في مخيم للاجئين قرب مدينة لاهاي الهولندية، فروى وقائع رحلته من مدينته المحاصرة، حمص، سنة 2012، بعدما كان في قيادة تنسيقيات انتفاضتها. ضابط جيش سوري أمّن انتقاله إلى دمشق، فغادرها إلى الأردن، وانتقل في عبّارة نظامية من خليج العقبة إلى مصر.

مكث في القاهرة 4 سنوات (2012 - 2015) ناشطا سياسيا هناك، دعما للثورة السورية، فاعتقلته المخابرات المصرية مرتين. وبعدما أطلقت سراحه غادر إلى إسطنبول من مطار القاهرة. في إسطنبول أقام 6 سنوات (2016 - 2023) فعمل في مطاعم، وتأجير سيارات وشقق سكنية. أشعره التحول السياسي الحكومي حيال اللاجئين السوريين في تركيا، بأن البقاء فيها لم يعد يحتمل، فقرر مغادرتها إلى أوروبا. وبالإضافة إلى المال الذي ادخره في تركيا، باع قطعة أرض يملكها في حمص، لتأمين مصاريف رحلته السرية.

شبكات التهريب في تركيا

عبر "فيسبوك"، تواصل زياد مع مهربين، وآخرين يكثر ارتيادهم مقاهي معروفة في إسطنبول. وسطاء هذه الشبكات السرية سوريون ومصريون ومن بلدان عربية أخرى. أما الأتراك فلا يظهرون ويعملون في الخفاء.

أودع زياد نصف كلفة الرحلة البحرية (3500 دولار) لدى شبكة خدمات مالية تعمل بالأسود في إسطنبول (تسمى مكتب خدمات مالية) يدفع الراغبون في الهجرة نصف كلفة الرحلة مقدما ولا يمكن الإفراج عن هذه المبالغ إلا وفق اتصالات وكودات سرية هاتفية، بعد بلوغ المهاجر نهاية رحلته، حيث يسدّد النصف الآخر من كلفتها. وحسب زياد، فإن السوريين هم من ينشئون هذه الشبكات لصالح أتراك يظلون في الخفاء. والشرطة والسلطة التركيتان على علم بتلك الشبكات، لكنها تغض عنها أرصادها مدة من الزمن ثم تدهم رجالها وتصادر أموالهم وتعتقلهم، ثم تطلق سراحهم بعد حين، فيعودون إلى عملهم. وصارت مثل هذه العمليات روتينية في تركيا... وعرف زياد رجلا سوريا ظل يدير عمله في مقهى إسطنبولي، إلى أن دهمت المخابرات التركية المقهى، فاعتقلته وصادرت منه 350 ألف دولار، وسجنته يومين ثم أطلقت سراحه. وكان زياد قد خسر 3500 دولار أودعها لدى هذا السوري كي ينتقل بحرا إلى آثينا.

لرحلته في مركب سريع، أتت سيارة لنقله من إسطنبول إلى إزمير، حيث نزل مع مجموعة من أمثاله مدة 4 5- أيام في منزل قريب من الشاطئ. هذه العملية كلها قام بها سوريون. بعد يومين نقلتهم (35 مهاجرا، بينهم نساء وأطفال، معظمهم سوريون) شاحنة حُشروا في صندوقها وسارت بهم نحو 8 ساعات. سائق الشاحنة تركي، أنزل المهاجرين من صندوقها على طرف غابة، حيث ينتظرهم مهربون أتراك، فيما لم يعد لسوريي الشبكة من وجود قط. هيا اركضوا، اركضوا في الغابة، أمرهم الرجال الأتراك، وغادروا قائلين لهم: بعد قليل نعود لأخذكم إلى المركب.

كان الوقت عصرا، لكن المهربين لم يعودوا، فنام المهاجرون خائفين في العراء، ولم يأتِ إليهم المهربون الأتراك إلا مساء النهار التالي، فقادوهم في العتمة ساعات حتى الشاطئ. واجتازوا في الماء مسافة قصيرة للوصول إلى المركب الذي انطلق بهم بسرعة هائلة، متقافزا على سطح الماء، خاضّا أجسامهم التي ترتطم ببعضها وبحديد المركب طوال الرحلة الليلية التي استغرقت 4 ساعات ونصف الساعة. نزلوا من المركب في ماء البحر الليلي الذي غمرهم حتى صدورهم، ليبلغوا الشاطئ اليوناني.

EPA
مهاجرون يقفون في الطابور بعد أن اعتقلتهم الشرطة الألمانية أثناء عملية لمنع الهجرة غير الشرعية على طول الحدود الألمانية البولندية بالقرب من فروست، ألمانيا، 11 أكتوبر 2023.

شبكة التهريب اليونانية

على الأراضي اليونانية تتولى- حسب زياد- شبكات يونانية أعمال التهريب، عبر وسطاء سوريين ومن جنسيات شرق أوسطية أخرى؛ فسيارات يقودها يونانيون أقلت مجموعة المهاجِرين السريين

ال 35، وتوجّهت بهم ليلا إلى منطقة جبلية ريفيّة، وزودتهم بشريحة هاتف يونانية. بثيابهم المبللة تُركوا في عراء جبلي حتى شروق الشمس، فاستلقى بعضهم على الصخور وغفا. في الصباح المشمس اختبأوا خوفا حتى الظهيرة، عندما وصل إليهم رجل قادهم إلى طريق إسفلتي، وراح ينقلهم بسيارته على دفعات إلى آثينا.

كان سائق السيارة إيرانيا يتحدث الإنكليزية. وفي الدفعة المسائية التي كان زياد في عدادها، سارت السيارة بهم نحو 8 ساعات، فراحت شابة سورية تحادث السائق لئلا يغفو من التعب والإرهاق. وصلوا إلى حديقة عامة في آثينا، كانت قد نقلت إليها السيارة مجموعاتهم في رحلاتها السابقة. ولما اجتمعوا في الحديقة، التقط السائق الإيراني صورة جماعية لهم، وغادر قائلا إن شخصا سواه سيأتي لاصطحابهم. وهنا انتهت صلة زياد بالمجموعة ولم يعد يعلم عنهم شيئا، لأنه ركب سيارة تاكسي وغادر الحديقة.

الشرطة التركية على علم بشبكات التهريب، لكنها تغض عنها أرصادها مدة من الزمن ثم تدهم رجالها وتصادر أموالهم وتعتقلهم، ثم تطلق سراحهم بعد حين

كان لديه عنوان منطقة في أثينا، يعلم أنها مرتع شبكات مهربين ودعارة وترويج مخدرات وجريمة منظّمة، وبها مطعم سوري معروف، صاحبه وسيط شبكات تهريب، فتعرّف إليه زياد واستأجر منه غرفة صغيرة مكث فيها حوالى شهر. تعرف في المطعم إلى شبكة مهربين مختلطة، تضم سوريين وأتراك وإيرانيين ويونانيين ومصريين.

المهرب المصري الذي اتفق معه على السفر بالطائرة من أثينا إلى إسبانيا، طلب منه أن لا يحلق ذقنه طوال 10 أيام، ثم اصطحبه إلى صالون حلاقة يعرفه ويتعامل معه في أثينا، كي يجعل شكل وجهه وشعره شبيها بصورة شخص ملصقة على جواز سفر إسباني. وعلم زياد من مهرّبه المصري أن الشبكة لديها في أوروبا عصابات شبان وفتيان مغاربية يعملون في نشل جوازات سفر أوروبية من أصحابها على أبواب المطارات وفي القطارات والفنادق.

Eduardo Ramon

كلفة عملية تهريب الشخص الواحد في الطائرة من آثينا إلى مطار عاصمة أوروبية- باريس، مدريد، بروكسل، برلين، روما، أمستردام، بجواز سفر صحيح يحمله مسافر هجرةٍ سرية يُتلاعب بشكل وجهه ليصير شبيها بصورة الشخص الأوروبي المسروق جواز سفره- تتراوح بين 4 5- آلاف دولار. وزياد دفع 4500 دولار لرحلته الموعودة إلى مدريد. وعلى الباب الذي يخرج منه المسافرون إلى الباص الذي ينقلهم إلى الطائرة في مطار أثينا، شك رجل الأمن اليوناني بعدم مطابقة هيئة زياد للصورة التي على جواز السفر الإسباني الذي يحمله، فأوقفه، وأعاده إلى داخل المطار. ولما اكتشف أنه سوري ولا صلة له بإسبانيا، طرده من المطار من دون أن يصادر جواز سفره الإسباني.

وروى زياد أنه وأمثاله من سوريين عرفهم في آثينا انكشف أمرهم مثله في مطارها، لم يوقف جهاز أمن المطار أحدا منهم، بل طردهم من دون أن يصادر جوازات سفرهم المسروقة. ومثل هذه الحالات معروفة وشائعة في أوساط طالبي الهجرة السرية الذين تكثر أعدادهم في العاصمة اليونانية.

وأفاد زياد أن السلطات في دول شرق المتوسط وجنوبه، أي اليونان وتركيا ولبنان ومصر وليبيا وتونس، تريد دفع جماعات الهجرة السرية التي تصل إليها خارج حدودها، أي إلى أوروبا الغربية، كي لا تتحمل تبعات لجوئهم القانونية والمادية على أراضيها. أما اليونان- وهي محطة أساسية لشبكات التهريب وجماعات الهجرة السرية- فتتهرّب سلطاتها من تحمل تلك التبعات. فلا تعتقل حاملي جوازات السفر الأوروبية المسروقة، بل تغض طرفها عنهم كي يهاجروا إلى أوروبا الغربية. وخلافات الحكومات الأوروبية حول ما يترتب على الهجرة واللجوء، صارت مسألة سياسية أوروبية ساخنة، تسقط حكومات وأحزابا سياسية كثيرة.

وروى زياد أن الطائرة التي كان سيسافر على متنها إلى إسبانيا كان بين ركابها 15 شخصا من أمثاله لشبكه تهريب واحدة، وهو وحده انكشف أمره، على ما علم بعد طرده من مطار أثينا، ووجد المصري الذي يعمل في الشبكة ينتظر أمام المطار، فأخذ منه جواز السفر الإسباني، وعادا معا إلى آثينا، وطمأنه أن محاولة سفره الثانية سوف تكون ناجحة.

بعد أسبوع ذهب زياد إلى مطار أثينا مجددا، حاملا هذه المرة جواز سفر تركي عليه تأشيرة (فيزا) شنغن، فسافر بها في طائرة متجهة إلى باريس. وشاءت المصادفات أن يكون بين المسافرين شخص إيراني شك رجال الأمن اليونانيون به، فأعادوه من الباص المتجه إلى سلم الطائرة، مثلما حصل لزياد في محاولة سفره الأولى الفاشلة إلى مدريد.

لم يعلم زياد أن الطائرة التي سافر على متنها إلى باريس كان بين ركابها شخص روماني من العاملين في شبكات التهريب، إلا عندما خرج من المطار واقترب منه وقال له أن ينتظره قليلا. وعندما عاد ومعه شخصان آخران لمحهما زياد في الطائرة، طلب من الثلاثة أن يسلموه جوازات سفرهم التي خرجوا بها من مطار أثينا. كان الشخصان الآخران سوريين، فأعطاه الثلاثة جوازات سفرهم المسروقة، وترك لهم جوازات سفرهم السورية، ثم اصطحبهم إلى محطة باصات باريسية، وحجز لهم في واحدٍ منها بطاقات أقلّتهم إلى أمستردام التي وصلوا إليها بعد 8 ساعات.

Getty Images
المهاجرون، الذين وصلوا إلى الجزيرة في الأيام الأخيرة، يستيقظون في مخيمهم في ميناء ميتيليني في 4 مارس 2020.

عذابات السوري اللبنانية والتركية

يونس الطبقة- وهذا لقب للكناية به عن لاجئ سوري (32 سنة) التقته "المجلة" في أواخر أغسطس/آب الماضي في مخيم لاجئين قرب مدينة دورين الألمانية الصغيرة- استهل كلامه عن تشوّش ذاكرته، لكثرة ما ازدحمت فيها حوادث مهولة، فقال: "صار عندي حالة نسيان. ما عدت أعرف أميز بين التواريخ. متى ركبنا البحر ومن أي مكان في لبنان؟ ومتى وكيف وصلنا إلى تركيا؟ أتذكر اسم مرسين. لكن ليس في ذهني أي صورة أو ذكرى لمكان. ابني البكر ربما عمره الآن سنتين إلا شهورا. الأصغر الذي أنجبته أمه في تركيا قد يكون عمره 9 شهور... يعسُرُ عليّ تذكر ما عشته، فتخنقني العبرة وأبكي... يكفينا ظلم وتشريد وعنصرية في بلادنا... بلاد العرب والمسلمين".

من حطام ذكرياته وكلماته يمكن للمستمع إلى يونس أن يروي وقائعه المبعثرة على النحو الآتي:

اشتغل عاملا في أماكن وأعمال كثيرة بلبنان. مرات عدة لم يعطه من اشتغل عندهم أجره. أحيانا يسأله شبان وأولاد في شارع القرية البقاعية حيث كان يقيم: "لوين رايح ولاه؟!". يعلمون أنه سوري، فيضربونه، وعليه أن يظل ساكتا ويتابع طريقه. سنتان أو ثلاث على هذه الحال في لبنان. ركب البحر بعدها مع زوجته ورضيعه هاربين إلى تركيا بكلفة 1600 دولار. المهرب اللبناني في شتورا حشر ما بين 15 - 20  سوريا في باص قاده بهم مساء لساعات. اتصل مرات هاتفيا بأشخاص وراح يحدّثهم باللهجة السورية، والأرجح أنهم كانوا في تركيا.

البوليس التركي اعتقل السوريين الذين رماهم مركب المهربين على شاطئ قرب مرسين، فحقق معهم واعتدى عليهم، ثم رماهم من بوابة تل أبيض إلى داخل المناطق السورية المسماة "محررة". شهور هناك من العذاب وأربع محاولات فاشلة قام بها يونس لاجتياز (التيل) السلك الشائك إلى تركيا مع زوجته وطفله. في المرة الأخيرة حطم جندي تركي أسنانه الأمامية برفسة من حذائه العسكري. التهب فمه، ومكث أياما كثيرة في مشفى بالمنطقة "المحررة" السورية. أخيرا دفع 800 دولار لمهرب سوري قاده مع زوجته وطفله ومجموعة سوريين إلى مكان ما قرب الشريط الشائك، حيث كان ينتظرهم مهرب سوري آخر قطع الشريط، واجتازت المجموعة الهاربة الحدود التركية.

السلطات في دول شرق المتوسط وجنوبه تريد دفع جماعات الهجرة السرية التي تصل إليها خارج حدودها، أي إلى أوروبا الغربية، كي لا تتحمل تبعات لجوئهم

مكث يونس نحو سنة في تركيا، محاولا العمل. له أقارب هناك، فساعدوه. "ذقت الويل في تركيا. عنصرية لبنان عسل مقارنة بعلقم عنصرية الأتراك"، قال. مشايخ طلب مساعدتهم هناك، قال له أحدهم: اجلب لي زوجتك لأراها. كانت تخضع لعملية ولادة قيصرية في مستشفى، كلفتها مع حاضنة طبية للوليد 28 ألف ليرة تركية. شتم يونس الشيخ، وقال لإدارة المستشفى: خذوا الطفل، لا أريده. لكن أقاربه في تركيا وسوريا أعانوه، فجمعوا مالا أخرج به زوجته ووليدها من المستشفى.

قرر الرحيل من تركيا إلى أوروبا، بواسطة مهربين سوريين. علم أنهم يتصلون بشبكات تركية. البيت الذي استأجره من تركي ودفع له إيجار 6 أشهر سلفا، طرده في الشهر الرابع. اضطر إلى العمل في مزرعة أبقار في قرية نائية، يجمع الروث كي يؤمّن مسكنا مجانيا في غرفة ملحقة بالزريبة. انتقل من مزرعة إلى أخرى، هربا من معاملة أصحابها الذين حرموه أجره مرات. نصحه مهرب سوري باللجوء إلى شيخ تركي ليؤمّن له مصاريف رحلة التهريب برا إلى بلغاريا، وقال له إن الشيخ تقي ورع.

هذه المرة قال لزوجته أن تتحجّب، واصطحبها لمقابلة الشيخ الورع. ما إن رأى الشيخ الزوجة حتى بادرها قائلا: الله الله ما هاتان العينان الجميلتان! همّ يونس لضرب الشيخ، لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة، وأمسك زوجته من ذراعها وجذبها إلى الخارج، وراح يبكي.

عمل شهورا أخرى في مزرعة أبقار. بلا اتفاق مع مهربين، توجه وزوجته وطفلاه مع أمثاله من السوريين إلى الشريط الحدودي التركي- البلغاري. فشلت محاولتهم مرتين. في الثالثة ذهب وحيدا مع أسرته. وصلوا إلى الشريط، ورأى خلفه جنودا بلغاريين. أخذ وزوجته يبكيان ويتوسّلان الجنود: نريد اللجوء إلى بلغاريا، خلصونا من ظلم الأتراك. فجأة ظهرت على الجانب التركي من الحدود دورية عسكرية تركية بصحبتها كلاب. قال آمر الدورية ليونس: تريدون الهرب إلى بلاد الكفر. سوف يأخذ الكفار زوجتك. ابتعدوا وإلا أترك الكلاب تمزقكم.

أخيرا قرر يونس إعادة زوجته وطفليه إلى مخيمات البقاع في لبنان، والفرار وحيدا عبر الطريق البري البلغاري الطويل، بواسطة مهربين سوريين. مشى 12 يوما في غابات بلغاريا صحبة مجموعات سورية يتولى مهربون سوريون قيادتها، فيسلمهم مهرب إلى آخر إلى ثالث... كل واحد منهم يحصل 400 دولار من كل شخص في المجموعة.

ووصل يونس إلى ألمانيا بكلفة 3 آلاف دولار. في رحلة التهريب ركب سيارات كثيرة يقودها مهربون سوريون وأتراك. وركب قطارات من مدن أوروبية إلى أخرى. أمام محطة قطارات في مدينة دوسلدورف التقى رجلا يمنيا استضافه ليلة في بيته، واصطحبه في الصباح التالي إلى مخيم اللاجئين قرب مدينة دورين الصغيرة.

REUTERS
الناجي السوري محمد، 18 عاما، الذي أنقذ مع لاجئين ومهاجرين آخرين في عرض البحر قبالة اليونان بعد انقلاب قاربهم، يبكي بينما يجتمع مع شقيقه فادي، الذي جاء لمقابلته من هولندا، في ميناء كالاماتا، اليونان، يونيو/حزيران 16 نوفمبر 2023.

حوار أخير

المخيم الذي ينزل فيه يونس كان ثكنة عسكرية قديمة مهجورة. نزيل سوري آخر- يدعى عبد الإله (50 سنة) وسبقه بشهور في وصوله إلى المخيم- حضر شطرا من تسجيل شهادة يونس. وفي نهايته دار بينهما الحوار التالي:

 يونس: ألمانيا وأوروبا أفضل من بلاد عربية وإسلامية تكثر فيها عصابات العنصرية والإجرام.

 عبد الإله: هذا ما تريده أوروبا من دولنا. الخيرات كلها في بلادنا: النفط. الزراعة. الصناعة.

 يونس: لا. هم بالأساس لا يفكرون بنا. وهم إنسانيون. معاملتهم نابعة من القلب والأخلاق.

 عبد الإله: أعرف طبيبا هاجر إلى بريطانيا. حاولوا هناك إجباره على إجراء عمليات لمتحولين جنسيا. رفض، وعاد إلى تركيا. نحن ضيوف هنا. غدا نظام دولتهم سيجبرنا على أشياء كثيرة، قد تضطرنا للعودة إلى بلادنا.

 يونس: الدول هنا لا علاقة لها بالدين. والناس يعيشون دينهم في ضميرهم. ومن قال إن المسيحية ليست دينا؟!

 عبدالإله: أنت ما معنى حياتك من دون الإسلام؟!

 يونس: أنا مسلم. وهربت من بلاد الوحوش لأبقى مسلما.

font change

مقالات ذات صلة