"ناقة" مشعل الجاسر... بارقة أمل

"ناقة" مشعل الجاسر... بارقة أمل

يوما بعد يوم، وتجربة بعد أخرى، تتضاءل قدرتي على مشاهدة فيلم عربي. الأفلام التجارية، المصرية خصوصا، على غرار أفلام عادل إمام، اعتدت مشاهدتها لأنني اعتدت مشاهدتها، أو لأنني أحب ممثلا ما فيها، أو ما يسمى الأفيهات، وهي متعة من نوع خاص لا أعدّها ضمن متع مشاهدة السينما التي، إلى المتعة، تقودني في متاهات الأسئلة والتأمل والتفكير وقد تلهمني في أحيان كثيرة للكتابة. أما الأفلام "المستقلة" أو النخبوية أو ما يسمى أفلام المهرجانات، أعني العربية، فقليل منها أصمد فيه طوال المدّة، وغالبا ما أبدأ بالتثاءب، خصوصا إذ تنبؤني الدقائق الأولى منها – وهذه للمفارقة يتشارك بها هذا النوع من الأفلام مع الفيلم التجاري – بكل أحداثه المقبلة، وهو ما يستحق بحق أن يسمى نمطية. فأن يكون الفيلم مستقلا (رغم ورود أسماء عشرات المؤسسات والمهرجانات المشاركة في تمويله) لا يعني بالضرورة أن يحمل قيمة جمالية خاصة، ولا ألا يكون حافلا بالعيوب، كما يعرف كلّ من وقع ضحية هذا الفيلم أو ذاك من هذا النوع.

هكذا بتّ أقبل هذه الأيام بحذر شديد على مشاهدة أي فيلم عربي. الاستثناءات قليلة طبعا، بقدر ما تسعفني الذاكرة، فإن أفلاما مثل "سعاد" و"صدام" و"ريش" و"البحر أمامكم" و"غزة مونامور" و"حمى البحر المتوسط" و"ستموت في العشرين"، تظلّ قادرة على إحداث المفاجأة، وإن ليس بصورة متساوية. وآخر هذه الأفلام كان مفاجأة سارة بكل معنى الكلمة، وأعني "ناقة" لمشعل الجاسر الذي عرضته "نتفليكس" أخيرا.

هذا الفيلم هو الآخر ليس فيلما مستقلا على أية حال، ومصطلح "السينما المستقلة" في حدّ ذاته ربما يحتاج إلى مراجعة بعد أن أصبح "المستقل" هو الترند الجديد الذي تستثمر فيه منذ وقت ليس بقصير شركات الإنتاج على مستوى العالم. فلنقل إذن، "مستقل" بمعنى أنه لا ينتمي إلى السينمات التجارية الكبرى (هوليوود، مصر)، والأهم أنه ينحو منحى المغامرة والتجريب السينمائيين وليس الصيغ الجاهزة ومبادئ "الصورة النظيفة" التي ما فتئت تنهمر علينا بفضيلة التكنولوجيا ونموذج الدراما التلفزيونية المتسيّد دون شيء آخر.

مشعل الجاسر يخوض تجربته هذه بشجاعة حقيقية، لا لأنّ بعض خطوطه الدرامية، قد تزعج هذا المشاهد أو ذاك أو تثير حفيظة منظومة قيمية ما، ولا لأنه يقدّم المرأة السعودية بصورة مختلفة


مشعل الجاسر يخوض تجربته هذه بشجاعة حقيقية، لا لأنّ بعض خطوطه الدرامية، قد تزعج هذا المشاهد أو ذاك أو تثير حفيظة منظومة قيمية ما، ولا لأنه يقدّم المرأة السعودية بصورة مختلفة (مع التحفظ في طرح هذه الفكرة، كما جميع الأفكار الجاهزة، إذ من يمكنه الزعم أنه يعرف "المرأة السعودية" حق المعرفة، ليقول إن هذا الفيلم يقدمها بصورة مختلفة الآن؟)، ولا لأنه يقدّم بالصورة سردا تجريبيا متقطعا لاهثا على حافة الإنهاك والاقتراب من التضحية بمتابعة المشاهد (الملول بطبعه في عصرنا)، بل لأنه وعلى العكس تماما مما يوحي به، ينحو في تجريبيته منحى كلاسيكيا بالكامل، سواء في رمزياته أو في نموّ خطه الدرامي ومصير الشخصية الرئيسة وصولا إلى الخاتمة.

لا يخاف مشعل الجاسر، ومن الواضح أنه من عشاق السينما بمختلف جنراتها، من إرسال تحية حب خفية في هذا الفيلم، وربما لا تكون مقصودة منه دائما، إلى بعض الأفلام التي بدأت تجريبية أو مغامرة أو حتى تجارية هوليوودية، وانتهت تحفا سينمائية، فلم أستطع ألا أرى في الفيلم هيتشكوك في "سايكو" أو سبيلبيرغ في "الفكّ المفترس" أو ريدلي سكوت في "ثيلما ولويز" أو جورج ميلر في "مادماكس" أو أوليفر ستون في "قتلة بالفطرة" أو حتى أنطونيوني في "بلو أب"، والقائمة تكاد لا تنتهي وربما ستكون لغيري ممن شاهد "ناقة" قائمة أخرى مغايرة تماما، إلا أن المهم أن مشعل الجاسر يأتي إلى تجربته الروائية الأولى هذه متشبعا بنضج بصري وسردي وبخزين سينمائي كبير، ساعده على النجاح في إبقاء خيط السرد أو "الثريلر" متواصلا حتى النهاية، وجعلني شخصيا حتى اللقطة الأخيرة غير قادر على التنبؤ بما سيحدث تاليا.

الكثير يمكن قوله عن "ناقة"، ولكن وربما في ما يخص الواقع السينمائي العربي، دون سواه، فإن أبرز ما يمكنك قوله، وإن أزعجتك بعض مشاهده أم لم تزعجك، إن هناك شيئا من الأمل


هكذا أنجز مشعل الجاسر، أخيرا، "فيلم طريق" (إن كان لابدّ من التصنيف) عربي لائق ويستحق المشاهدة دون أن يغرق في الادعاء أو الثرثرة سواء في الشكل أو المضمون، واستطاع فوق ذلك إدارة ممثلته الرئيسة أضواء بدر باقتدار جعلها تقدّم أحد أفضل الأداءات النسائية العربية منذ سنوات. أما ما يستحق الاحترام حقا في الفيلم، فهو أنه يستلّ جميع مفرداته من مجتمعه السعودي، وأن يمنحها أصالة واستثارة الفضول حولها، دون الاتكاء على النمطيات المعروفة، حتى في الجانب النسوي من القصة أو العرض. وكأن الجاسر تعلم، انطلاقا أيضا من استيعابه لسينما العالم، أن المحلية الحقيقية، لا الشكلية، هي التي تصنع الفارق حقا، وترك بلمسة ذكية العديد من المواضيع النقاشية، تمضي تحت سطح السرد، دون أن يثقلها، أو يثقل على المشاهد، بأن يطعمه إياها بالملعقة.

الكثير يمكن قوله عن "ناقة"، ولكن وربما في ما يخص الواقع السينمائي العربي، دون سواه، فإن أبرز ما يمكنك قوله، وإن أزعجتك بعض مشاهده أم لم تزعجك، إن هناك شيئا من الأمل.

font change