"حدث في شارعي المفضل" وعالم ما بعد العالم

محمد الفخراني يكتب عن المتاح الذي تمكن خسارته

AlMajalla
AlMajalla

"حدث في شارعي المفضل" وعالم ما بعد العالم

من الصعب أن نتخيل لحظة انهيار الأرض واختفاء كل شيء اعتدنا على وجوده، ولكن هذا ما سيحدث حين نقرأ رواية الكاتب المصري محمد الفخراني الجديدة، "حدث في شارعي المفضل"، الصادرة عن "دار العين" بالقاهرة مطلع هذا العام. ربما نتخيل أنفسنا مكان بطلي الرواية الرئيسين، "الفتاة الأرضية" و"الرسام الموهوب".

تبدأ الرواية من حيث انتهت فتروي لنا "الفتاة الأرضية" ما حدث قبل ستين عاما، فهي آخر من تبقى من البشر بعد دمار الأرض، تسكن وحيدة في البيت الطيني بل في المساحة البسيطة التي بقيت من العالم بأكمله، "وعند لحظة ما، عرفنا كلنا أن الأرض لا تحمل ضغينة ضدنا، فقط حزينة، ومتعبة و... ترغب في الذهاب إلى مكان آخر".

يقول محمد الفخراني لـ"المجلة": "لم أفكر في الأمر كانهيار، بل كغياب مؤقت، يبدو في ظاهره وداعا نهائيا، لكنه مجرد غياب لبعض الوقت، وكأنه فكرة ليتخيلها القارئ، نحن اعتدنا حضور الأشياء في هذا العالم حتى صارت من المسلمات، فلم نعد نشعر بقيمتها، أقصد الأشياء العادية مثل أن نخرج من بيتنا فنجد الشوارع، أو أن يأتي يوم جديد كل يوم، أو أن نرى الألوان في كل مكان نتوقعها فيه، هذه الأشياء المجانية، الأشبه بمعجزات يومية، اعتدنا عليها، أروع الأشياء في العالم مجانية، اعتدناها حتى صرنا لا نراها، لكن ماذا لو غاب أحد هذه الأشياء عنا لدقائق؟".

اعتدنا حضور الأشياء في هذا العالم حتى صارت من المسلمات، فلم نعد نشعر بقيمتها 

محمد الفخراني

يصف الكاتب ببراعة أحداثا قاسية مرت على البشر خلال فترة الانهيار، ولم تستطع البطلة تحديدها بشكل دقيق، لكنها قدّرتها بثلاثة أعوام، "أصادف حيوانا أو وحشا ميتا، وجسمه سليم بالكامل عدا فتحة واحدة بحجم الكف في صدره أو بطنه، وحواف الفتحة ممزقة بطريقة النهش، ولا شيء مفقود من الحيوان أو الوحش غير قلبه، أو كبده... أسلوب بشري ضمن أساليب أخرى وقت الجوع". وحين نفد الطعام النباتي والحيواني لجأ البشر إلى أكل بعضهم بعضا، "كان أكثر شيء مرعب لي، أن أعتاد منظر إنسان يأكل إنسانا". وعلى الرغم من بشاعة الأحداث وفي لحظات شديدة التعقيد انتصر الكاتب لإنسانية البشر وقدرة بعضهم على احتواء بعض قبل أن تبتلعهم الأرض.

يطرح الفخراني في روايته أفكارا عن الحب والحياة وكل ما هو معتاد بالنسبة إلى الإنسان، مما قد يفقده ذات لحظة. يقول الفخراني: "الرواية هي عما يمكن أن يكون متاحا لنا ونخسره، عن التفاصيل الصغيرة في علاقتنا بالعالم، عن اليومي العادي، عن الاعتياد على الأشياء والبشر، حتى أننا لم نعد نراهم، كل هذا العالم الحي، ماذا لو اختفى تدريجيا أمام أعيننا، الرواية هي تذكير بأن نرى ما لم نعد نراه، ونشعر بما توقفنا عن الشعور به، علاقتنا بإنسان آخر، بشجرة، أو شارع، أو بيت، أو فكرة، أو ضوء، وبأنفسنا".

facebook
الكاتب المصري محمد الفخراني

تروي "الفتاة الأرضية" عن حبيبها "الرسام الموهوب"، وعن الفقد الذي تعاظم مع سنوات الوحدة. تسرد لحظاته الأخيرة قبل الموت طالبا منها أن تأكل قلبه لتعيش،"ستجدين في قلبي لونا أصفر لأجلك، ونافذة مفتوحة لك، وشارعك المفضل". كانت "الفتاة الأرضية" تحب اللون الأصفر الذي اختفى كأول علامة من علامات انهيار الأرض، وربما يتساءل القارئ عن رمزية اللون في الرواية؟ يجيب الفخراني: "ليس له رمزية داخل الرواية، هو فقط اللون الأصفر بحد ذاته، اخترته منذ البداية لأنه ليس أحد الألوان المفضلة لدى الكثيرين، وليس أحد الاختيارات الشائعة، هو ليس الأزرق ولا الأحمر ولا الأخضر مثلا، كما يمكن القول إنه وللغرابة لون يتعرض للتنمر، مثل أن نصف به "ضحكة صفراء"، أو"نظرة صفراء". هذا التنمر، والنظرة غير العادلة، كانا البداية لاختياره، وكأنه لون ذو شخصية ثرية للكتابة عنه، ثم كانت هناك أفكار أخرى لاختياره، هذ الأفكار موجودة داخل الرواية في فقرات تتكلم عنه، وعن أثر وجوده في العالم من حولنا".

البيت الأخير

حين تعثر البطلة على البيت الطيني، آخر بيت على الأرض، تجد فيه كل ما يعينها على استكمال دورة الحياة، ومنذ اللحظة الأولى تشعر داخله بالحميمية وتمتزج ذكرياتها الشخصية بأثر صاحبة البيت المجهولة.

لم تستطع "الفتاة الأرضية" أن تأكل قلب "الرسام الموهوب"، لذا أول ما تفعله أنها تزرع قلبه تحت شجرة الزيتون الوحيدة في الحديقة الخلفية للبيت، وكأنها أرادت أن يحيا خالدا في صورة شجرة. يقول الفخراني: "كان لا بد أن ينجو أحد البشر، والبيت الطيني لا يرمز الى شيء بالتحديد، ولكنه المنطق في رأيى، من المنطقي أن يكون البيت المتبقي من الأرض طينيا، من التكوين الأصلي للأرض، وفي بُعْدٍ آخر حتى يكون البيت خاليّا بطبيعته تلك من الأجهزة الحديثة الموجودة في البيوت العصرية، بالطبع الصورة ستكون مشوّشة لو أن البيت غير طيني".

الرواية هي تذكير بأن نرى ما لم نعد نراه، ونشعر بما توقفنا عن الشعور به

محمد الفخراني

وحدها البطلة امتلكت خبرة كل البشر وتجربتهم قبلها، "أفكر أنَّ كل إنسان يحمل في داخله خبرات وتجارب كل البشر قبله، ذاكرتهم ومشاعرهم وأحلامهم وآلامهم وكل ما مرُّوا به، كلها مشفَّرة داخل روحه وجسده وعقله، وعند تَعَرُّضه لتجربة خاصة أو موقف استثنائي، ينفكُ جزء من شَفْرته البشرية، الإنسانية، وتعمل في داخله". وعلى الرغم من سوداوية المشهد، تظلّ "الفتاة الأرضية" تنتظر بأمل كبير أن يحدث شيء ما، ربما أن تعود الأرض والحياة كما كانتا قبل ستين عاما.  فتنتهي الرواية، "وأنا أنظر من مكاني عبر النافذة... وأرى... وأرى... وأرى".

سألنا الفخراني عن سبب استخدامه في بعض أعماله الصفات بدلا من الأسماء مثلما حدث في روايته الأخيرة وقبلها، "لا تمت قبل أن تحب". يقول: "هذا لتحرير الشخصية الروائية من أيّ  فكرة مسبقة عنها لو أنها تحمل اسما عاديّا، وأحيانا لأني ببساطة لا أرى ضرورة لتسميتها باسم، وحتى أنا لا أبحث عن اسمها، فلا أسميها اسما بيني وبينها، وأحيانا لا أفكر في تخيُّل ملامحها، ربما فقط بروفايل عام لها. ولأني أشعر أني لو اخترت اسما عاديّا لها، فهذا وكأني خرجتُ من الرواية، وحكايتها وعالمها، وجلبْتُ لها اسما من الخارج، أنا والشخصية الروائية داخل عالم الرواية، هذه الحكاية تحديدا، ولن يخرج أحدنا ليجلب اسما من مكان آخر، الشخصية تظهر ومعها اسمها، لا تحتاج إلى البحث في حكاية أخرى أو عالم آخر. ما أُطلِقه على الشخصية داخل الرواية هو اسمها، وليس بالضرورة أن يُشْبِه ما نعرفه من أسماء، ربما لتكون الشخصية هي الوحيدة في العالم التي تحمل هذا الاسم الذي تعيش به داخل الرواية".  

المتتبع لمسيرة الفخراني الأدبية يلاحظ أنه يكتب من وجهة نظر خاصة عن الحب والحرب والحياة، فكيف يشتبك مع كل الأحداث والمجريات اليومية على الرغم من عزلته الاختيارية؟

يجيب: "الفكرة بسيطة جدّا، والأسلوب بسيط جدا، ربما يكون من المفيد لو قلتُ، أو سأحب أن أقول إني من أكثر الناس الذين يمشون في الشوارع... فقط للمشي".

ولد محمد الفخراني بمحافظة البحيرة عام 1975 وتخرج في كلية العلوم قسم "جيولوجيا". صدر له العديد من الأعمال بين الرواية والقصص القصيرة، حصل على جوائز عدة، كانتآخرها جائزة معرض القاهرة للكتاب 2024 عن رواية "غذاء في بيت الطباخة" وجائزة الدولة التشجيعية للقصة عام 2012 عن مجموعة "قبل أن يعرف البحر اسمه"، كما حصلت روايته الأولى، "فاصل للدهشة" على جائزة "معهد العالم العربي" عام 2014 وترجمت إلى اللغة الفرنسية.

font change

مقالات ذات صلة