حسن المطروشي: لست من أنصار المعارك الوهمية والشعر يستوعب الجميع

يكتب القصيدة العمودية والحرة وقصيدة النثر

Péter Csuth
Péter Csuth

حسن المطروشي: لست من أنصار المعارك الوهمية والشعر يستوعب الجميع

ينشط حسن المطروشي في مجالات عدة، فهو شاعر ومترجم وإعلامي عُماني أصدر عددا من المجموعات الشعرية من بينها "لديّ ما أنسى" و"وحيدا كقبر أبي" و"على السفح إياه". شارك في مهرجانات وأمسيات شعرية داخل سلطنة عُمان وخارجها. وأعدّ وقدّم البرنامج الحواري التلفزيوني، "أعالي الحديث"، الذي عرض على قناة عمان الثقافية. هنا حوار معه.

  • ما الهاجس الذي يقف وراء كتابتك للشعر؟

إنه سؤال ملحّ وجارح، يشبه أن تأوي إلى ظل شجرة في يوم قائظ، ثم تسأل عن علاقتك بالظل، أو لماذا الظل بالذات هو ما تركن إليه في تلك اللحظة الملتهبة. نحن نمضي إلى حدائق الشعر، ونخوض غماره دون تخطيط أو نيات مسبقة. إنه محض استسلام لتلك الهواجس الخفية العمية التي تقودنا عميانا إلى حتوفنا الجميلة. ولكن في هذه الطريق نحو المجهول تبدأ تتكشف أمامنا الأسئلة الأكثر عمقا وحرقة، مثل أسئلة الوجود والحياة والموت والحرية والعدالة والقبح والجمال والحب والكراهية، وكل ما يختلج في النفس البشرية من تطلعات ونوازع.

خطوة توثيقية

  • أصدرت الأعمال الشعرية "2003 – 2019"، فما أهمية جمع الإصدارات في مجموعة واحدة؟

- عندما ساورتني فكرة جمع الدواوين الشعرية في مجلد واحد لم أكن أعتزم نشر الأعمال الكاملة، وإنما الأعمال الناجزة، لذلك لم أضع في العنوان كلمة "الكاملة" وإنما اكتفيت بعبارة "الأعمال الشعرية" وحددتها بمرحلة زمنية معينة. تتمثل أهميتها للشاعر في كونها خطوة توثيقية يسعى من خلالها لجمع نثار العمر، ورصد منجزه ومراجعته ووضعه بين دفتي كتاب واحد، ويصبح متاحا للقارئ والمهتم والباحث والدارس والمؤسسات المعنية.

 الشعر محض استسلام لتلك الهواجس الخفية العمية التي تقودنا عميانا إلى حتوفنا الجميلة

وقد جاءت الفكرة أثناء فترة انتشار وباء كوفيد19، حين كان الموت يحاصرنا في كل لحظة، وشعرنا بأننا مهددون في بقائنا، وأحسسنا بمقدار هشاشة الكائن وتفاهة الحياة. وتحت وطأة هذه الهواجس، قرّرت الاستفادة من فائض الوقت الذي نقضي جله محاصرين مرعوبين في منازلنا، لجمع كتاباتي، فنتج من ذلك إصداران أحدهما الأعمال الشعرية، وكتاب آخر بعنوان "بريد المحطات" ضمنته أهم مقالاتي الأدبية التي نشرتها في الصحف والمجلات طيلة فترة من الزمن.

  • كيف حققت التوازن الصعب في شعرك بين الشعر الحر وقصيدة النثر؟

في البدء يجب أن أؤكد أنني ليست لديّ مشكلة مع الأشكال الشعرية على الإطلاق، ولست متحيزا إلى شكل دون الآخر، وأرى أن الشعر فضاء جمالي وإبداعي يستوعب تلك الأساليب والأشكال كافة، وتظل المسألة ذوقية وجمالية ورؤيوية للشاعر. ولست من أنصار المعارك الوهمية التي يسعى فيها كل فريق لإقصاء الآخر وتصفيته. الشعر يستوعب الجميع، والكل لديه الحق في اتخاذ الشكل التعبيري الذي يرى فيه ذاته وتتجسّد فيه قناعاته وليس قناعات الآخرين، أيا تكن المسوغات.

facebook

أكتب شعر التفعيلة بشكل أكبر، إلى جانب كتابتي لقصيدة "البيت"، التي سعيت منذ فترة مبكرة لتطويرها وتجديدها، مستفيدا من قراءاتي المتعددة في النقد الحديث والشعر الحديث، بما في ذلك قصيدة النثر، حيث قمت بتوظيف هذه التقنيات والأساليب في كتابة القصيدة المقفاة، التي حافظت على شكلها العمودي، في حين تحررت بشكل جذري على مستوى البنية التعبيرية والاشتغال على اللغة وتشكيل الصورة.

  • تُرجم بعض قصائدك إلى لغات أخرى، فكيف تنظر إلى مسألة الترجمة؟

ثمة مقولة ترى أن الكتابة باللغة الأم تنتج أدبا محليا أما الترجمة فتنتج أدبا عالميا، وهذه المقولة صادقة إلى درجة كبيرة، فلولا الترجمة ما قرأنا الأعمال الإنسانية الخالدة مثل أعمال هوميروس وشكسبير ورامبو ودانتي وطاغور وبابلو نيرودا وبورخيس وغيرهم. فالترجمة ضرورة حضارية بين الأمم، ولولا الترجمة لبقيت الأمم في معزل بعضها عن بعض.

وأرى أن ترجمة آدابنا، لا سيما الشعر، تساهم في نقل صورة حضارية مشرقة عن ثقافتنا العربية، وتثبت للعالم أننا كعرب لدينا ثقافة وفنون وآداب عظيمة وإرث حضاري فريد له خصوصيته وعمقه الذي لا تضاهيه ثقافة أخرى. وهذه هي الرسالة التي نريد أن نقدمها الى العالم.

مسارات مضيئة

  • ترجمتَ كتابين بعيدين عن الإبداع، فما الذي دفعك الى ذلك؟  

أنا مترجم متخصص بين اللغتين العربية والإنكليزية، لكني في المجال الكتابي أميل إلى الشعر أكثر من الترجمة. وقد ترجمت كتابين هما "البديل الابتكاري لتنمية اقتصادية مستدامة: سلطنة عُمان نموذجا" للدكتور إبراهيم الرحبي، و"مذكرات رجل عماني من زنجبار" لسعود بن أحمد البوسعيدي. وقد كان الدافع لترجمة الكتابين هو ما يمثلانه من أهمية على المستوى الوطني الاقتصادي والتاريخي، لبلادي. فكتاب "اقتصاد المعرفة" هو أول دراسة علمية تتناول الاقتصاد العماني على ضوء الاقتصاد المعرفي، ويعدّ الكتاب مرجعا تأسيسيا لأية دراسة لاحقة في مجاله. أما الكتاب الثاني فله أهمية تاريخية، ويمثل وثيقة ناطقة وشهادة حية لمرحلة مهمة من الوجود العماني في القرن الأفريقي، نظرا الى قرب مؤلفه من القصر السلطاني، وقد تبوأ منصبا رفيعا في الحكومة العمانية في المهجر، وشهد ازدهار الحضارة العمانية في أفريقيا، كما شهد أحداث الانقلاب الغادر على الحكم العماني. وعايش بداية النهضة العمانية بقيادة السلطان الراحل قابوس ثم تبوأ مناصب رفيعة في حكومته السلطان. وكنت محظوظا بلقائه في آخر أيام حياته، وكنت أعرض له الترجمة العربية لكتابه الذي كتبه باللغة الإنكليزية.

 أبسط حقوق الشعر أن يكون المترجم ذا حساسية شعرية وثقافة إبداعية مقبولة

  • بحسب خبرتك ما هي ميزات الترجمة الجيدة؟

اشتراطات الترجمة ترتبط بنوع النص الذي يتصدّى المترجم لترجمته، ولكل مجال ضوابطه وقيوده النفية والمعرفية، التي تجيدها القلة فقط. بالنسبة إلى الشعر فإن الترجمة تكون ذات اشتراطات ومعايير عالية جدا، لأن المترجم لا يتعامل مع نصوص لغوية جامدة، وإنما مع نصوص إبداعية غاية في الدقة والحساسية. لذا فإن أبسط حقوق الشعر أن يكون المترجم ذا حساسية شعرية وثقافة إبداعية مقبولة، وأن يكون ملمّا بقدر كبير بالشعر وفضاءاته، لينقل الإحساس قبل اللغة، والصورة قبل التعبير اللغوي المجرد. إن الشعر فن قائم بذاته ولا يقبل الانتقاص منه، لذا فإن على مترجم الشعر أن يكون شاعرا أو ممن يعيشون في ظلال الشعر ويتذوقونه، ناهيك بالتمكن والإلمام باللغات والثقافات التي ينقل منها وإليها.

الشعر في عمان

  • كتبت المقالة في عدد من المطبوعات التي عملت بها وأصدرتها في كتابين هما "شبابيك الكلام" و"بريد المحطات"، ما أكثر ما حرصت عليه في مقالاتك؟

أسعى في مقالاتي الأدبية إلى توظيف اللغة الشعرية، واستخدام أساليب التشويق والإمتاع في التعبير، إلى جانب تعزيز المقالات وتضمينها الكثير من الشواهد والإحالات والمقولات والحكم والأبيات الشعرية، بهدف إغناء المقالة بما يسمى بـثقافة النص. وقد تجمّع لديَّ عدد كبير من هذه المقالات، لذا ارتأيت الحفاظ عليها وتوثيقها من خلال نشرها في كتب.

facebook
حسن المطروشي

  • كيف تنظر إلى الحركة الشعرية في عُمان وما الذي يميزها عن باقي الدول الخليجية؟

الحركة الشعرية في عمان نابضة وعميقة ومتجددة، وهي بمثابة فسيفساء إبداعية تتشابك وتتجاور في فضائها كل ألوان الطيف الشعري، بأشكاله وأساليبه ومناخاته. وهي حركة تضرب بجذورها عميقا في التاريخ بدءا من شعراء ما قبل الإسلام، ووقوفا عند السلالة العظيمة من الشعراء العمانيين الأجداد، مثل الخليل بن أحمد الفراهيدي مؤسس علم العروض، وابن دريد، والملك سليمان بن سليمان النبهاني والكيذاوي واللواح الخروصي والستالي وابن شخان والغشري وأبي الصوفي وابن رزيق، مرورا بكل أطوار التاريخ وصولا إلى عبدالله الخليلي وعبدالله الطائي وأبي سرور وهلال السيابي، ثم إلى المشهد الحديث الذي تشكل بعد النهضة الكبرى حيث يوجد اليوم في عمان مشهد شعري صاخب يضاهي أي مشهد شعري في العالم، وليس على مستوى الخليج العربي فحسب.

font change

مقالات ذات صلة