حماية الأطفال من "شرور" التكنولوجيا مسؤولية الأهل وشركاتها

التنمر الإلكتروني والتحرش وابتزاز العصابات من مساوىء ادمان الانترنت

أيرين بلاسكو
أيرين بلاسكو

حماية الأطفال من "شرور" التكنولوجيا مسؤولية الأهل وشركاتها

يمضي الأطفال المراهقون ساعات بل أياما طويلة على الانترنت، وهذا يعرضهم لأخطار كثيرة، مثل التنمر والابتزاز بكل انواعه، منه الجنسي والعاطفي والعنصري. وبحسب إحصاءات الأمم المتحدة، يتصل الأطفال بالانترنت بسرعة متزايدة، وهناك طفل يتصل للمرة الاولى بالانترنت كل نصف ثانية، مما يمثل خطرا كبيرا على الأطفال وصحتهم النفسية والعقلية. فكما يستخدم الأطفال الانترنت لأهداف جيدة كالتعلم والتواصل مع الاخرين، وللترفيه كالألعاب، يمثل الانترنت سلاحا ذا حدين إذا لم تتم مراقبته او تقنين أوضاعه للأطفال، وخصوصا إذا لم ينتبه الأهل إلى ما يتعرض له أطفالهم عبر الانترنت.

يتعرض ثلث الأطفال والشباب تقريبا في نحو 30 دولة للتنمر، مما يؤدي الى ان طفلا من كل خمسة أطفال يترك التعليم والمدراس نتيجة للتنمر طبقا لإحصاءات "اليونيسيف"، في حين ينتحر بعض آخر. الأكثر خطورة ان هناك الملايين من الحالات التي لم تكتشف نظرا إلى أن الأطفال لا يبلغون أهلهم، مما يعرض أطفالا اخرين للجريمة نفسها على الانترنت، بالإضافة إلى أن بعض السياسات الداخلية لعدد من مواقع التواصل الاجتماعي لا يفرض على الشركات البحث عن الجرائم الخاصة بالأطفال على الانترنت، بل يكتفي فقط بالتحقيق في الشكاوى الموجودة بالفعل. هذه السياسات تثير التساؤلات عن المسؤولية الأخلاقية والقانونية لمواقع التواصل الاجتماعي، وحول القوانين والاطارات الهيكلية التي يجب التوصل اليها سريعا لحماية الأطفال والمراهقين. الأخطار قد تكون كبيرة ومتعددة الأوجه، ولكن لا بد من الكشف عنها لتتم حماية الأطفال بصورة فعالة.

٤٥ مليون صورة وفيديو لاعتداءات وصورغير أخلاقية لأطفال بيعت من خلال شبكات وعصابات متخصصة

صحيفة "نيويورك تايمز"

منذ عقد من الزمن، كان هناك نحو مليون صورة او فيديو لاعتداء على أطفال نشرت على الانترنت، وقد تضاعف هذا الرقم عشرات المرات، وبحسب تحقيق لصحيفة "نيويورك تايمز"، رصدت نحو ٤٥ مليون صورة وفيديو لأطفال تم بيعها من خلال شبكات متخصصة في هذا الشأن.

استغلال الأطفال وابتزازهم

تنشر هذه الشبكات صورا غير أخلاقية لأطفال ومراهقين، سواء بمعرفتهم بدافع الحب والتلاعب بمشاعرهم، فينفذ الأطفال ما يُطلب منهم، او من غير معرفتهم من طريق تسجيل محادثات لهم او نشر تسجيلات مصورة اثناء الاعتداء عليهم، والغرض منها هو الضغط على الضحايا وتخييرهم بين نشر هذه التسجيلات على الانترنت أو الامتثال لأوامر الطرف الأخر. في غالب الأحيان، يكون الطرف الاخر شخصا بالغا لكنه مصاب بأمراض نفسية تعرف باسم الـ "بيدوفيليا" فيتحرش بالأطفال ويسيء إليهم جنسيا.

Shutterstock
مراهقة حزينة وخائفة بسبب التحرش الالكتروني

تنشط عصابات الكترونية متخصصة في البحث عن هذه الصور والتسجيلات ونشرها لتحقيق أرباح مادية كبيرة، حيث تستخدم معظم هذه المجموعات أنظمة تشفير خاصة لمنع  أجهزة الأمن أو شركات التكنولوجيا من تعقبها. ففي بعض المنتديات على الانترنت، تم رصد أطفال يحملون لافتات عليها أسماء هذه المجموعات، وفي أحيان اخرى يُطلب من الأطفال حفر أسماء هذه المجموعات على أجسادهم في نوع من أنواع السادية الفكرية ضد الأطفال. وقد اثبت تحقيق مشترك بين صحيفة "واشنطن بوست" ومجلة "وايرد"  في الولايات المتحدة، ومجلة "دير شبيغل" الألمانية، وأخيرا جريدة "ريكوردر" في رومانيا، أن معظم العاملين في هذه الشبكة الدولية المتخصصة بابتزاز الأطفال هم من الرجال في منتصف الأربعينات. الهدف الأساسي لهم هو البحث عن الأطفال من ذوي الإعاقة او الذين يعانون من مشاكل عائلية للضغط عليهم ودفعهم للقيام بأعمال غير أخلاقية ترضي النفسية المشوشة للمجرمين. في بعض الأحيان يطلبون من الأطفال جرح أنفسهم او قتلها، من خلال بث مباشر. تضم هذه المجموعات عادة آلاف المتابعين، ولأغراض تخفى من السلطات، وتغير هذه المجموعات اسماءها بصفة دورية.

تسخير التكنولوجيا للأعمال الشريرة

وكان مكتب التحقيقات الفيديرالي الأميركي أصدر في سبتمبر/أيلول الماضي تحذيرا يشمل ثماني عصابات تستهدف الأطفال بين عمر ٨-١٧ عاما، تقوم بغسل أدمغة الأطفال واقناعهم بالحب لحملهم على القيام بما تريده هذه العصابات. تنشط هذه الجماعات على تطبيقات مختلفة، مثل "تيليغرام" و"ديسكورد" (Discord)، حيث يسمح الأخير لأعضاء لم يتم التحقق من هوياتهم بإنشاء غرف للدردشة تضم أعضاء كثيرين في غياب أي رقابة من إدارة التطبيق.

أي نوع من التنمر أو السخرية الالكترونية يمكن ان يؤثر على الضحية لأوقات طويلة قد تمتد طوال حياته

يعد التنمر الإلكتروني شكلا من أشكال استخدام التكنولوجيا للتحرش بشخص آخر على الانترنت، او تهديده، او الإساءة إليه، من خلال نشر صور شخصية له ومعلومات عنه. في غالب الأحيان يكون الشخص الذي يتعرض للتنمر طفلا، فيسخر المتنمر من مظهره الخارجي و حتى من طريقة تحدثه مع الآخرين. يرفض أصحاب هذه المنشورات مسحها بعد أن يطلب الضحية او اهله ذلك، بهدف رفع الضرر النفسي عنه، ومن الصعب تحديد مصدر التنمر الالكتروني أو عدد الأشخاص الذين يتداولون هذه الصور او المنشورات المسيئة، مما يؤثر سلبا على نفسية الضحية ورحلته الدراسية. ووفقا لتقرير نشره معهد دراسات التنمر الالكتروني الاميركي، فإن واحدا من كل أربعة مراهقين تعرض للتنمر الالكتروني بأشكال مختلفة، واثر عليه بدرجات متفاوتة. والأخطر ان واحدا من كل ستة تعرضوا للتنمر الالكتروني، صار يمارس التنمر مع الاخرين، متحولا من ضحية الى مجرم . 

أي نوع من التنمر او السخرية الالكترونية يمكن ان يؤثر على الضحية لأوقات طويلة قد تمتد طوال حياته. ووفقا لمنظمة الصحة النفسية الاميركية "APA" فإن تعرض الأطفال والمراهقيين للتنمر يزيد مستوى الضغط ويؤدي الي ظهور أعراض الاكتئاب والقلق. وقد يضر التنمر الالكتروني بتعليم الضحية وبمستواه الدراسي، وخصوصا عندما يتعرض للتنمر من زملائه في الفصل الدراسي نفسه وفي المدرسة نفسها، مما يدفع بعض الأطفال إلى ترك المدرسة أو ينالون علامات سيئة، وقد يلجأ بعضهم إلى المخدرات للهروب من الواقع.

سبل حماية الأطفال من الجرائم  الإلكترونية

يركز الخبراء على أن الإجراءات الوقائية هي المقترح الأساسي والمشترك الذي تقدمه شركات التكنولوجيا والسلطات ومراكز الأبحاث الخاصة بالصحة النفسية. يجب على الشركات أن تتحمل أولا المسؤولية الكبرى في الحؤول دون هذه الأنواع من اختراق خصوصية الأطفال. لكن ما تقوم به شركات التكنولوجيا في هذا المجال لا يزال قاصرا، مما يلقي المسؤولية على عاتق الأهالي والمدرسين للحد من هذه الجرائم  الإلكترونية.

أربعة من كل عشرة آباء فقط، قالوا، في استطلاع للرأي، ان أطفالهم أخبروهم بأنهم تعرضوا لمضايقات على الانترنت

1- يجب على الأهالي فتح قنوات اتصالات مع الأطفال والمراهقين مما يسمح لهم بمشاركة ما يحدث معهم على الانترنت. وبحسب استطلاع للرأي للمنتدى العالمي لأمن المعلوماتية، فإن 83 في المئة من الأطفال قالوا أنهم سيشاركون آباءهم إذا تعرضوا لمضايقات أو أذى على الانترنت. لكن أربعة فقط من كل عشرة آباء تم استطلاعهم، قالوا ان أطفالهم أخبروهم بأنهم تعرضوا لمضايقات على الانترنت. فالحوار مع الأطفال والمراهقين يجب ان يكون مبنيا على تفاهم وتثقيف مما يسمح للأطفال بفهم ما يجري، بحيث يبلغون أهلهم بسرعة لاتخاذ الاجراءات الضرورية. 

2- يجب تحديد وقت يوميا يسمح فيه للأطفال باستخدام أجهزتهم الالكترونية. حيث ان 80 في المئة من الأطفال يستخدمون الانترنت يوميا، 36 في المئة منهم يستغرقون من 3-5 ساعات يوميا على الانترنت. 

3- مطلوب من الأهل تفعيل التطبيقات الخاصة التي تضمن حماية الأطفال من التعرض لمحتوى غير هادف. ويوجد العديد من متصفحات الانترنت تقدم مجموعة من الإضافات أو "Browser Plugins" تسمح لهم بإنشاء شبكة حماية للمحتوى الذي يتعرض له الأطفال، وتمكنهم أيضا من حظر الإعلانات غير المناسبة لأعمار أطفالهم لدى استخدامهم الانترنت. وهناك العديد من هذه الإضافات تقوم بإخفاء بروتوكول الانترنت (IP address) للأجهزة المنزلية مما يزيد من الخصوصية ومعدل الأمان للأطفال.

أخيرا، تقع على عاتق مقدمي خدمات الانترنت في المقام الأول مسؤولية حماية الأطفال وجعل الانترنت مساحة آمنة لهم، لكن ما يقومون به حاليا غير كاف للوصول إلى الهدف المنشود، يجب على العائلات والمجتمع التكاتف لحماية الأطفال من التعرض لأي إساءة على الانترنت وتقديم المجرمين إلى العدالة في أسرع وقت كإجراء رادع .

font change

مقالات ذات صلة