أكتوبر المشتعل في غرب أفريقيا... ساحل العاج والكاميرون على صفيح ساخن

أ.ف.ب
أ.ف.ب
متظاهرون أمام محكمة أبيدجان حيث نظم ناشطون وأنصار المرشح الرئاسي للحزب الديمقراطي لساحل العاج، تيديان ثيام، احتجاجا في 2 أبريل 2025

أكتوبر المشتعل في غرب أفريقيا... ساحل العاج والكاميرون على صفيح ساخن

في غرب ووسط أفريقيا، يتقاطع ثقل الإرث الاستعماري مع أزمات الحاضر لتظل بعض الدول رهينة قيادات تتهرب من امتحان الشرعية الحقيقية. ففي ساحل العاج، يطرح ترشح الرئيس ألاسان واتارا لولاية رابعة في انتخابات أكتوبر/تشرين الأول 2025 سؤالا جوهريا حول حدود الحوكمة الدستورية والتداول السلمي للسلطة، في ظل اتهامات بالتلاعب المؤسسي بالدستور يهدد أسس الجمهورية.

وفي الكاميرون، كرّس إقصاء الزعيم المعارض موريس كامتو عن الانتخابات وإصرار الرئيس بول بيا، في سن الثانية والتسعين، على ولاية ثامنة، نموذجا لاستمرارية الحكم التي تتحول من استقرار ظاهري إلى أزمة شرعية مستترة، يغدو فيها الدستور غطاء هشا لاستبداد متجدد.

تعبر هذه الوقائع عن اتجاه خطر ومتزايد في أفريقيا الفرنكفونية، يحول فيه الحكام الآليات القضائية والانتخابية إلى أدوات لإسكات المنافسين، مما يضعف الثقة العامة تجاه العمليات الديمقراطية ويغذي عوامل عدم الاستقرار. كما أن استمرار الاستبداد وتركيز السلطة في دوائر محددة لا يقمع التعددية السياسية فحسب، بل يفتح أبواب تصعيد النزاعات، مهددا السلام الإقليمي والتقدم التنموي.

معضلة ساحل العاج

لم يكن المشهد السياسي في ساحل العاج يوما خاليا من التوترات، منذ أن اندلعت الحرب الأهلية في أعوام 2010 و2011، التي حملت نهايتها الرئيس الحالي ألاسان واتارا إلى سدة الحكم بدعم عسكري فرنسي هائل، عقب نزاع انتخابي مرير مع الرئيس الأسبق لوران غباغبو. وكان واتارا قد وعد بالانسحاب من الحكم بعد ولايتين بحسب الترتيبات السياسية التي تم الاتفاق عليها. لكنه انقلب على هذا الوعد رأسا على عقب، حيث يصر اليوم، وهو في سن الثالثة والثمانين، على الترشح إلى الانتخابات الرئاسية مرة أخرى والمقررة في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2025 مستندا إلى تعديل دستوري من عام 2016 يعيد صياغة الحدود الزمنية للدورات الرئاسية وكأنها ساعة رملية يُعاد قلبها. يتيح تأويل هذا التعديل الدستوري له الزعم بأن عهود حكمه السابقة لا تدخل في حساب الحد الأقصى، وهو موقف يرفضه خصومه السياسيون رفضا قاطعا، معتبرين إياه انتزاعا فاضحا للسلطة يشبه السرقة المفضوحة وسط تصفيق القانون.

في الكاميرون، يحكم الرئيس بول بيا البلاد منذ 1982، وهو الآن يتأهب لولاية ثامنة بعد قرار المجلس الدستوري في 5 أغسطس 2025

فاقمت بعض التطورات الأخيرة من هذه الأزمة العميقة. ففي 25 يوليو/تموز 2025، أقرت اللجنة الانتخابية استبعاد رموز معارضة بارزة من الانتخابات الرئاسية المزمع عقدها في أكتوبر المقبل، شملت لوران غباغبو، الرئيس السابق لساحل العاج والذي ارتبط اسمه بأزمة 2010 قبل أن يُحال إلى المحكمة الجنائية الدولية التي برأته مؤخرا من تهم جرائم ضد الإنسانية، وتيدجان ثيام الاقتصادي ذو الحضور العالمي والشخصية الإصلاحية البارزة، وصولا إلى غيوم سورو القائد المتمرد الذي تحول إلى رئيس وزراء ورئيس للبرلمان والذي يمثل نموذج السياسي القادم من رحم التمرد بالسلاح إلى قلب السلطة.

وقد استندت اللجنة الانتخابية في قرار استبعاد هؤلاء المرشحين من العملية الانتخابية إلى حجج قانونية متشعبة كالإدانات القديمة أو شروط الإقامة. وأشعل هذا الإجراء نار الاحتجاجات الجماهيرية، حيث غصت شوارع أبيدجان بآلاف المحتجين يومي 9 و16 أغسطس/آب، مطالبين بانتخابات نزيهة وإعادة المستبعدين إلى السباق. وتحول غباغبو، العائد من المنفى بعد براءته في المحكمة الجنائية الدولية عام 2019، إلى رمز وطني، يندد بترشح واتارا كانهيار دستوري ويعد بمواصلة الانتفاضة.

وتعكس منصات التواصل الاجتماعي هذا الغليان بمنشورات تبرز إصرار المعارضة وتصور الاحتجاجات كمعركة مصيرية ضد شبح الديكتاتورية.

رويترز
أنصار الحزب الديمقراطي لساحل العاج يواجهون قوات الأمن خلال مسيرة نحو اللجنة الانتخابية المستقلة التي منعت زعيمهم تيجان ثيام من الترشح، في أبيدجان، ساحل العاج، 14 يونيو 2025

وتكشف تحركات الرئيس واتارا عن تآكل متزايد للقيم الديمقراطية، حيث يستفيد من هيمنة حزبه الحاكم "التجمع الهوفويتي للديمقراطية والسلام" على المساحات العامة لحشد التأييد وإقصاء أي تحديات محتملة عبر الاستبعادات القضائية. ويهدد هذا النهج بإحياء أشباح العنف الانتخابي، كما حذرت "مجموعة الأزمات الدولية" من مخاطر انتخابات محفوفة بالمخاطر قد تؤجج الاضطرابات في أمة لا تزال تلملم جراح نزاعها الأهلي.

اقتصاديا، شهدت البلاد استقرارا تحت قيادة الرئيس واتارا، مدعوما بصادرات الكاكاو ومشروعات البنية التحتية، لكنها تواجه اليوم تناقضا مريرا: نمو مهدد أمام هشاشة سياسية، حيث يقوض كبت الرأي الآخر ثقة المستثمرين ويمزق النسيج الاجتماعي الذي يبدو مهددا بأشباح عودة العنف الأهلي إذا أصرت حكومة واتارا على المضي قدما بالانتخابات في ظل هذه التهديدات.

التعثر الدستوري في الكاميرون

أما في الكاميرون، فالقصة أطول وأشد تعقيدا. حيث يحكم الرئيس بول بيا البلاد منذ 1982، وهو الآن يتأهب لولاية ثامنة بعد قرار المجلس الدستوري في 5 أغسطس/آب 2025، الذي أيد رفض اللجنة الانتخابية لترشيح منافسه الرئيس موريس كامتو للانتخابات الرئاسية المقبلة المزمع إجراؤها في 12 أكتوبر 2025. استُبعد كامتو، زعيم "حركة النهضة الكاميرونية" من الانتخابات في 2018، بحجة مخالفات إجرائية، وهو حكم وصفه كامتو حينها بأنه مؤامرة تعسفية مصممة لإزالة أي منافسة حقيقية. والآن، يتكرر المشهد بحذافيره.

الديمقراطية، التي تحافظ على مظاهر التصويت والقضاء دون جوهر الحرية والمساءلة، تعزز الاستبداد بإيهام الشعوب بأنها مشاركة في الحكم، بينما تُسرق أصواتها في الخفاء

يعتمد نظام حكم الرئيس بيا، المتميز بالمركزية الشديدة وعدم ظهوره العلني منذ 2018، على كوكبة من المساعدين المخلصين والقوات الأمنية للحفاظ على عرشه. أثار إقصاء كامتو، الذي يزعم فوزه في انتخابات 2018 المشوبة بالتزوير، إدانات دولية من المراقبين الدوليين الذين ينظرون إليه كمحاولة متعمدة لتأمين استمرارية نظام الحكم. ويتزامن هذا المشهد مع نزاعات مستمرة في المناطق الناطقة بالإنكليزية وصعوبات اقتصادية فاقمها التضخم العالمي، تتحول انتخابات الكاميرون المقبلة في أكتوبر 2025 إلى برميل بارود، حيث تتفاقم الإحباطات من "حركة الشعب الكاميروني الديمقراطي" الحاكمة كالغيوم التي تتراكم قبل العاصفة.

رويترز
تلاميذ وأهاليهم وأساتذتهم في وقفة احتجاجية بعد أن أطلق مسلحون النار على مدرسة، ما أسفر عن مقتل ستة أطفال على الأقل، في كومبا، الكاميرون 25 أكتوبر 2020

وتكشف هذه الوقائع عن ترسخ نهج استبدادي عميق الجذور. إذ يثير عمر بيا الطويل، وهو في الثانية والتسعين، تساؤلات حول أهليته وعمن الذي يحكم الكاميرون فعلا في الظل، والفوضى المحتملة عند رحيله. وبتلاعبه بالمؤسسات كالمجلس الدستوري المكتظ بالمعينين سياسيا، يحافظ النظام على واجهة قانونية بينما يسحق التعددية، مولدا عدم اكتراث انتخابي واحتجاجات متفرقة قد تنفجر إذا اشتدت الضغوط الاقتصادية.

أنماط مشتركة وسياقات متباينة

تكشف الدولتان عن تشابهات مذهلة في تراجعهما الديمقراطي، حيث يستغل القادة الشيوخ– واتارا في الثالثة والثمانين وبيا في الثانية والتسعين– الاستبعادات القضائية لإبطال المعارضة، مستمدين قوتهم من إرث النفوذ الفرنسي الاستعماري. في ساحل العاج، تتجلى معارضة ذلك في انتفاضات الشوارع وتوحيد المعارضة حول أيقونات مثل غباغبو، بينما يبقى الرد في الكاميرون أكثر خمولا بفعل القمع الشديد والانقسامات الإقليمية. غير أن الجوهر واحد: تجاوز المدى الزمني لولاية الحكم وإقصاء المرشحين المنافسين الذي يحفر في مصداقية المؤسسات والعملية الديمقراطية، مغذيا الشكوك لدى الشباب الذين يشكلون الأغلبية، كأنهم يرون أحلامهم تذوب في بحر من الوعود الكاذبة. وبينما تتباين السياقات التاريخية فإن المشهد الحالي في تقارب كبير: في ساحل العاج، يجعل النزاع الأهلي الأخير العنف الانتخابي شبحا قابلا للعودة، أما الكاميرون فيخفي استقرارها المصطنع تحت حكم بيا، هشاشة أساسية تشمل تمردات انفصالية في مناطق مختلفة من البلاد. اقتصاديا، يبرز الازدهار النسبي في ساحل العاج مقابل الركود في الكاميرون، لكنهما يواجهان خطر امتداد القلاقل إلى الجيران، مهددين استقرار "الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا" و"الجماعة الاقتصادية والنقدية لوسط أفريقيا".

هنا يبرز خطر الديمقراطية الشكلية كأداة لترسيخ الاستبداد: في هاتين الدولتين، تتحول الانتخابات والمحاكم إلى مجرد مسرحية واستعراض، حيث يُستخدم الدستور كغطاء لإدامة السلطة، لا كأساس للتداول السلمي. هذه الصيغة من الديمقراطية، التي تحافظ على مظاهر التصويت والقضاء دون جوهر الحرية والمساءلة، تعزز الاستبداد بإيهام الشعوب بأنها مشاركة في الحكم، بينما تُسرق أصواتها في الخفاء. إنها كالسراب في الصحراء، يعد بالماء لكنه يؤدي إلى العطش الأبدي، مما يولد فراغا سياسيا يملأه اليأس والعنف، ويمنع نشوء قيادات جديدة قادرة على بناء مستقبل تنموي أو استقرار مستدام. تتجاوز الآثار أفريقيا، متماهية مع نماذج في توغو والغابون، حيث يسيطر الحكم الوراثي أو الممدد، متحديا ميثاق الاتحاد الأفريقي الديمقراطي. وانتشار هذه الأساليب، يعيق التقدم القاري نحو حكم يعتمد على الشعب لا العكس.

تسلط حالتا ساحل العاج والكاميرون الضوء على كيف يفضل الحكام المستبدون في أفريقيا الحفاظ على أنفسهم على حساب الشرعية الديمقراطية، مما يغذي دورات إقصاء تولد عدم استقرار ينتشر كالنار تحت الرماد

نحو إحياء النموذج الديمقراطي الأفريقي أم انهياره؟

من منظور نظريات ما بعد الاستعمار، كما طرحها مفكرون مثل فرانز فانون وأشيل مبيمبي، يمكن تفسير الأزمات السياسية في ساحل العاج والكاميرون كاستمرار لهياكل السلطة الاستعمارية التي تحولت إلى أدوات للنخب المحلية. فانون في معذبو الأرض يرى أن النخب ما بعد الاستعمار، مثل واتارا وبيا، تحل محل المستعمرين، مستخدمة المؤسسات الدستورية والقضائية لإدامة الهيمنة، كما في استبعاد غباغبو وكامتو بحجج قانونية. كذلك، يصف مبيمبي في مفهوم "لنكروبوليتكس" كيف تستخدم هذه النخب السلطة لإقصاء المعارضين، ما يحول الديمقراطية إلى مسرحية تخدم استمرارية الحكم. لكن هذه النظريات قد تُفرط في إرجاع الأزمات إلى الإرث الاستعماري، متجاهلة عوامل داخلية مثل الانقسامات العرقية أو الاقتصادية التي تغذي عدم الاستقرار، كما في نزاعات الكاميرون الناطقة بالإنجليزية. كما أن تركيزها على النخب قد يقلل من دور المقاومة الشعبية، كاحتجاجات أبيدجان، التي تعكس إمكانية إعادة تشكيل الديمقراطية من الأسفل.

أ.ف.ب
ضباط الشرطة في ساحل العاج ينفذون قرار المحكمة بتعليق مؤتمر الحزب الديمقراطي في مقر الحزب بأبيدجان في 16 ديسمبر 2023

تسلط حالتا ساحل العاج والكاميرون الضوء على كيف يفضل الحكام المستبدون في أفريقيا الحفاظ على أنفسهم على حساب الشرعية الديمقراطية، مما يغذي دورات إقصاء تولد عدم استقرار ينتشر كالنار تحت الرماد. مع تصاعد الاحتجاجات في أبيدجان وإصرار المعارضة الكاميرونية على المقاومة. وستكشف الأشهر المقبلة إن كانت هذه الدول ستتجه نحو إحياء نموذج ديمقراطي عبر إصلاحات شاملة، أم نحو انهيار في أتون النزاعات. في النهاية، يتطلب الاستقرار الالتزام بحدود الولايات الانتخابية والمنافسة النزيهة، وإلا فإن مطاردة السلطة الأبدية ستفكك النسيج الهش للديمقراطية الأفريقية، تاركة أجيالا في مواجهة النزاعات المسلحة وعدم الاستقرار السياسي.

font change