بابا الفاتيكان في تركيا... أول رحلة خارجية لتعزيز العلاقة مع الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية

اهتمام خاص من الفاتيكان بتركيا

أ.ف.ب
أ.ف.ب
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يستقبل البابا ليو الرابع عشر في أنقرة في 27 نوفمبر

بابا الفاتيكان في تركيا... أول رحلة خارجية لتعزيز العلاقة مع الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية

تشكل زيارة بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر إلى تركيا المحطة الأولى في جولته التي تمتد إلى مرحلتين، على أن يكون لبنان محطته الثانية. وتكتسب الزيارة أهميتها لأنها تأتي في سياق تاريخي وديني يمتد لقرون ويحمل أبعادا سياسية ورمزية واضحة.

خصصت لشعار الرحلة الرسولية إلى تركيا- التي تحمل صورة جسر البوسفور رمزا للدعوة إلى تعزيز الأخوة والحوار بين الشرق والغرب- صفحة مستقلة على موقع أخبار الفاتيكان تشرح تفاصيل رموزها ومعانيها.

وتمتد زيارة البابا إلى تركيا، التي بدأت في السابع والعشرين من الشهر الجاري، ثلاثة أيام، وتتوزع على ثلاث مراحل.

استهلّ البابا زيارته بالتوجه إلى أنيت كابير، ضريح مصطفى كمال أتاتورك مؤسس الجمهورية التركية، في العاصمة أنقرة. ثم التقى الرئيس رجب طيب أردوغان في القصر الرئاسي، حيث حظي باستقبال تميز بعدة مظاهر احتفاء، من بينها حفل موسيقي قدّمته جوقة حضارات أنطاكيا في مكتبة القصر.

وفي كلمته تطرق الرئيس رجب طيب أردوغان إلى الحرب في غزة والقضية الفلسطينية، وشدد على استهداف إسرائيل لأماكن العبادة هناك، بما فيها الكنيسة الكاثوليكية. أما البابا ليو الرابع عشر فاقتصر حديثه على الإشارة إلى الحروب المشتعلة حول العالم من دون ذكر إسرائيل بالاسم أو توجيه أي انتقاد مباشر لها على جرائمها، وهو ما كانت الدولة المضيفة تأمل سماعه.

وفي اليوم الثاني من زيارته، توجّه البابا إلى مدينة إزنيك التركية الحالية، الواقعة على ضفاف بحيرة إزنيك وعلى مسافة تقارب مئة وثلاثين كيلومترا جنوب شرق إسطنبول، لأداء حج ديني إحياء للذكرى السبعمئة بعد الألف لانعقاد مجمع نيقية الأول.

وكان البابا فرنسيس، سلف البابا ليو، قد تعهّد بزيارة بابوية لإحياء ذكرى المجمع، ولكن بعد رحيله قرر البابا ليو أن يفي بهذا الوعد.

أما الجزء الثالث من الزيارة فيشمل جولة على عدد من الكنائس المسيحية في إسطنبول، إضافة إلى أنشطة دينية متنوعة.

استهلّ البابا زيارته بالتوجه إلى أنيت كابير، ضريح مصطفى كمال أتاتورك مؤسس الجمهورية التركية، في العاصمة أنقرة. ثم التقى الرئيس رجب طيب أردوغان في القصر الرئاسي

وتتضمن جولة البابا زيارات إلى كنيسة مار أفرام السريانية الأرثوذكسية، وكنيسة القديس جاورجيوس البطريركية، فضلا عن مشاركته في صلاة تقام في كاتدرائية الأرمن الأرثوذكس. كما سيشارك في مراسم عيد القديس أندراوس التي تُقام في الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية بمنطقة فنر.

كما سيوقّع البابا إعلانا مشتركا مع البطريرك برثلماوس، ويتناول معه غداء رسميا في مقر البطريركية بمنطقة فنر في إسطنبول.

وسيترأس قداسا في قاعة فولكس فاغن أرينا، التي تتسع لخمسة آلاف شخص وتُستخدم عادة لاستضافة الفعاليات الجماهيرية كالحفلات والمؤتمرات. ويُعد هذا القداس خطوة غير مسبوقة، إذ درج البابوات الذين زاروا تركيا في السابق على إقامة القداسات داخل الكنائس وبين أفراد المجتمع الكاثوليكي فقط.

ومن بين الخطوات اللافتة أيضا، زيارته صباح اليوم السبت مسجد السلطان أحمد المعروف بالجامع الأزرق بسبب بلاطه الفيروزي في إسطنبول.

رويترز
البابا ليو الرابع عشر يزور جامع السلطان أحمد المعروف باسم "الجامع الأزرق" في اسطنبول

وتضم تركيا، التي يبلغ عدد سكانها خمسة وثمانين مليون نسمة، غالبية مسلمة تبلغ نحو تسعة وتسعين في المئة، فيما تبقى نسبة غير المسلمين محدودة للغاية، ويُقدّر عدد الكاثوليك فيها بنحو ثلاثة وثلاثين ألفا فقط.

ويعيش في تركيا نحو مئة وثمانين ألف مسيحي، وما يقارب عشرين ألف يهودي، يتوزعون على أربعمئة وخمس وثلاثين دار عبادة من كنائس وكنس يهودية، يعود معظمها إلى قرون مضت.

وشهد التاريخ بين الدولة العثمانية والدول اللاتينية الأوروبية، بقيادة البابوية، سلسلة من الحروب البرية والبحرية. ولم تقم العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين تركيا والفاتيكان حتى عام 1960.

ومنذ ذلك الحين، زار جميع البابوات تركيا، باستثناء يوحنا بولس الأول، الذي شغل المنصب لمدة ثلاثة وثلاثين يوما فقط قبل وفاته.

ومن بين الخطوات اللافتة أيضا، زيارته صباح اليوم السبت مسجد السلطان أحمد المعروف بالجامع الأزرق بسبب بلاطه الفيروزي في إسطنبول

ويُعد البابا ليو الرابع عشر خامس بابا يزور تركيا، بعد بولس السادس، ويوحنا بولس الثاني، وبندكتوس السادس عشر، والبابا فرنسيس.

وتحتل تركيا، بفعل عوامل دينية وتاريخية، موقعا فريدا في سجل زيارات البابوات. ويعود اهتمام الفاتيكان بها إلى الدور المحوري الذي لعبته الأراضي التي تشكل الجمهورية التركية اليوم في بدايات المسيحية، إذ شهدت انعقاد المجامع الكنسية الثمانية الأولى على أرضها.

ومن بين الدوافع الرئيسة لهذه الزيارات أيضا سعي الكنيسة الكاثوليكية إلى تعزيز علاقاتها مع الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية في إسطنبول.

رويترز
البابا ليو الرابع عشر أثناء لقاء مع قادة الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية في اسطنبول

يعود الخلاف بين الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة الأرثوذكسية الشرقية إلى قرون طويلة. ففي عام 1054، وقع ما يُعرف بالانشقاق الكبير، حين انفصلت الكنيسة الرومانية الشرقية عن الفاتيكان، معلنة استقلالها تحت اسم "الكنيسة الأرثوذكسية"، وهو مصطلح يُشير إلى "الكنيسة التي تسير على الطريق القويم".

وكان الاسم الأصلي لهذه الكنيسة هو "الكنيسة الرومانية الأرثوذكسية"، لكنها بدأت تُعرف خلال الحقبة العثمانية باسم "الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية"، نظرا لأن غالبية أبنائها في تلك الفترة كانوا من اليونانيين.

وبالإضافة إلى الخلافات اللاهوتية، اجتاح صليبيو الحملة الصليبية الرابعة القسطنطينية، عاصمة الإمبراطورية البيزنطية، عام 1204، ودمروها بشكل شبه كامل، وأقاموا الإمبراطورية اللاتينية التي تمكن البيزنطيون الأرثوذكس من استعادتها عام 1261.

ويرى الأرثوذكس أن البابوية واللاتين الكاثوليك يتحملون مسؤولية إضعاف القسطنطينية، الأمر الذي مهد في نهاية المطاف لسقوطها عام 1453 بيد العثمانيين الذين غيّروا اسمها إلى إسطنبول.

ويُعد البابا ليو الرابع عشر خامس بابا يزور تركيا، بعد بولس السادس، ويوحنا بولس الثاني، وبندكتوس السادس عشر، والبابا فرنسيس

ولم تبدأ العلاقات بين الكنيستين بالتحسّن إلا بعد أن عبّر البابا يوحنا بولس الثاني، في عام 2001 ثم مرة أخرى عام 2004، عن الأسف وقدّم اعتذارا عمّا جرى قبل ثمانية قرون.

وحملت زيارة البابا ليو الرابع عشر إلى مدينة إزنيك، في اليوم الثاني من زيارته لتركيا، دلالة بارزة، إذ شهدت هذه المدينة عام 325 ميلادية انعقاد أول مجمع مسكوني في تاريخ المسيحية، بمشاركة نحو مئتي رجل دين من مختلف أنحاء العالم المسيحي.

وتمخض مجمع نيقية الأول عن العقيدة النيقية، التي مثّلت صيغة موحدة للمعتقدات المسيحية الأساسية، ونصّت على الطبيعة الإلهية الكاملة للمسيح.

وأقام البابا، بمشاركة البطريرك برثلماوس الأول من الكنيسة الأرثوذكسية في إسطنبول، شعائر دينية في موقع بقايا كنيسة القديس نيفيتوس الغارقة. ويُعتقد أن هذه الكنيسة، التي ظهرت بعد انحسار مياه بحيرة إزنيك عام 2015، كانت الموقع الذي شهد انعقاد المجمع الأول.

وفي كلمته خلال المراسم، تناول البابا ليو المعنى والمكانة التي يحملها مجمع نيقية الأول في التاريخ المسيحي، مؤكدا أن الدين لا يمكن أن يكون، بأي حال من الأحوال، مبررا للحرب أو العنف أو أي شكل من أشكال الأصولية أو التعصب.

تشهد زيارة البابا أعلى درجات التأهب الأمني، ولم تُسجّل أي حوادث أو احتجاجات حتى الآن. ومع ذلك، تواجه الزيارة انتقادات حادة من قوميين وعلمانيين ومحافظين، عبّروا عنها عبر بيانات وتصريحات نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي.

ويتهم هؤلاء البابا والبطريرك الأرثوذكسي اليوناني برثلماوس بتشكيل تحالف صليبي يسعى إلى تنفيذ مخطط يهدف إلى إعادة إحياء المسيحية على الأراضي التركية.

ودعا متحدث باسم البطريركية الأرثوذكسية التركية الشعب التركي إلى التكاتف لمواجهة ما وصفه بالمؤامرة.

وكان التركي محمد علي آغا، الذي حاول اغتيال البابا يوحنا بولس الثاني في الفاتيكان في مايو/أيار 1981، موجودا في مدينة إزنيك.

آغا، الذي أُلقي القبض عليه مباشرة بعد محاولة الاغتيال ثم سُجن في إيطاليا ولاحقا في تركيا قبل الإفراج عنه عام 2010، قال إنه كان يرغب في أن يحيي البابا شخصيا، إلا أن السلطات الأمنية التركية طلبت منه مغادرة المدينة قبل وصول البابا.

font change