أما على الصعيد الاستراتيجي، فإن هذا التصنيف لا يأتي من فراغ، بل يمثل إقرارا مؤسسيا بتموضع السعودية في مصاف أوثق حلفاء واشنطن، جنبا إلى جنب مع اليابان وكوريا الجنوبية. بيد أن هذا التصنيف، ورغم ثقله السياسي، يظل يفتقر إلى الضمانة الجوهرية المتمثلة في التزام الدفاع المشترك (على غرار المادة الخامسة في حلف "الناتو")، التي توجب تدخلا عسكريا أميركيا مباشرا لصد أي عدوان.
وعليه، يُعتبر هذا التصنيف بمثابة سقف الصلاحيات التنفيذية المتاحة للرئيس، لكنه ليس بديلا عن المعاهدة الدفاعية الشاملة التي تبقى رهينة بمصادقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ.
المحور الثالث: الاتفاقيات التسع ومأسسة الشراكة
في جلسة المحادثات الثنائية الموسعة، والتي أُعلنت نتائجها لاحقا، تم جرد مجموعة من الاتفاقيات والمذكرات التي تتجاوز في محتواها صفقات السلاح التقليدية، لتشمل شراكة عميقة في تقنيات المستقبل. وقد وقع القادة على تسع اتفاقيات رئيسة تشكل خارطة طريق للتحول في العلاقة الثنائية، بدءا من الدفاع وانتهاء بالتقنية والمال:
1- اتفاقية الدفاع الاستراتيجي: تهدف إلى الارتقاء بمستوى العلاقات العسكرية القائمة إلى أعلى مستويات التعاون والتنسيق المشترك، لدعم الردع الاستراتيجي وتوطين الصناعات العسكرية السعودية.
2- الشراكة الاستراتيجية للذكاء الاصطناعي: تدشين تحالف تقني استراتيجي يركز على الاستثمار في البنية التحتية للحوسبة الفائقة ونقل المعرفة والملكية الفكرية، لجعل المملكة ركيزة أساسية في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي.
3- البيان المشترك لاستكمال مفاوضات التعاون في الطاقة النووية المدنية: يمثل إنجازا لإطار عمل يسمح بنقل التقنيات النووية الأميركية المتقدمة إلى المملكة، ضمن شروط، لدعم خططها في تنويع مزيج الطاقة وخفض الانبعاثات الكربونية.
4- الإطار الاستراتيجي للشراكة في تأمين سلاسل الإمداد لليورانيوم والمعادن الحرجة: يهدف إلى تأمين سلاسل الإمداد العالمية لليورانيوم والمعادن النادرة والمغانط الدائمة، مما يرسخ دور السعودية كشريك موثوق به في هذا القطاع الحيوي للمستقبل.
5- اتفاقية تسهيل إجراءات تسريع الاستثمارات السعودية: تعمل على تبسيط الإجراءات التنظيمية والبيروقراطية لتسهيل تدفق استثمارات الصندوق السيادي السعودي (PIF) التي تصل إلى تريليون دولار إلى القطاعات الأميركية الاستراتيجية.
6- ترتيبات الشراكة المالية والاقتصادية من أجل الازدهار الاقتصادي: يضع إطارا للتكامل الهيكلي بين الاقتصادين العملاقين، لضمان الازدهار المشترك وتعزيز الاستقرار المالي العالمي على المدى الطويل.
7- الترتيبات المتعلقة بالتعاون في قطاع هيئات الأسواق المالية: تعزز التعاون بين البلدين وتبادل الخبرات بين الهيئات التنظيمية للأسواق المالية في السعودية والولايات المتحدة، بما يخدم استقرار ونمو الاستثمارات المشتركة.
8- مذكرة تفاهم في مجال التعليم والتدريب: تركز على بناء القدرات البشرية ونقل المعرفة والتقنية، خاصة في المجالات المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعي والنووي، لخدمة متطلبات "رؤية 2030".
9- الرسائل المتعلقة بمعايير سلامة المركبات: تهدف إلى مواءمة الأنظمة السعودية مع المعايير الأميركية لسلامة المركبات، مما يسهل التجارة ويفتح الباب أمام شركات التصنيع الأميركية.
التركيز على اتفاقية الدفاع الاستراتيجي والطاقة النووية والمعادن الحرجة
تتخطى اتفاقية الدفاع الاستراتيجي منطق صفقات التسلح التقليدية، لتؤسس إطار عمل مستداما يهدف إلى تحقيق الردع المشترك وتطوير القدرات الذاتية، بما يخدم مستهدفات "رؤية 2030" في توطين 50 في المئة من الإنفاق العسكري. إنها بمثابة اعتراف أميركي بقدرة الرياض على التحول إلى منصة لوجستية وصناعية متقدمة للاستدامة الدفاعية في المنطقة.