السعودية وأميركا تجديد الشراكة

نتائج واضحة لزيارة الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن في البعد الاستراتيجي والاقتصادي-التكنولوجي والإقليمي

أ.ب
أ.ب
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس دونالد ترمب يشاهدان سربًا من طائرات إف-35 وإف-15 خلال حفل استقبال في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض، واشنطن في 18 نوفمبر 2025.

السعودية وأميركا تجديد الشراكة

لا يمكن اختزال العلاقات الدولية الكبرى في اجتماعات عابرة أو صفقات مالية فحسب، لكنها تُصاغ في لحظات تاريخية فارقة تُعيد تعريف الشراكة ذاتها، وتحولها من صيغتها القديمة إلى أخرى أكثر ملاءمة لمستجدات العصر. وفي يومي 18و19 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، شهدت العاصمة الأميركية واشنطن إحدى هذه اللحظات الفاصلة، حين حل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ضيفا استثنائيا على الرئيس دونالد ترمب.

لم تكن تلك الزيارة، التي جاءت بعد غياب دام سبع سنوات، مجرد استئناف لجدول أعمال دبلوماسي، بل شكلت تجليا لافتراقٍ مفاهيمي عميق، ومواجهة صريحة بين منهجين استراتيجيين: فبينما كان الرئيس ترمب يبني إرثه على قاعدة الصفقة الشخصية المؤقتة التي قد تتلاشى بجرة قلم مَن خلفه، كانت الرياض تسعى لإرساء المعاهدة المؤسسية الدائمة التي تستند إلى مصادقة الكونغرس، وتتحصن بضمانات تشريعية لا تزعزعها تقلبات المشهد السياسي الأميركي.

إن القراءة المتأنية لنتائج هذه الزيارة- التي ترقى مخرجاتها إلى مستوى الوثيقة التأسيسية لمستقبل العلاقات السعودية-الأميركية للمرحلة الممتدة حتى منتصف القرن الحالي، تكشف عن نجاح سعودي في نقل ثقل العلاقة من الإطار التنفيذي إلى الإطار التشريعي، ومن معادلة النفط مقابل الأمن إلى معادلة التكنولوجيا ورأس المال مقابل الضمانة المؤسسية. فقد أعلن الطرفان عن تدشين عقد التريليون دولار، وأطلقا تحالفا استراتيجياً في الذكاء الاصطناعي، ورسخا الشراكة الدفاعية، وأعادا رسم الخريطة الجيوسياسية في الشرق الأوسط وأفريقيا.

مع ثورة النفط الصخري، تراجع الاعتماد الاستراتيجي الأميركي على نفط الشرق الأوسط

تسعى هذه القراءة لتقديم مقاربة تحليلية لأركان هذا التحول التاريخي، بدءا من دلالات الاستقبال الاستثنائي، ومرورا بحزمة الاتفاقيات الاستراتيجية التسع ومنتدى الاستثمار الذي دشن عصر اقتصاد الذكاء الاصطناعي، وصولا إلى البُعد الإنساني الجديد في الملف السوداني، وذلك بالتوازي مع تأصيل هذه التطورات ضمن الإرث الممتد لثمانية عقود من العلاقات بين المملكة والولايات المتحدة.

المحور الأول: الجذور التاريخية للشراكة

لاستيعاب دلالات زيارة نوفمبر 2025، يتحتم العودة إلى اللحظة التأسيسية للشراكة السعودية-الأميركية. فبعد أن أكمل البلدان ثمانية عقود من العلاقات التي دُشنت على متن الطراد الأميركي "يو إس إس كوينسي"، بات لزاما قراءة هذه الزيارة في سياق الاستمرارية المتجددة، لا القطيعة مع الماضي.

الملك عبدالعزيز والرئيس روزفلت 1945

شكل اللقاء التاريخي بين الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود والرئيس الأميركي فرانكلين ديلانو روزفلت في البحيرات المرة بمصر، في 14 فبراير/شباط 1945، حجر الزاوية الذي استندت إليه هيكلية التحالف لعقود.

أ.ب
الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود والرئيس الأميركي فرانكلين ديلانو روزفلت يناقشان العلاقات السعودية الأميركية على متن السفينة يو إس إس كوينسي في البحيرة المرة الكبرى شمال مدينة السويس بمصر، في 14 فبراير 1945.

الجذور التاريخية للعلاقة

- معادلة النفط مقابل الأمن: ارتكزت الشراكة على معادلة استراتيجية ضمنية، انبثقت من حاجة الولايات المتحدة للطاقة وحرصها على تأمين مصادرها بُعيد الحرب العالمية الثانية. وبموجب هذه المعادلة، تضمن المملكة استقرار إمدادات النفط للاقتصاد العالمي ولحليفها الغربي، وفي المقابل، توفر الولايات المتحدة المظلة الأمنية للمملكة. وقد أثبتت هذه الصيغة فاعليتها الاستراتيجية طوال حقبة الحرب الباردة وما تلاها.

- الثابت الفلسطيني: منذ اللحظة الأولى، طرح الملك المؤسس القضية الفلسطينية بوصفها ركيزة أخلاقية وسياسية للعلاقة، حيث انتزع تعهدا صريحا من الرئيس روزفلت بأن واشنطن لن تتخذ أي خطوات بشأن فلسطين قد تكون مناهضة للعرب. وقد مثل هذا التعهد الضابط المعياري للموقف الأميركي في تلك الحقبة.

العلاقة القديمة والحاجة إلى المعاهدة

بيد أن هذا النموذج، ورغم صموده لعقود، بدأ يكشف عن تحديات مع أفول حقبة "النفط مقابل الأمن". فمع ثورة النفط الصخري، تراجع الاعتماد الاستراتيجي الأميركي على نفط الشرق الأوسط. والأخطر، أن المظلة الأمنية الضمنية- التي طالما عُدت من المسلمات- تعرضت لاختبار قاسٍ إبان استهداف منشآت "أرامكو" في بقيق وخريص عام 2019، حين جاء الرد الأميركي باهتا ومفتقرا لعنصر الردع. إن حالة اللايقين الاستراتيجي هذه لم تعد مقبولة لدولة تؤسس لمشروع ضخم بحجم "رؤية 2030" التي تتطلب بيئة أمنية مستقرة وواضحة المعالم على مدى ربع قرن قادم.

يمنح تصنيف "حليف رئيس من خارج الناتو" المملكة امتيازات عسكرية ولوجستية نوعية؛ إذ يفتح الباب أمام نفاذ تفضيلي للتكنولوجيا الدفاعية الأميركية المتقدمة

لقد مثلت الهجمات على المنشآت النفطية السعودية في عام 2019 جرس إنذار ازاء "التفاهم الضمني" الذي أُبرم على متن "كوينسي"، والذي لم يعد كافيا لضمان الردع في مواجهة التهديدات المستجدة. ومن هنا، تكتسب زيارة 2025 أهميتها بوصفها مسارا لمأسسة التحالف، ونقله من الحالة الظرفية لوعود ساكن البيت الأبيض إلى حصانة ضمانات الكونغرس التشريعية. وهو تحول يتماهى مع رؤية عالم الاجتماع ماكس فيبر، الذي يعتبر أن العقلانية البيروقراطية هي الضامن الأوحد لاستقرار السلطة، نقيضا للعلاقات الشخصية الهشة التي لا يمكن التعويل عليها في لحظات الأزمات. وبذلك، يمكن قراءة هذه الخطوة باعتبارها استبدالا لمعادلة 1945 بمعادلة الإرث مقابل الإرث والمؤسسية مقابل المؤسسية. لقد خاطبت الرياض الرئيس ترمب بمنطقه ذاته: إذا كانت السياسة هي فن الصفقات، فهذه شروطنا لصفقة مستدامة عصية على النقض.

لا يكمن جوهر المفاوضات في إقناع الرئيس ترمب فحسب، بل في قدرته على تأمين نصاب الـ67 صوتا في مجلس الشيوخ اللازمة لتمرير المعاهدة الدفاعية. وهو تحدٍ يفرض عليه خوض مواجهة مزدوجة: داخل حزبه مع "الجناح الانعزالي" الرافض للانخراط في الشرق الأوسط، ومع خصومه من "التقدميين الديمقراطيين" المعارضين للشراكة مع الرياض. وهنا يتجلى الدهاء الاستراتيجي السعودي؛ فالرياض ترفض مقايضة التزام تاريخي دائم (الدخول في مسار العلاقات مع تل أبيب) بوعد رئاسي مؤقت. بل تصر على جعل الملف الفلسطيني هو الغطاء السياسي والأخلاقي الضروري الذي يحتاجه ديمقراطيو الوسط لتبرير تصويتهم لصالح الاتفاقية.

المحور الثاني: حفاوة الاستقبال ومقايضة  الإرث الاستراتيجي

كان المشهد العام للزيارة في واشنطن، وتحديدا في البيت الأبيض ومركز جون كنيدي للفنون، يعكس ما يمكن وصفه بـ "الاستقبال الاستثنائي-الاحتفالي".

حفاوة الاستقبال والعلاقة الخاصة

حطت طائرة ولي العهد في واشنطن وسط ترتيبات تخطت سقف البروتوكول التقليدي. فقد جاء الاستقبال المهيب في البيت الأبيض بمثابة إعلان سياسي صريح من إدارة ترمب، يؤكد إعادة تعريف العلاقة على أساس المصالح الوطنية الصرفة، متجاوزا الأصوات المعارضة داخل واشنطن (وتحديدا الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي) التي طالما انتقدت الشراكة مع الرياض لمنطلقات أيديولوجية.

واس
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الأميركي دونالد ترمب في صورة عائلية خلال منتدى الاستثمار السعودي الأميركي في واشنطن العاصمة. في 19 نوفمبر 2025.

لقد عكس هذا الاحتفاء رغبة ترمب الجامحة في حصد "الجائزة الكبرى" التي ستتوج إرثه السياسي: تطبيع العلاقات بين قائدة العالم الإسلامي وإسرائيل. وتجلت رمزية هذه العلاقة الخاصة في مشهد الدخول المشترك لولي العهد والرئيس ترمب إلى قاعة "منتدى الاستثمار الأميركي-السعودي" بمركز كنيدي، الصرح ذي الرمزية الثقافية والاستراتيجية العالية. لم يكن ذلك الدخول مجرد لفتة عابرة، بل رسالة سياسية مكثفة تؤكد الإرادة العليا لمأسسة الشراكة.

 وفي قراءة لهذا المشهد، بدت الأجواء أقرب إلى مراسم اندماج تجاري ضخم بين كيانين عملاقين يخططان للاستحواذ على حصة الأسد في المستقبل العالمي.

تصنيف السعودية كحليف رئيس من خارج "حلف شمال الأطلسي"

كان أحد الإنجازات الاستراتيجية المباشرة للزيارة هو تصنيف المملكة العربية السعودية كدولة حليفة رئيسة من خارج حلف شمال الأطلسي (الناتو).

يمنح تصنيف "حليف رئيس من خارج حلف شمال الأطلسي (ناتو)" المملكة امتيازات عسكرية ولوجستية نوعية؛ إذ يفتح الباب أمام نفاذ تفضيلي للتكنولوجيا الدفاعية الأميركية المتقدمة، ويسرع مسارات حيازة منظومات التسليح الاستراتيجية (مثل مقاتلات  "F-35")، فضلا عن تعميق برامج التدريب المشترك، مما يكرس المملكة مرتكزا للردع في المنظومة الأمنية الإقليمية.

تتخطى اتفاقية الدفاع الاستراتيجي منطق صفقات التسلح التقليدية، لتؤسس إطار عمل مستداما يهدف إلى تحقيق الردع المشترك وتطوير القدرات الذاتية

أما على الصعيد الاستراتيجي، فإن هذا التصنيف لا يأتي من فراغ، بل يمثل إقرارا مؤسسيا بتموضع السعودية في مصاف أوثق حلفاء واشنطن، جنبا إلى جنب مع اليابان وكوريا الجنوبية. بيد أن هذا التصنيف، ورغم ثقله السياسي، يظل يفتقر إلى الضمانة الجوهرية المتمثلة في التزام الدفاع المشترك (على غرار المادة الخامسة في حلف "الناتو")، التي توجب تدخلا عسكريا أميركيا مباشرا لصد أي عدوان.

 وعليه، يُعتبر هذا التصنيف بمثابة سقف الصلاحيات التنفيذية المتاحة للرئيس، لكنه ليس بديلا عن المعاهدة الدفاعية الشاملة التي تبقى رهينة بمصادقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ.

المحور الثالث: الاتفاقيات التسع ومأسسة الشراكة

في جلسة المحادثات الثنائية الموسعة، والتي أُعلنت نتائجها لاحقا، تم جرد مجموعة من الاتفاقيات والمذكرات التي تتجاوز في محتواها صفقات السلاح التقليدية، لتشمل شراكة عميقة في تقنيات المستقبل. وقد وقع القادة على تسع اتفاقيات رئيسة تشكل خارطة طريق للتحول في العلاقة الثنائية، بدءا من الدفاع وانتهاء بالتقنية والمال:

1- اتفاقية الدفاع الاستراتيجي: تهدف إلى الارتقاء بمستوى العلاقات العسكرية القائمة إلى أعلى مستويات التعاون والتنسيق المشترك، لدعم الردع الاستراتيجي وتوطين الصناعات العسكرية السعودية.

2- الشراكة الاستراتيجية للذكاء الاصطناعي: تدشين تحالف تقني استراتيجي يركز على الاستثمار في البنية التحتية للحوسبة الفائقة ونقل المعرفة والملكية الفكرية، لجعل المملكة ركيزة أساسية في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي.

3- البيان المشترك لاستكمال مفاوضات التعاون في الطاقة النووية المدنية: يمثل إنجازا لإطار عمل يسمح بنقل التقنيات النووية الأميركية المتقدمة إلى المملكة، ضمن شروط، لدعم خططها في تنويع مزيج الطاقة وخفض الانبعاثات الكربونية.

4- الإطار الاستراتيجي للشراكة في تأمين سلاسل الإمداد لليورانيوم والمعادن الحرجة: يهدف إلى تأمين سلاسل الإمداد العالمية لليورانيوم والمعادن النادرة والمغانط الدائمة، مما يرسخ دور السعودية كشريك موثوق به في هذا القطاع الحيوي للمستقبل.

5- اتفاقية تسهيل إجراءات تسريع الاستثمارات السعودية: تعمل على تبسيط الإجراءات التنظيمية والبيروقراطية لتسهيل تدفق استثمارات الصندوق السيادي السعودي (PIF) التي تصل إلى تريليون دولار إلى القطاعات الأميركية الاستراتيجية.

6- ترتيبات الشراكة المالية والاقتصادية من أجل الازدهار الاقتصادي: يضع إطارا للتكامل الهيكلي بين الاقتصادين العملاقين، لضمان الازدهار المشترك وتعزيز الاستقرار المالي العالمي على المدى الطويل.

7- الترتيبات المتعلقة بالتعاون في قطاع هيئات الأسواق المالية: تعزز التعاون بين البلدين وتبادل الخبرات بين الهيئات التنظيمية للأسواق المالية في السعودية والولايات المتحدة، بما يخدم استقرار ونمو الاستثمارات المشتركة.

8- مذكرة تفاهم في مجال التعليم والتدريب: تركز على بناء القدرات البشرية ونقل المعرفة والتقنية، خاصة في المجالات المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعي والنووي، لخدمة متطلبات "رؤية 2030".

9- الرسائل المتعلقة بمعايير سلامة المركبات: تهدف إلى مواءمة الأنظمة السعودية مع المعايير الأميركية لسلامة المركبات، مما يسهل التجارة ويفتح الباب أمام شركات التصنيع الأميركية.

التركيز على اتفاقية الدفاع الاستراتيجي والطاقة النووية والمعادن الحرجة

تتخطى اتفاقية الدفاع الاستراتيجي منطق صفقات التسلح التقليدية، لتؤسس إطار عمل مستداما يهدف إلى تحقيق الردع المشترك وتطوير القدرات الذاتية، بما يخدم مستهدفات "رؤية 2030" في توطين 50 في المئة من الإنفاق العسكري. إنها بمثابة اعتراف أميركي بقدرة الرياض على التحول إلى منصة لوجستية وصناعية متقدمة للاستدامة الدفاعية في المنطقة.

صاغ جنسن هوانغ عبارته التي ستظل عالقة في الأذهان: المملكة تتحول من كونها مصفاة للنفط إلى مصفاة للذكاء الاصطناعي

وبالتوازي، يمثل استكمال مفاوضات التعاون النووي المدني (اتفاقية 123) إقرارا أميركياً غير مسبوق بالأهلية الاستراتيجية للمملكة لامتلاك هذه التكنولوجيا الحساسة. لا تنبع أهمية الاتفاق من تنويع مزيج الطاقة وخفض الانبعاثات فحسب، بل من كونه بوابة لنقل المعرفة وتوطين التقنية، مما يشكل رافعة للتحول نحو اقتصاد المعرفة. ويُعد إنجاز هذا الملف دليلا ساطعا على مستوى الثقة الجديد، إذ تجاوزت واشنطن تحفظاتها التقليدية وشروطها الصارمة (ما عُرف بـ"المعيار الذهبي" لحظر التخصيب) لصالح شراكة نووية مسؤولة.

وتكتمل هذه المنظومة بالشراكة الاستراتيجية في تأمين سلاسل إمداد اليورانيوم والمعادن الحرجة. ففي عالم تحكمه المنافسة الجيوسياسية، باتت المعادن النادرة هي "نفط المستقبل" للصناعات المتقدمة كالسيارات الكهربائية والذكاء الاصطناعي. ومع إعلان المملكة عن ثروات معدنية تُقدر بـ2.5 تريليون دولار، أصبحت الرياض تمسك بمفتاح استراتيجي لأمن سلاسل الإمداد الغربية. إن هذه الشراكة تنقل التحالف من مربع أمن الحدود الجغرافية إلى مربع أمن الصناعات الحيوية، لضمان تفوق تكنولوجي يقلل الاعتماد على الموردين المنافسين.

المحور الرابع: المنتدى الاقتصادي... و"مصفاة الذكاء الاصطناعي"

لم يكن "منتدى الاستثمار الأميركي-السعودي" مجرد فعالية بروتوكولية على هامش الزيارة، بل شكّل الرافعة التنفيذية للشراكة الجديدة، متجاوزا دوره كمنصة تقليدية لإبرام العقود، ليكون تدشينا فعليا لعقد من الشراكة وقرن من الفرص. وقد تجلى هذا الزخم بوضوح في لغة الأرقام، حيث كسرت قيمة الاتفاقيات المُنجزة خلال يوم واحد حاجز الـ270 مليار دولار، مغطية قطاعات حيوية شملت الصناعات الدفاعية، والرعاية الصحية، والتصنيع المتقدم، والطاقة المتجددة.

أ.ب
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الأميركي دونالد ترمب في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض، 18 نوفمبر 2025، في واشنطن.

غير أن البُعد الأعمق لهذا الحراك تجاوز حدود الاتفاقيات الفورية، ليتمثل في التعهد السعودي برفع سقف الاستثمارات في الولايات المتحدة إلى تريليون دولار خلال السنوات المقبلة. إن هذه التدفقات الرأسمالية الضخمة، التي يقودها صندوق الاستثمارات العامة، تعيد تعريف الهوية الاقتصادية للمملكة؛ فتنقلها من خانة مُصدر النفط التقليدي إلى خانة الشريك الصناعي والابتكاري الذي يضخ استثمارات نوعية في شرايين الاقتصاد الأميركي.

وفي توصيف لافت، وصف الرئيس ترمب هذه التحركات بـ"الرأسمالية المسلحة" وهو مصطلح يحمل دلالات استراتيجية عميقة وسط التنافس العالمي المحتدم. إذ يُحيل هذه التدفقات الاستثمارية في القطاعات الحساسة إلى ذخيرة حية تدعم أجندة "أميركا أولاً"، وتعزز الهيمنة الاقتصادية لواشنطن في مواجهة خصومها الدوليين.

أما من منظور الرياض، فإن ضخ تريليون دولار في شرايين الشركات الأميركية يؤسس لشبكة نفوذ عضوي داخل النسيج الأميركي، تمتد لتشمل ولايات رئيسة ودوائر انتخابية تستفيد مباشرة من هذه الوظائف والاستثمارات. ويشكل هذا التشابك درعا اقتصاديا للتحالف، يجعل من أي محاولة لتقويض العلاقات خيارا باهظ الكلفة سياسيا في الداخل الأميركي. فالمسألة هنا تتجاوز الأرقام المجردة، لتصل إلى توطين المصالح السعودية في العمق الحيوي للقرار الأميركي.

قمة ماسك–هوانغ والتحول إلى الذكاء الاصطناعي

بلغ المنتدى ذروة زخمه الاستراتيجي في الجلسة التي أدارها وزير الاتصالات السعودي، المهندس عبد الله السواحه، وجمعت بين قطبي وادي السليكون، إيلون ماسك الرئيس  التنفيذي لـ"تيسلا"، وجنسن هوانغ الرئيس التنفيذي لـ"إنفيديا". وقد تُوجت هذه القمة التقنية بالكشف عن تحالف ثلاثي استراتيجي يجمع "xAI" و"إنفيديا" وشركة "هيوماين" السعودية، لإنشاء مركز بيانات عملاق بقدرة 500 ميغاواط في المملكة، ليكون بذلك أكبر استثمارات "xAI" خارج الولايات المتحدة، وبنية تحتية سيادية لتدريب النماذج اللغوية الضخمة، بما فيها Grok.  كما تعزز هذا المسار بخطط لمركز آخر بقدرة 1 غيغاواط بشراكة مع "AMD" و"سيسكو".

"من براميل النفط إلى خوارزميات البيانات"، وفي توصيف دقيق لهذا التحول، صاغ جنسن هوانغ عبارته التي ستظل عالقة في الأذهان: المملكة تتحول من كونها مصفاة للنفط إلى مصفاة للذكاء الاصطناعي. وهي عبارة تختزل ببراعة استراتيجية الرياض في إعادة توظيف ميزتها النسبية الحاسمة، وفرة الطاقة منخفضة التكلفة والمساحات الشاسعة، لخدمة اقتصاد المستقبل، حيث توفر المملكة "الوقود الكهربائي" اللازم لتشغيل مراكز البيانات الشرهة للطاقة، مانحة شركاءها الأميركيين أفضلية تنافسية في كفاءة التشغيل والاستدامة.

بوصفها وثيقة تاريخية تحليلية، فإن هذه الزيارة لا تُقرأ عبر الأرقام والاتفاقيات فحسب، بل تُقرأ عبر المشاهدات المباشرة التي تعكس طبيعة القوة المتحولة

القطب الثالث والسيادة الرقمية: ومن خلال هذه البنية التحتية، ترسم الرياض معالم طموحها لتكون "القطب الثالث" في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي إلى جانب واشنطن وبكين. وهو رهان يتجاوز العتاد التقني ليلامس "السيادة الرقمية والثقافية"، عبر تطوير نماذج لغوية عربية تخدم 400 مليون نسمة، مما يعزز الثقل الجيوتكنولوجي للمملكة في عالم مترابط، ويحررها من التبعية المطلقة للتقنيات المستوردة.

المحور الخامس: الملف السوداني... من الوساطة إلى الثقل

لم تحجب الاتفاقيات الاستراتيجية ذات الطابع المستقبلي، الدفاعي والتقني، الأهمية القصوى للبعد الإنساني والأمني الإقليمي، حيث فرضت المأساة السودانية- التي تُصنف اليوم كأكبر أزمة إنسانية في العالم- نفسها بندا عاجلا على طاولة القمة. وفي تجسيد لفاعلية دبلوماسية القادة، بادر ولي العهد بطلب شخصي مباشر من الرئيس ترمب لرمي ثقله خلف إنهاء الحرب، مخاطبا إياه بلغة استنهضت طموحه السياسي: "سيكون هذا أعظم إنجاز لك... أعظم مما حققته بالفعل". ولم يكتفِ الأمير محمد بن سلمان بالطلب، بل قدم للرئيس قراءة معمقة للسياق التاريخي والاجتماعي للمنطقة، مما أحدث تحولا فوريا في قناعات سيد البيت الأبيض.

وقد جاءت الاستجابة الأميركية لافتة في سرعتها، فبعد نحو 30 دقيقة فقط من اللقاء، أعلن ترمب انخراط إدارته في جهد جديد بالتعاون مع الشركاء الإقليميين الفاعلين (السعودية، مصر، الإمارات)، معترفا بأن رؤيته للملف اختلفت جذريا عما كانت عليه سابقا. لقد أدركت الرياض أن محادثات جدة السابقة، رغم أهميتها، تحتاج إلى زخم سياسي أميركي ثقيل لنقلها من مربع الوساطة الفنية إلى مربع الحل المستدام. إن سرعة التجاوب هذه تكشف عن جوهر التحول في الشراكة، فالمملكة لم تعد تكتفي بدور المتلقي للأمن، بل كرست نفسها شريكا صانعا للاستقرار، يمتلك القدرة والمصداقية لتوجيه البوصلة الأميركية نحو معالجة بؤر التوتر في العمقين العربي والأفريقي.

لا يمكن قراءة هذا الاختراق النوعي في الملف السوداني بمعزل عن سياقه الأوسع، فهو يمثل حلقة جديدة ومتقدمة في سلسلة تثبيت المرجعية الجيوسياسية للرياض في الشرق الأوسط. فما حدث في واشنطن، يستدعي إلى الأذهان الإنجاز المماثل الذي تحقق في مايو/أيار الماضي، حين نجح ولي العهد- خلال زيارة الرئيس ترمب للرياض- في إحداث انعطافة حادة في السياسة الأميركية تجاه سوريا. فبعد سنوات من تمترس واشنطن خلف سياسة "الضغط الأقصى" والعقوبات الصارمة، استطاع الأمير محمد بن سلمان إقناع الرئيس ترمب بضرورة طي صفحة العقوبات، مستبدلا نهج العزل السياسي والاقتصادي لدمشق بنهج الانخراط البناء. لقد أثبتت تلك اللحظة أن الرياض لا تكتفي بإدارة الملفات، بل تمتلك القدرة على تفكيك المواقف الأميركية المتصلبة، وإعادة صياغتها وفق رؤية إقليمية تدرك أن الحلول لا تأتي عبر الحصار، بل عبر التفاهمات الواقعية.

رويترز
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدثان في البيت الأبيض في واشنطن العاصمة، الولايات المتحدة، 18 نوفمبر 2025.

وتُظهر هذه الشواهد المتتالية، من دمشق إلى الخرطوم، أن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بات يمارس دور الوسيط الموثوق والمترجم الاستراتيجي القادر على فك شيفرة تعقيدات الشرق الأوسط لصانع القرار الأميركي، وإعادة توجيه البوصلة الأميركية من سياسة العقوبات العشوائية وردود الأفعال، إلى سياسة الحلول المستدامة. وبهذا التموضع، تكرس الرياض نفسها بوابة حصرية لأي تسويات في المنطقة، حيث باتت المعادلة واضحة: الحل لأزمة الخرطوم- تماما كما كان الحال في أزمة دمشق- يبدأ من الرياض. وعليه، فإن الطريق إلى إقناع البيت الأبيض أضحى يمر عبر قصر اليمامة، مما يجعل من القيادة السعودية الشريك الحصري الذي لا غنى عنه في هندسة استقرار الإقليم.

مشاهدات وتطلعات

بوصفها وثيقة تاريخية تحليلية، فإن هذه الزيارة لا تُقرأ عبر الأرقام والاتفاقيات فحسب، بل تُقرأ عبر المشاهدات المباشرة التي تعكس طبيعة القوة المتحولة، وهنا يمكنني تدوين ثلاث ملاحظات مفصلية استوقفتني في قراءة المشهد.

لعل أكثر ما لفت انتباهي في كواليس هذه الزيارة، هو الكيفية التي استخدمت بها الرياض رأسمالها السيادي لتجاوز جدار التقلبات السياسية في واشنطن. فمن خلال مراقبة المشهد، يتضح أن التريليون دولار لم يُطرح بمنطق المنحة أو الهدية، بل كان حافزا قويا يهدف إلى خلق حائط صد داخل الكونغرس، ويجعل أمن السعودية مصونا بشبكة مصالح الناخبين الأميركيين قبل السياسيين. هذا هو- في تقديري- جوهر مفهوم "القوة الناعمة" السعودية الجديدة، فهي لم تعد تعتمد على الدبلوماسية التقليدية فحسب، بل على توظيف سطوة رأس المال ورؤية الدولة الحديثة كأدوات تفاوضية تفرض احترامها.

تدخل العلاقة بين الرياض وواشنطن مرحلتها الأهم والأكثر تعقيدا. غير أن الحقيقة الثابتة هي أن النتيجة، أيا كانت، لن تغير مسار المملكة نحو مستقبلها، بل ستحدد هوية الشريك الأكثر موثوقية في هذا المسار

ومن خلال رصد لغة الجسد والخطاب في الشراكة بين "تيسلا" و"إنفيديا" والجانب السعودي، يتأكد للمراقب أن التحالف غادر مربع "النفط مقابل الأمن" الدفاعي، ليدخل مربعاً تكنولوجياً/وجودياً. الرياض تراهن على أن البنية التحتية للذكاء الاصطناعي هي خط الدفاع الاستراتيجي للقرن الحادي والعشرين. ولهذا، استغلت ببراعة ميزتها كمصدر للطاقة التقليدية (النفط) لتصبح مصفاة الـذكاء الاصطناعي قاطعة الطريق على التفوق الآسيوي في هذا السباق الحاسم. لقد تحولت الشراكة أمام أعيننا إلى ما يشبه "ميثاقاً تكنولوجياً" جديدا يربط مصير الاقتصادين عضوياً.

أما المشهد الأخير، فلا تزال فصوله تُكتب في أروقة مجلس الشيوخ. فرغم الاحتفاء الظاهر، فإن قراءتي للمسار تشير إلى أن الزيارة حققت أضخم صفقة ممكنة لكنها لم تحسم المعاهدة بعد. لقد نجحت الرياض في تحويل مطالبها من مجرد وعود رئاسية إلى عمليات تشريعية ملزمة لترمب ولمن يخلفه في المستقبل. وعليه، فإنه يتحتم على الرئيس الأميركي مواجهة المعضلة الأصعب، إقناع 67 سيناتورا بتمرير ضمانة تاريخية. وهنا تكمن لعبة المقايضة الكبرى التي أراقبها بحذر. المعاهدة مقابل العلاقات مع إسرائيل. وهو الثمن الذي تدرك الرياض أنها لن تدفعه دون ضمانات فلسطينية واضحة، تكون بمثابة جواز العبور الضروري لإقناع ديمقراطيي الوسط في الكونغرس.

لقد أثبتت الزيارة أنها نقطة تحول حاسمة، ولحظة إعادة تأسيس للشراكة السعودية-الأميركية التي تدخل عقدهـا التاسع. لقد خرجت الزيارة بأهداف واضحة ونتائج عميقة على ثلاثة مستويات تعكس تحول مسار العلاقة إلى المأسسة وليس التعهدات الرئاسية ومواثيق الشرف.

1- المستوى الاستراتيجي: ترسيخ مكانة المملكة كحليف رئيس من خارج "الناتو" وتوقيع اتفاقية دفاع استراتيجي تعزز الاستقرار والردع، وتضمن تأمين سلاسل إمداد الطاقة والمواد الحرجة لأمن الغرب.

2- المستوى الاقتصادي والتكنولوجي: تدشين عقد التريليون دولار، وإطلاق تحالف الذكاء الاصطناعي مع أقطاب وادي السليكون، مما يضمن تحول المملكة إلى مصفاة للذكاء الاصطناعي ومركز ثقل جيوتكنولوجي عالمي بفضل ميزتها الطاقوية.

3- المستوى الإقليمي: تفعيل دور الرياض كصانع للاستقرار، عبر المبادرة الشخصية التي أطلقت جهداً أميركياً جديداً لإنهاء حرب السودان بالتعاون مع الشركاء، مما يكرس مسؤولية المملكة ومرجعيتها تجاه محيطها.

إن ما تحقق هو نجاح هائل يوفر لـ"رؤية 2030" دعما استراتيجيا غير مسبوق، وينقل ثقل العلاقة من التعاون إلى الشراكة. لكن الجائزة الكبرى، المتمثلة في المعاهدة الدفاعية الملزمة عبر الكونغرس، لا تزال معلقة على مدى استعداد واشنطن لتقديم ضمانة تاريخية دائمة.

تدخل العلاقة بين الرياض وواشنطن مرحلتها الأهم والأكثر تعقيدا. غير أن الحقيقة الثابتة هي أن النتيجة، أيا كانت، لن تغير مسار المملكة نحو مستقبلها، بل ستحدد هوية الشريك الأكثر موثوقية في هذا المسار. إنها معركة المأسسة التي ستحدد شكل الشرق الأوسط لجيل قادم، وتضمن أن يكون التحالف الذي بدأ على "كوينسي" في 1945 قادرا على الصمود لعقود.

font change