على مدى العقود الأربعة الماضية أو نحو ذلك، منذ قيام الجمهورية الإسلامية، واجه النظام الإيراني تحديات متكررة من شعبه الساخط. ولا يزال الحراك الذي عُرف بـ"الثورة الخضراء" عام 2009 والذي اعتبره كثير من المراقبين تمهيدا لـ"الربيع العربي" الذي أعقبه بعد عامين، يُعد أكثر المحاولات جدية لدفع النظام نحو إصلاح شامل.
بدأ هذا الحراك بسلسلة من الاحتجاجات الجماهيرية على نتائج الانتخابات الرئاسية المثيرة للجدل عام 2009، والتي أسفرت عن إعادة انتخاب الرئيس المتشدد محمود أحمدي نجاد، لكنه سرعان ما تحوّل إلى دعوة وطنية للإصلاح الديمقراطي والانفتاح الاجتماعي. ولم تستعد السلطات السيطرة إلا بعدما شنّ المتشددون في النظام حملة قمع عنيفة ضد المتظاهرين.
غير أنّ القمع لم ينهِ الاعتراض كليا، فقد شهدت البلاد في السنوات اللاحقة موجات احتجاج جديدة ضد سياسات النظام التي تقيد حرية المرأة، واندلعت مظاهرات وطنية واسعة عقب وفاة شابة كردية إيرانية أثناء احتجازها لدى الشرطة عام 2022.
ومع أنّ النظام الإيراني أثبت منذ ثورة 1979 قدرة واسعة على سحق كل بادرة معارضة سياسية، فإن موجة الاحتجاجات الراهنة تبدو أشد وقعا على سلطته، لأنها تتمحور حول قضية واحدة يعجز الحكم عن معالجتها، وهي الانهيار الحاد للاقتصاد الإيراني.
لطالما شكّل الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار الاقتصادي تحديا كبيرا للنظام الحاكم، إذ أدّت عقود من العقوبات الاقتصادية والعزلة الدولية إلى إلحاق أضرار جسيمة بالمستوى المعيشي للإيرانيين.
ولم يفاقم معاناة الشعب الإيراني شيء بقدر المبالغ الطائلة التي خصصها متشددو النظام لتوسيع الحضور العسكري في أنحاء الشرق الأوسط، من خلال الإنفاق الكثيف على الميليشيات والحلفاء في العراق وسوريا ولبنان وغزة واليمن، على سبيل المثال لا الحصر.
مع امتداد رقعة الاحتجاجات إلى مدن إيرانية كبرى أخرى، مثل أصفهان، دعا بعض المتظاهرين إلى تغيير النظام، بينما ركّز آخرون انتقاداتهم على الأموال التي يهدرها النظام في صراعاته الخارجية
وقد قاد هذا المزيج القاتل من العقوبات القاسية وسوء الإدارة الاقتصادية من جانب آيات الله إلى مواجهة مع واحدة من أكبر موجات الاحتجاج الوطنية في تاريخ النظام، إذ خرج مواطنون إيرانيون إلى الشوارع للتعبير عن غضبهم إزاء التدهور الحاد في الوضع الاقتصادي لبلادهم.
ويرجع هذا الاضطراب، الذي بدأ باحتجاجات وإضرابات في بازار طهران الكبير أواخر عام 2025، إلى الانهيار الحاد في قيمة الريال الإيراني. فقد فقدت العملة جزءا كبيرا من قيمتها خلال السنوات الماضية، ثم هبطت بنسبة إضافية بلغت 40 في المئة منذ اندلاع الحرب بين إيران وإسرائيل في يونيو/حزيران.
ونتيجة لذلك، أصبح الحصول على دولار أميركي واحد يحتاج إلى 1.42 مليون ريال، بعدما كان يساوي 820 ألف ريال في العام الماضي. ويشير هذا الانهيار الأخير إلى أنّ قيمة العملة غدت شبه معدومة. ومع بلوغ التضخم 50 في المئة، يواجه كثير من التجار ورجال الأعمال والعائلات الإيرانية خطر الانزلاق إلى الإفلاس.
ويزداد التدهور الاقتصادي سوءا بفعل تفشي البطالة بين الشباب على نطاق واسع، ما دفع الطلاب إلى توحيد صفوفهم مع تجار الطبقة الوسطى للمطالبة بإصلاح شامل للسياسات الاقتصادية للدولة.
ويتزايد الضغط على النظام كذلك بسبب موجة الجفاف التي ضربت البلاد خلال الأشهر الأخيرة، والتي يرى كثير من الإيرانيين أن تفاقمها يعود إلى سنوات من نقص التمويل في مشاريع البنية التحتية الحيوية.
ومع امتداد رقعة الاحتجاجات إلى مدن إيرانية كبرى أخرى، مثل أصفهان، دعا بعض المتظاهرين إلى تغيير النظام، بينما ركّز آخرون انتقاداتهم على الأموال التي يهدرها النظام في صراعاته الخارجية، مردّدين هتافا انتشر على نطاق واسع يقول: "لا لغزة، لا للبنان، روحي فداء لإيران".
وجاء اندلاع موجة الاحتجاجات الأخيرة في إيران في توقيت بالغ الصعوبة للنظام الحاكم، الذي تلقى ضربة قاسية جراء حربه مع إسرائيل، والتي استمرت 12 يوما في صيف العام الماضي، وأسفرت عن مقتل عدد من كبار قادته.
وتتجلى هشاشة النظام كذلك في اضطراره خلال الأشهر الأخيرة إلى انتهاج سياسات أكثر تحررا، أتاح عبرها للمواطنين الإيرانيين مساحة أوسع للتعبير عن مخاوفهم، وخفف القيود القمعية المفروضة على النساء.
وفي محاولة لمعالجة الأزمة، أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان عزمه لقاء ممثلين عن المحتجين. وقال بزشكيان، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الرسمية "إرنا": "طلبت من وزير الداخلية الاستماع إلى المطالب المشروعة للمحتجين عبر الحوار مع ممثليهم، كي تبذل الحكومة كل ما في وسعها لحل المشكلات والتصرف بمسؤولية".
كما تناول بزشكيان الأزمة في خطاب أمام مجلس الشورى الإيراني خلال عرضه مشروع موازنة عام 2026، حيث كشف عن تراجع حاد في عائدات النفط وزيادة في الضرائب نتيجة أحدث العقوبات التي فرضتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وفي خطوة اعتبرها كثيرون بمثابة تنازل للمتظاهرين، قبل بزشكيان استقالة محافظ البنك المركزي وعيّن عبد الناصر همتي، وزير الاقتصاد السابق، خلفا له.
غير أن قدرة بزشكيان على تلبية مطالب المحتجين تظل محدودة، لأن السلطة الفعلية تتركز في يد المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، البالغ 86 عاما، والذي يحتفظ، رغم تدهور حالته الصحية، بالكلمة الفصل في شؤون الدولة.
ويواجه الرئيس الإيراني أيضا تحديا آخر يتمثل في احتمال إقدام إسرائيل والولايات المتحدة على تنفيذ عمل عسكري جديد، في ظل تحذير كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترمب لإيران بأنها ستواجه عواقب إذا واصلت تطوير برنامجها النووي وبرنامج الصواريخ الباليستية المثيرين للجدل.
وعقب محادثاتهما في منتجع مارالاغو بولاية فلوريدا، حثّ نتنياهو ترمب على توجيه ضربة جديدة لإيران والسعي لإسقاط النظام.
كما أشار ترمب إلى أن قلقه الأساسي يتمثل في احتمال سعي إيران إلى إعادة بناء مخزونها من الصواريخ الباليستية وإحياء برنامجها النووي. وقال: "أسمع أن إيران تحاول إعادة بناء قدراتها النووية. وإذا كانت تفعل ذلك، فسنضطر إلى إسقاطها. سنسقطها. سنسحقها بقوة. لكن نأمل ألّا يكون الأمر كذلك".
وعلى مدى العقود الماضية، أتاح العنف الشديد الذي وسم رد النظام على الاحتجاجات المناهضة، أتاح له الحفاظ على بقائه. لكن هذه المرة قد يدفع حجم الأزمة الاقتصادية التي يواجهها إلى انتهاج مسار مختلف تماما إذا أراد الاحتفاظ بدعم الشعب الإيراني.