حين نلوّح لعام 2025 وهو يرحل بتثاقل يعكس كل ما فيه من أحمال، لا يبدو المشهد وكأنه مجرد سنة تنقضي، بل كأن زمنا كاملا يُغلق ببطء، ربع قرن مر منذ دخلنا الألفية الجديدة، ولم يكن هذا الربع قرن مسارا تصاعديا ولا هبوطا صافيا، بل سلسلة من المنعطفات الحادة، كأن التاريخ اختار الشرق الأوسط ليختبر فيه صلابة الأفكار وحدود القوة وقدرة الدول على الاحتمال.
وأنا حين أكتب الآن من أوروبا كمهاجر أردني اختار مهجره طوعا، لا أفعل ذلك من موقع انفصال، بل من مسافة تتيح رؤية أوسع، فهنا تُقرأ المنطقة كلها باعتبارها عقدة أزمات مترابطة، حروبا، طاقة، هجرة، ممرات، وصراعا مفتوحا لا يهدأ، وهناك في الداخل تُعاش هذه الملفات لا كعناوين، بل كوقائع يومية، كقرارات دولة، وكقلق مجتمع، وكحياة تتشكل تحت الضغط.
دخل الشرق الأوسط القرن الحادي والعشرين محملا بإرث ثقيل من القرن السابق، لكنه حمل أيضا وهما جماعيا بأن العالم الجديد سيكون أقل قسوة. نهاية الحرب الباردة أوحت بأن الصراعات الكبرى انتهت، وأن الاقتصاد سيتقدم على السياسة، وأن التفوق العسكري قادر على فرض الاستقرار، غير أن السنوات الأولى بددت هذا الاعتقاد بسرعة، فهجمات سبتمبر/أيلول 2001 لم تكن مجرد صدمة أمنية، بل لحظة أعادت تعريف معنى القوة والهشاشة، وبعدها بعامين، سقطت بغداد، ولم يسقط معها النظام المستبد فقط، بل تزعزعت فكرة الدولة المركزية القادرة على الضبط والسيطرة.
منذ تلك اللحظة، دخلت المنطقة مرحلة استنزاف طويلة، ولم تكن الحروب اللاحقة نزاعات محلية معزولة، بل كانت تعبيرا عن فراغ سياسي عميق، فالعراق تحول إلى ساحة صراع مفتوحة، وسوريا إلى مسرح تدخلات بلا سقف، واليمن إلى حرب بلا أفق واضح، وليبيا التي انتهت إلى دولة معلقة بين الفوضى والوصاية، وفي هذا السياق لم يعد السؤال كيف نغيّر؟ بل كيف نبقى؟
اقتصاديا، كان الربع الأول من القرن زمن تقلبات حادة، دول الخليج عاشت موجات صعود مع ارتفاع أسعار النفط، ثم موجات هبوط مع الانخفاضات الحادة بعد 2014
في تلك النقطة الحرجة من التساؤلات التي فرضت نفسها كحالة وجودية، صعد الأمن على حساب السياسة، لا بوصفه خيارا أيديولوجياً، بل كضرورة فرضتها الوقائع. دول تآكلت مؤسساتها فاضطرت لتغليب القبضة الأمنية، وأخرى صمدت جزئيا فأعادت تعريف وظيفة الدولة بوصفها مظلة حماية قبل أن تكون أداة إصلاح، لم يكن ذلك فشلا بقدر ما كان تحولا قسريا في وظيفة الدولة في زمن مضطرب.
اقتصاديا، كان الربع الأول من القرن زمن تقلبات حادة، دول الخليج عاشت موجات صعود مع ارتفاع أسعار النفط، ثم موجات هبوط مع الانخفاضات الحادة بعد 2014، ثم صدمة جديدة مع جائحة كورونا، هذه الدورات دفعت باتجاه إعادة التفكير في دور الدولة والاقتصاد، السعودية، على وجه الخصوص، دخلت العقد الأخير بوعي مختلف، لم تعد المسألة إدارة فوائض، بل بناء اقتصاد متنوع قادر على استيعاب مجتمع شاب. مشاريع التحول الاقتصادي، الاستثمار في البنية التحتية، السياحة، والطاقة الجديدة، جاءت كاستجابة استراتيجية لتحولات عالمية لا يمكن تجاهلها.
من جهته عاش الأردن تجربة أكثر تعقيدا: اقتصاد محدود الموارد، محاط بأزمات إقليمية متلاحقة، ومثقل بأعباء لجوء غير مسبوقة، ملايين اللاجئين مروا أو استقروا، ما رفع كلفة الخدمات، ووسع فجوة الدين العام، وفرض ضغوطا اجتماعية وسياسية مستمرة، ومع ذلك حافظ الأردن على توازن دقيق، لم يكن نتيجة وفرة، بل نتيجة إدارة حذرة للمخاطر، وكل ذلك في إقليم انهارت فيه دول أو انزلقت إلى حروب أهلية، وقد صار الاستقرار قيمة بحد ذاته، لا يُحتفى بها كثيرا، لكنها تُختبر كل يوم.
الممرات البحرية شكلت إحدى مفاجآت هذا القرن، مضيق هرمز، باب المندب، قناة السويس، أسماء كانت تمر كتفاصيل تقنية، تحولت إلى عناوين رئيسة
وفي الأردن، يصعب فصل مسار الدولة عن ملامح من قادها في هذا الزمن المضطرب، فحين تولى الملك عبدالله الثاني العرش مع بدايات الألفية، كان العالم يدخل قرنا مرتبكا، والمنطقة على أبواب زلازل كبرى، ومع مرور السنوات، بدا الزمن واضحا على ملامحه، لا كعلامة إرهاق فقط، بل كتجربة تراكمت قسوتها وحكمتها معا. وجه الملك تغيّر مع الأحداث، وخطابه صار أقل حماسة وأكثر واقعية، كأن السنوات لم تترك أثرها على الشخص فحسب، بل على طبيعة القيادة نفسها، قيادة تعلمت أن هذا الإقليم لا يُدار بالاندفاع، بل بالصبر، ولا تُحمى فيه الدولة بالشعارات، بل بإدارة يومية دقيقة لتوازنات لا ترحم.
الطاقة كانت القلب الصامت لهذه التحولات، النفط لم يفقد مكانته، لكنه لم يعد وحده المحدد، الغاز عاد ليعيد رسم خرائط النفوذ، من شرق المتوسط إلى الخليج، التحول التدريجي نحو الطاقة المتجددة لم يعد خيارا بيئيا فقط، بل ضرورة أمنية. أوروبا أدركت ذلك بوضوح بعد الحرب في أوكرانيا، حين تحولت مسألة الإمدادات إلى قضية سيادة، فعاد الشرق الأوسط إلى قلب الحسابات، لا كمنطقة نزاع، بل كعقدة لا يمكن تجاوزها.
الممرات البحرية شكلت إحدى مفاجآت هذا القرن، مضيق هرمز، باب المندب، قناة السويس، أسماء كانت تمر كتفاصيل تقنية، تحولت إلى عناوين رئيسة، تعطيل محدود في السويس كشف هشاشة التجارة العالمية، وتصعيد "محسوب" في البحر الأحمر أعاد رسم مسارات الشحن الدولية في عالم مترابط لم يعد ممكنا عزل أزمة إقليمية عن آثارها العالمية.
وسط هذه التحولات، بقي الصراع العربي-الإسرائيلي حاضرا، لكنه تغير في موقعه، لم يعد المفتاح الوحيد لفهم المنطقة، لكنه لم يختف، الانتفاضة الثانية، حروب غزة المتكررة، الجمود السياسي، ثم موجة التطبيع، كلها محطات أعادت ترتيب الأولويات، القضية لم تُحل، لكنها لم تعد تُدار بالطريقة نفسها، في أوروبا، يُنظر إليها اليوم كملف عدم استقرار مزمن، لا كالعامل الوحيد المحدد لمسار الشرق الأوسط.
التحول الأعمق، والأقل تناولا، كان في الإنسان العربي نفسه، فهناك جيل كامل نشأ في ظل الأزمات، جيل لم يعرف الاستقرار كحالة طبيعية، بل كاستثناء مؤقت، وهذا الجيل صار أقل حماسة للشعارات الكبرى، وأكثر انشغالا بالحد الأدنى من الأمان، كما أن السياسة انسحبت من الحياة اليومية، أو أُخرجت منها، وحل محلها قلق صامت، وتكيف فردي، وسعي للهجرة، أو للبقاء بأقل الخسائر.
الربع الأول من القرن الحادي والعشرين لم يكن زمن انتصارات كبرى، بل زمن سقوط أوهام كبرى، أوهام القوة المطلقة، وأوهام التغيير السريع
من أوروبا، تبدو هذه التحولات أكثر وضوحا، فالهجرة لم تعد فقط نتيجة الفقر أو الحرب، بل نتيجة فقدان اليقين، ملايين خرجوا من المنطقة خلال ربع قرن، بعضهم هرب من النار، وبعضهم من انسداد الأفق. وفي المدن الأوروبية، يُرى الشرق الأوسط وقد تحول من جغرافيا سياسية إلى تجربة إنسانية متنقلة، تحمل ذاكرتها أينما ذهبت.
في كل هذا المشهد، برزت دول اختارت طريق الإدارة لا المجازفة، وهي دول أدركت أن هذا القرن لا يكافئ الاندفاع، بل القراءة الهادئة للتوازنات، والأردن كان واحدا من هذه الحالات، لا لأنه بلا أزمات، بل لأنه تعامل مع أزماته بوعي حدود القوة وحدود الممكن وقسوة التجربة.
الربع الأول من القرن الحادي والعشرين لم يكن زمن انتصارات كبرى، بل زمن سقوط أوهام كبرى، أوهام القوة المطلقة، وأوهام التغيير السريع، وأوهام أن التاريخ يسير بخط مستقيم، لكنه كان أيضا زمنا تعلمت فيه الدول والمجتمعات أن البقاء ليس فعلا عشوائيا، بل مهارة تُكتسب.
نحن اليوم على أعتاب ربع قرن جديد، لا يحمل وعودا جاهزة، ولا كوابيس مكتملة، عالم يدير أزماته بدل حلها، ومنطقة تبحث عن توازن بين الصمود والتغيير، وربما يكون في هذا التردد نفسه مساحة أمل، أمل حذر، لا يقوم على الوهم، بل على إدراك أن التاريخ، مهما قسا، لا يغلق أبوابه تماما، وأن القدرة على التكيّف، حين تقترن بالعقل والصبر، قد تكون الشكل الأكثر واقعية للتفاؤل في زمن بلا يقين.