بأي معنى يمكن أن نتحدث اليوم عن "الالتزام"؟

بين جان بول سارتر وسهيل إدريس

AFP
AFP
جان بول سارتر (إلى اليسار) وسهيل إدريس

بأي معنى يمكن أن نتحدث اليوم عن "الالتزام"؟

يمكن القول إن مجلة "الآداب" البيروتية هي أول من روج لمفهوم الالتزام في العالم العربي. فقد أعلنت في عددها الأول (يناير/كانون الثاني 1953) "أدب الالتزام" بتأثير من كتابات جان بول سارتر، ومقاله الشهير "ما الأدب؟".

كان ظهور مفهوم الالتزام في خمسينات القرن الماضي لحظة انفجار الفكر والأدب في مواجهة العالم، لحظة أرادت فيها الكلمة أن تكون "فعلا" لا مجرد "تأمل"، أن تكون "موقفا" وليس "أسلوبا" فحسب. رأى سارتر أن الكاتب لا يمكنه أن يكون محايدا، لأن "الصمت موقف"، ولأن عدم التدخل هو تدخل لصالح الوضع "القائم". فدعا إلى أن يكون الكاتب "شاهدا على عصره"، محاورا لمجتمعه، مسؤولا أخلاقيا.

في مقدمة العدد الأول من مجلة "الآداب"، أعلن الدكتور سهيل إدريس الأهداف المتوخاة من صدور المجلة، فأثار قضايا أساسية بادئا ببسط مفهوم المجلة عن الأدب، وهو في رأيها: "نشاط فكري يستهدف غاية عظيمة: هي غاية الأدب الفعال الذي يتصادى ويتعاطى مع المجتمع، إذ يؤثر فيه بقدر ما يتأثر به"، منبها إلى أنه "لكي يكون الأدب صادقا، ينبغي له ألا يكون بمعزل عن المجتمع الذي يعيش فيه"، فتحدث عن "فئة أهل القلم" "فيما هم يعكسون حاجات المجتمع العربي ويعبرون عن شواغله، يشقون الطريق أمام المصلحين لمعالجة الأوضاع"، إذ في "هذا المنعطف الخطير من منعطفات التاريخ العربي الحديث، ينمو شعور أوساط الشباب العربي المثقف بالحاجة إلى مجلة أدبية تحمل رسالة واعية حقا". يستخلص الدكتور سهيل: "لذا فإن الأدب الذي تدعو إليه المجلة وتشجعه هو أدب الالتزام الذي ينبع من المجتمع العربي ويصب فيه".

كانت هيئة تحرير المجلة إذن ترى أن هذا المفهوم عن الأدب يستجيب لـ"الوضع الحالي للبلاد العربية (الذي) يفرض على كل وطني أن يجند جهوده للعمل، في ميدانه الخاص، من أجل تحرير البلاد ورفع مستواها السياسي والاجتماعي والفكري. فكانت المجلة ترمي إلى "أن تكون ميدانا لفئة "أهل القلم" الواعين الذين يعيشون تجربة عصرهم، ويعدون شاهدا على هذا العصر".

الأزمنة الحديثة

لم يكن ذكر كلمة "التزام" هنا أمرا عرضيا، فربما لم تكتب المقدمة أساسا إلا للتعرض لهذا المفهوم. ما يهمنا في الأمر أن الدكتور سهيل كان يحرر الافتتاحية وذهنه عالق بمجلة رآها "في الحي اللاتيني" في باريس، واطلع على أعدادها، ولا شك أنه قرأ افتتاحية عددها الأول. وبالفعل، فكثير من الأفكار التي وردت في افتتاحيته يمكن أن نعثر على مثيلاتها في افتتاحية مجلة أخرى كانت ظهرت في ما سبق في باريس، قبل أقل من عقد من السنين، هي مجلة "الأزمنة الحديثة"، وفيها، كما نعلم، يدعو سارتر إلى أدب "الالتزام".

ليس الأدب الذي تنشده المجلة وتتوخى ذيوعه إذن هو "الأدب للأدب"، قياسا على نظرية "الفن للفن"، وإنما هو أدب يرتبط أوثق ارتباط بالمجتمع

ليس الأدب الذي تنشده المجلة وتتوخى ذيوعه إذن هو "الأدب للأدب"، قياسا على نظرية "الفن للفن"، وإنما هو أدب يرتبط أوثق ارتباط بالمجتمع. إنه، على حد تعبير الافتتاحية: أدب الالتزام" الذي ينبع من المجتمع العربي ويصب فيه".

نعلم أن الالتزام لم يكن عند سارتر نداء أو شعارا، ولا حتى نظرية، وإنما كان ممارسة، وككل ممارسة، هي تشرط بظروف البيئة المترعرعة فيها. ورغم ذلك فهو كان يقوم عنده على أساس فلسفي، وكان نابعا من مفهومه عن "الحرية": "نحن محكومون بأن نكون أحرارا"، وبالتالي علينا أن نختار، والكتابة هي أحد أشكال هذا الاختيار.

غلاف "الأزمنة الحديثة"

قد يقال إن هذا الانتقال من "الأزمنة الحديثة"(التي ظهر عددها الأول أواخر 1944) إلى مجلة "الآداب"، لم يراع ربما ظرفية النشأة، وخصوصية البيئة، والسياق الذي ظهر فيه مفهوم الالتزام الذي قام أساسا ضد تصورين عن الأدب: التصور الذي كان يروجه دعاة "الفن للفن"، وذاك الذي كان يعتمده الماركسيون.

الظاهر أن البيئة التي سعت المجلة العربية أن تنقل إليها هذا المفهوم-الممارسة، لم تكن مهيأة لأن يفعل فيها، أو على الأقل لم تكن مهيأة لأن يفعل فيها الفعل نفسه. ذلك أن ما كان يميز السياق الذي ظهرت فيه "الأزمنة الحديثة" هو حضور المثقف، ليس كفرد يحمل هموم المجتمع، وإنما كقوة اجتماعية يحسب لها السياسي ألف حساب. وكلنا يذكر رد فعل الجنرال شارل ديغول عندما ألقي القبض على سارتر في إحدى التظاهرات، فقال محتجا: "لا يمكن أن نلقي القبض على فولتير".

البعد القومي

أمر آخر، لعله أكثر أهمية، هو البعد المغاير الذي يعطيه صاحب افتتاحية "الآداب" لكل عمل ثقافي. هذا البعد هو البعد القومي. فبينما يتحدث سارتر عن الأدب والمجتمع، يربط الدكتور سهيل العمل الثقافي ببعد يتجاوز المجتمع إلى مفهوم "الأمة" و"القومية". نقرأ في الافتتاحية: "والمجلة، إذ تدعو إلى هذا الأدب الفعال، تحمل رسالة قومية مثلى. فتلك الفئة الواعية من الأدباء الذين يستوحون أدبهم من مجتمعهم يستطيعون على الأيام أن يخلقوا جيلا واعيا من القراء يتحسسون بدورهم واقع مجتمعهم، ويكونون نواة الوطنيين الصالحين. وهكذا تشارك المجلة، بواسطة كتابها وقرائها، في العمل القومي العظيم، الذي هو الواجب الأكبر على كل وطني".

ما كان يميز السياق الذي ظهرت فيه "الأزمنة الحديثة" هو حضور المثقف، ليس كفرد يحمل هموم المجتمع، وإنما كقوة اجتماعية يحسب لها السياسي ألف حساب

لا يعني ذلك مطلقا أن المجلة العربية تدعو إلى نوع من الانغلاق. وفي هذا الصدد لا بد أن ننوه بالدور الذي لعبته، لا المجلة وحدها، بل "دار الآداب" في مجملها، في الانفتاح على الآداب الأجنبية، دراسة وترجمة. وهذا أمر يتضح أن الافتتاحية على أتم الوعي به: "وكما ستحاول "الآداب" أن تعطي الأوساط الأدبية الأجنبية صورة صادقة عن نشاط العرب الفكري، فهي ستهتم اهتماما شديدا بالآداب الأجنبية، فتعطي القارئ العربي صورة واضحة عن أحدث النتاج الغربي، عرضا ودرسا ونقدا، وبذلك توفر لقارئها ثقافة عامة مديدة الآفاق، ثم إنها ستتيح للأدباء والمفكرين العرب أن يتفاعل نتاجهم بالنتاج الغربي، فيكتسب قوة وعمقا، فيما هو يحتفظ بطابعه وخصائصه الذاتية".

AFP
جان بول سارتر

هذه الخصائص الذاتية تحيل، كما هو واضح، إلى الكاتب، ليس بما هو عنصر في مجتمع، وإنما بما هو عضو مدرك لبعده القومي وانتمائه إلى أمة لها قيمها وثوابتها. غير أن هذا لا يحول في نظر الدكتور سهيل إدريس دون أن يغدو البعد القومي طريق العربي إلى العالمية: "على أن مفهوم هذا الأدب القومي سيكون من السعة والشمول حتى ليتصل اتصالا مباشرا بالأدب الإنساني العام، ما دام يعمل على رد الاعتبار الإنساني لكل وطني، وعلى الدعوة إلى توفير العدالة الاجتماعية له، وتحريره من العبوديات المادية والفكرية، وهذه غاية الإنسانية البعيدة. وهكذا تسهم المجلة في خلق الأدب الإنساني الذي يتسع ويتناول القضية الحضارية كاملة، وهذا الأدب الإنساني هو المرحلة الأخيرة التي تنشدها الآداب العالمية في تطورها".

يتضح لنا من هذه المقارنة بين الافتتاحيتين إذن، الاختلاف الجذري بين السياقين، والمسافة التي تفصل مفهوم الالتزام في سياقه السارتري، وبينه في افتتاحية مجلة "الآداب"، وربما حتى في ممارسته الفعلية في العالم العربي.

مفهوم لم يعمر طويلا

على رغم كل هذه الاختلافات، فإن مفهوم الالتزام سرعان ما اختط له طريقه، فأخذ يعمل عمله في البيئة التي نقل إليها. بل إنه سرعان ما وجد رواجا كبيرا بين المثقفين والأدباء العرب. فغدا الحديث عن التزام المثقف، والربط بين الأدب والالتزام من باب أوليات "الممارسة" الثقافية. بيد أن الأمر لم يدم طويلا وسرعان ما هجر المفهوم ولم يعد اعتماده يثير الانتباه. فهل كان للمصير الذي عرفه في بيئته امتداد في الثقافة العربية؟

غدا الحديث عن التزام المثقف، والربط بين الأدب والالتزام من باب أوليات "الممارسة" الثقافية. بيد أن الأمر لم يدم طويلا وسرعان ما هجر المفهوم

معروف أن المفهوم لم يعمر طويلا حتى في البيئة التي ترعرع فيها. وقد يعزو البعض ذلك إلى غياب صاحبه، على اعتبار أن الالتزام كان يرتبط بالشخص (سارتر) أكثر مما كان يجد أسسه في نظرية، إلا أننا لا نستطيع مع ذلك أن نرجع الأمر فحسب إلى ذلك الغياب على اعتبار أن رواج المفهوم أخذ يخفت وسارتر لا يزال على قيد الحياة. والظاهر أن لا محيد لنا من رد ذلك إلى أسباب معقدة لعل أهمها الانتقادات التي تعرض لها من طرف نظريات "النقد الجديد".

ولعل أهم المآخذ التي تعرضت لها تلك الانتقادات، هو أن صاحب "ما هو الأدب؟" كان يربط الأدب بالالتزام السياسي للكاتب، والمحتوى المذهبي لعمله. وهكذا فإن نظرية الالتزام، أو ممارسة الالتزام عنده على الأصح، كانت تقوم على مفهوم ما عن الحرية، ولكن أيضا على مفهوم معين عن "المؤلف" لم يكن ليقوى على الاستمرار أمام تطورات الشعرية المعاصرة. فسارتر ينتمي إلى تصور كلاسيكي عن "المؤلف": المؤلف في نظره ذاتٌ لها وعي، لها نية وإرادة، وهي مصدر المعنى والكتابة، وهي المسؤولة عنهما. هذا ما سمح له بأن يطالب الكاتب بمسؤولية أخلاقية عن عمله، بوصفه "فاعلا حرا".

AFP
باريس

لم يصمد تصور سارتر هذا عن المؤلف أمام التحولات التي نزعت عن الذات الفاعلة سيادتها، وعن الذات الكاتبة مركزيتها، فأعلت من شأن الكتابة بوصفه أثرا لغويا متشظيا لا يصب بالضرورة في هدف واحد أو رسالة جاهزة. لذا سرعان ما قام من حاول إنقاذ المفهوم، وتأسيس نظرية عن الالتزام تتعايش مع "موت المؤلف"، ليربط الالتزام لا بالكاتب وإنما بالكتابة، ويعلن "موت المؤلف".

إنتاج المعنى وخلخلته

وفي هذا السياق سيكتب رولان بارت: "إن قدرات التحرر التي تنطوي عليها الكتابة لا تتوقف على الالتزام السياسي للكاتب، ولا على المحتوى المذهبي لعمله، وإنما على ما يقوم به من خلخلة للغة"، ليؤسس الالتزام من جديد لا بوصفه نوايا خارجية للكاتب، بل "فعالية داخلية للكتابة" ذاتها. هذا الفهم يدخلنا إلى ما يسميه بارت أحيانا "النص الكاتب" (scriptible)، أي النص الذي يدفع القارئ إلى إنتاج المعنى لا إلى استهلاكه.

ربط يجعل الالتزام التزاما للكتابة وخلخلة للغة، وربما هو ما كان وراء انسحاب مفهوم الالتزام ذاته لإخلاء المكان لمفهومات التفكيك والتقويض والخلخلة

 لم يكن ذلك إعلانا عن استقلالية النص، بل نفي لسلطة المؤلف والتحكم في المعنى. كان مفهوم الالتزام ارتبط عند سارتر بسياقات ما بعد الحرب، ومخلفات الاستعمار، وصعود الأيديولوجيات الكبرى، لكنه تعثر حين تحول الأدب إلى فضاء لغوي يتقصد اللعب والتشظي واللامعنى أحيانا.

تبين أن الشاعر الطلائعي، أو الكاتب التجريبي، يمكنهما أن يكونا أكثر التزاما من صاحب الرواية الواقعية الاشتراكية. لأنهما يخلخلان اللغة ذاتها، بينما من يتقيد بما كانت تمليه "الواقعية" قد يعيد إنتاج خطاب جاهز بلغة مكرورة. لم يعد الالتزام يوجه إلى العالم، بل إلى أدوات تمثيل العالم، أي اللغة، والكاتب الملتزم هو من يقوض ذاته بوصفه كاتبا. سنجد صدى ذلك في العالم العربي عند بعض الشعراء المحدثين، الذين رفضوا فكرة التبعية السياسية للأدب، وفضلوا "الثورة في اللغة" قبل الثورة في الواقع.

هذا الربط بين الالتزام واللغة هو نوع من "الموضعة"، إذ لا ينبغي أن ننسى أن أهم الخصائص التي أصبحت تعزى للغة، وكما يجملها موريس بلانشو: "هي الخاصية اللاشخصية ووجودها المستقل المطلق الذي تحدث عنه مالارميه. اللغة لا تفترض أي شخص يتكلمها، ولا أي شخص يسمعها، فهي تكلم ذاتها وتكتب نفسها". هو إذن ربط يجعل الالتزام التزاما للكتابة وخلخلة للغة، وربما هو ما كان وراء انسحاب مفهوم الالتزام ذاته لإخلاء المكان لمفهومات التفكيك والتقويض والخلخلة.

font change


مقالات ذات صلة