اللون الأزرق المهيمن على قاعة المؤتمرات في مقر "الاتحاد الدولي لكرة القدم" (فيفا) في مدينة زيوريخ السويسرية، لم يكن كافيا لتمويه التوتر الذي كادت تستنشقه الأنوف في الثاني من ديسمبر/كانون الأول عام 2010. على المنصة كان مجسم كأس العالم الذهبي يستعد لمعرفة المكان الذي سيطير إليه في صيف عام 2018، ليحتفل العالم بتسليمه إلى قائد منتخب بطل، ينضم لقائمة تضم عباقرة اللعبة الشعبية الأولى، الذين حملوا اللقب مثل بيليه ودييجو مارادونا وفرانز بيكنباور. والمظروف الذي يحمله رئيس "الفيفا" جوزيف بلاتر ليكشف عن اسم الدولة المستضيفة لكأس العالم، لم يحمل دعوة لوفد يقوده حفيد ملكة بريطانيا الأمير ويليام، ومعشوق الشباب في التسعينات ديفيد بيكهام، ليحقق الحلم بأن تعود بطولة كرة القدم الأبرز إلى مهد اللعبة الشعبية الأولى عالميا، بل اكتفى مسؤولو الكرة الإنجليزية بالنظر إلى شخص يعرفونه جيدا، يقف بخجل، بربطة عنق لا يبدو أنه يألفها، على طرف الصورة التذكارية لوفد روسيا الذي صعد على المسرح، ليحتفل بإعلان استضافة بلاد القياصرة للمونديال للمرة الأولى في تاريخها.
ذلك الشخص كان رومان أبراموفيتش، الرجل الذي حول يوما ما، ليل لندن إلى نهار، عندما أتى بكأس دوري أبطال أوروبا للعاصمة البريطانية للمرة الأولى في التاريخ، صاحب أغلى القصور المطلة على "حديقة قصر كينسنغتون الملكية"، والرجل الذي علق مشجعو نادي تشيلسي اسمه وصورته على علم روسي يحمل كلمة "إمبراطورية رومان" في جدران ملعب "ستامفورد بريدج" قبل أن يتحول إلى ضيف دائم على قائمة العقوبات الدولية، ورجل يهدد رئيس الوزراء البريطاني بمقاضاته علنا.
قبل أن يحدث ذلك بعقود كان رومان قد نشأ طفلا يتيما بعد أن ولد في الرابع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول عام 1966 لأم توفيت بينما كان رضيعا، بالكاد أتم عامه الأول، وأب غيبه الموت سريعا بعد وفاة زوجته بعامين. النشأة وسط الأقارب المنحدرين من أصول يهودية أوكرانية وبيلاروسية في كومي، أحد أقاليم شمال الاتحاد السوفياتي السابق، كانت أبعد ما تكون عما انتهى به الحال في قصور لندن، وعلى يخوت تبحر إلى ما لم يكن يتخيل وجوده طفل يتحسس خطواته الأولى على الجليد الذي يكسو مراتع طفولته الفقيرة، التي يختصرها بنفسه في مقابلة مع "الغارديان" قائلا: "في الطفولة لا يمكنك مقارنة الأشياء أو معرفة الفارق بين طعم الحلوى وطعم الجزر" .
لكن جمود الحياة وسط جليد كومي لم يكن يمكنه أن يجهز أبراموفيتش، لأن يكون في قلب الأحداث التي شكلت واقع كل ما مر بجواره بعد ذلك. فكانت الخدمة في الجيش الأحمر، والتعليم في مؤسسات العاصمة، جسورا عبر بها رومان إلى العالم، ما وراء أقاليم الشمال المتجمدة، التي يكاد لا يصلها ما يستشعره من يجولون موسكو في قطارات أنفاقها العميقة ذات المحطات الفخمة، عن الاتحاد السوفياتي الذي بدأ في الاحتضار، وكتابة وصيته للورثة تحت عنوان "البريسترويكا" التي روج لها زعيمه الأخير ميخائيل غورباتشوف، مطلقا العد التنازلي للحظة قد تمنح من يستبقون الأحداث ثروة ربما لا يكونون مستعدين لإحصائها.

