رومان أبراموفيتش... رجل الظل الذي غيّر قواعد اللعبة

استعادة الهيبة الروسية عبر كرة القدم

أ.ف.ب
أ.ف.ب
مالك نادي تشيلسي، الروسي رومان أبراموفيتش، أثناء الاحتفال بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز لكرة القدم في نهاية مباراة تشيلسي وسندرلاند على ملعب ستامفورد بريدج في لندن في 21 مايو 2017

رومان أبراموفيتش... رجل الظل الذي غيّر قواعد اللعبة

اللون الأزرق المهيمن على قاعة المؤتمرات في مقر "الاتحاد الدولي لكرة القدم" (فيفا) في مدينة زيوريخ السويسرية، لم يكن كافيا لتمويه التوتر الذي كادت تستنشقه الأنوف في الثاني من ديسمبر/كانون الأول عام 2010. على المنصة كان مجسم كأس العالم الذهبي يستعد لمعرفة المكان الذي سيطير إليه في صيف عام 2018، ليحتفل العالم بتسليمه إلى قائد منتخب بطل، ينضم لقائمة تضم عباقرة اللعبة الشعبية الأولى، الذين حملوا اللقب مثل بيليه ودييجو مارادونا وفرانز بيكنباور. والمظروف الذي يحمله رئيس "الفيفا" جوزيف بلاتر ليكشف عن اسم الدولة المستضيفة لكأس العالم، لم يحمل دعوة لوفد يقوده حفيد ملكة بريطانيا الأمير ويليام، ومعشوق الشباب في التسعينات ديفيد بيكهام، ليحقق الحلم بأن تعود بطولة كرة القدم الأبرز إلى مهد اللعبة الشعبية الأولى عالميا، بل اكتفى مسؤولو الكرة الإنجليزية بالنظر إلى شخص يعرفونه جيدا، يقف بخجل، بربطة عنق لا يبدو أنه يألفها، على طرف الصورة التذكارية لوفد روسيا الذي صعد على المسرح، ليحتفل بإعلان استضافة بلاد القياصرة للمونديال للمرة الأولى في تاريخها.

ذلك الشخص كان رومان أبراموفيتش، الرجل الذي حول يوما ما، ليل لندن إلى نهار، عندما أتى بكأس دوري أبطال أوروبا للعاصمة البريطانية للمرة الأولى في التاريخ، صاحب أغلى القصور المطلة على "حديقة قصر كينسنغتون الملكية"، والرجل الذي علق مشجعو نادي تشيلسي اسمه وصورته على علم روسي يحمل كلمة "إمبراطورية رومان" في جدران ملعب "ستامفورد بريدج" قبل أن يتحول إلى ضيف دائم على قائمة العقوبات الدولية، ورجل يهدد رئيس الوزراء البريطاني بمقاضاته علنا.

قبل أن يحدث ذلك بعقود كان رومان قد نشأ طفلا يتيما بعد أن ولد في الرابع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول عام 1966 لأم توفيت بينما كان رضيعا، بالكاد أتم عامه الأول، وأب غيبه الموت سريعا بعد وفاة زوجته بعامين. النشأة وسط الأقارب المنحدرين من أصول يهودية أوكرانية وبيلاروسية في كومي، أحد أقاليم شمال الاتحاد السوفياتي السابق، كانت أبعد ما تكون عما انتهى به الحال في قصور لندن، وعلى يخوت تبحر إلى ما لم يكن يتخيل وجوده طفل يتحسس خطواته الأولى على الجليد الذي يكسو مراتع طفولته الفقيرة، التي يختصرها بنفسه في مقابلة مع "الغارديان" قائلا: "في الطفولة لا يمكنك مقارنة الأشياء أو معرفة الفارق بين طعم الحلوى وطعم الجزر" .

لكن جمود الحياة وسط جليد كومي لم يكن يمكنه أن يجهز أبراموفيتش، لأن يكون في قلب الأحداث التي شكلت واقع كل ما مر بجواره بعد ذلك. فكانت الخدمة في الجيش الأحمر، والتعليم في مؤسسات العاصمة، جسورا عبر بها رومان إلى العالم، ما وراء أقاليم الشمال المتجمدة، التي يكاد لا يصلها ما يستشعره من يجولون موسكو في قطارات أنفاقها العميقة ذات المحطات الفخمة، عن الاتحاد السوفياتي الذي بدأ في الاحتضار، وكتابة وصيته للورثة تحت عنوان "البريسترويكا" التي روج لها زعيمه الأخير ميخائيل غورباتشوف، مطلقا العد التنازلي للحظة قد تمنح من يستبقون الأحداث ثروة ربما لا يكونون مستعدين لإحصائها.

بنفس الخجل الذي يبقيه على هامش صورة النصر في زيوريخ، لم يمتلك من تضخم الذات ما يجعله يترفع عن البداية تاجرا للعب الأطفال، بينما راقب من قلب الحدث كيف تحول العملاق السوفياتي إلى دمية هشة

كان رومان حاضرا لاقتناص تلك الفرصة متسلحا بشخصية لا تسعى لجذب الانتباه في طريقها نحو ما ترغب في تحقيقه. وبنفس الخجل الذي يبقيه على هامش صورة النصر في زيوريخ، لم يمتلك من تضخم الذات ما يجعله يترفع عن البداية تاجرا للعب الأطفال، بينما راقب من قلب الحدث كيف تحول العملاق السوفياتي إلى دمية هشة، كإحدى تلك التي تبيعها الشركة التي أسسها هو وزوجته الأولى "أولغا". اللعبة الأكبر في ذلك الوقت كانت تدور في أروقة الكرملين، الذي يريد لروسيا الجديدة أن تلحق برأسمالية يراها الغرب حتمية تاريخية ويراها أمثال رومان فرصة لا تأتي في العمر مرتين. اقترب الشاب الطموح من دوائر الحكم مدركا لواقع جديد يحتاج إلى رجال في الظل، يمكنهم إذابة جليد الماضي السوفياتي وإطلاق العنان لثروة لم تخطر يوما على بال لينين المسجى جسدا محنطا في قلب الميدان الأحمر، دون أن يكون لأي منهم طموح سياسي يتجاوز إضافة الأصفار في الحسابات البنكية.

أ.ف.ب
ملعب ستامفورد بريدج، معقل نادي تشيلسي الإنجليزي، المملوك سابقا لرجل الأعمال الروسي رومان أبراموفيتش، في لندن بتاريخ 17 ديسمبر 2025

كان أبراموفيتش أحد الرجال الذين منحهم الرئيس الروسي بوريس يلتسين فرصة العمر عندما باعه "شركة النفط الوطنية الروسية" (سيبنيفت) قبل أن يتم عامه الثلاثين، وبثمن يقل بخمسين ضعفا عن السعر الذي أعاد به أبراموفيتش الشركة للدولة الروسية بعد ذلك التاريخ بعشر سنوات. المال الذي انهمر على كل من كان مستعدا لاقتناصه في "روسيا يلتسين" المتعطشة للاقتصاد الحر، كان قادرا على أن يشعل العداوات التي أسالت الدم بين المتناحرين، فيما عرف في روسيا وقتها بـ"حرب الألومنيوم" التي نجا منها أبراموفيتش ليبقى قريبا بما يكفي من الكرملين ليتمتع بحمايته، وبعيدا عن المناصب السياسية بما يكفي لكي لا يثير ضغائن من يقدمون أنفسهم لخلافة يلتسين، أبرز هؤلاء ومن فاز بالسباق في النهاية شارك رومان الولع بالعمل في الظل في سنوات قضاها ضابطا بالاستخبارات السوفياتية في ألمانيا الشرقية، قبل أن يتعرف العالم على اسم فلاديمير بوتين الذي أبقى أبراموفيتش في فلكه، وفي بداية عهده لم يعد رومان مجرد رجل أعمال ثري، يتحرك بين تقاطعات المال والسياسة في روسيا الجديدة، بل حصل على الصفة الرسمية ليكون من وجوه الكرملين الجديد، متوليا منصب حاكم منطقة "تشوكوتكا" في أقصى الشرق الروسي، بينما كان يرتب للانتقال غربا ليكون الوجه الذي تريده روسيا أن يكون عنوانا لعودتها لمسرح القوة الناعمة العالمية.

كان أبراموفيتش أحد الرجال الذين منحهم الرئيس الروسي بوريس يلتسين فرصة العمر عندما باعه "شركة النفط الوطنية الروسية" (سيبنيفت) قبل أن يتم عامه الثلاثين، وبثمن يقل بخمسين ضعفا عن السعر الذي أعاد به أبراموفيتش الشركة للدولة الروسية بعد ذلك التاريخ بعشر سنوات

في لندن حيث أشياء قليلة يمكنها أن تنافس كرة القدم على عناوين الصحف، وجد رومان أبراموفيتش ضالته ليقدم للعالم نفسه في طليعة جيل المليارديرات الروس الشباب، الباحثين عن البصمة الدولية. نادي تشيلسي الواقع في أرقى مناطق العاصمة، بماض متواضع وحاضر لا يضاهي جاره آرسنال الواقع في شمال المدينة كان بوابة أبراموفيتش لتغيير الواقع، في المكان الذي نشأت فيه اللعبة الشعبية الأولى في العالم، عندما اشتراه صيف عام 2003. والحذر الذي تحرك به رومان بين دهاليز عالم المال والأعمال في موسكو تخلى عنه في سوق الانتقالات الكروية في الدوري الإنجليزي الممتاز، حيث كان الثراء السريع الذي عرفه تشيلسي صادما لمن اعتادوا على واقع، تهيمن فيه القوى التقليدية مثل مانشستر يونايتد، وآرسنال، بينما استفز الضيف الجديد قليل الكلام الإعلام البريطاني الذي تسابق لتغذية فضول الملايين من القراء حول خلفية الرجل، الذي لم يقرأ المستقبل عندما توقع بعد شرائه للنادي أن يركز عليه الإعلام ليومين أو ثلاثة قبل أن ينساه.

الاستغراب الذي تلقى به الوسط الإعلامي والكروي في إنجلترا صفقة استحواذ أبراموفيتش على النادي، كان مثاليا ليغذي النار التي جاء بها الرجل الذي اختاره رومان لأن يقود مشروعه للسيطرة على كرة القدم الإنجليزية. جوزيه مورينيو المدرب الشاب البرتغالي، صاحب الملامح الحادة والكلمات الأكثر حدة والرجل الذي يرى في نفسه "شخصا مميزا" كما أخبر الصحافيين في مؤتمره الأول في لندن، كان الحل المناسب ليعيد أبراموفيتش إلى موقعه المفضل بعيدا عن الأضواء، بقدرته على حشد اللاعبين والمشجعين في معسكر يخوض معركة أسبوعية، في كل مباراة ضد أعداء النجاح على أرض الملعب وصفحات الجرائد، وبشخصيته الخطابية التي تمنح الإعلام جرعة أسبوعية تغنيه عن التنقيب عن ماضي مالك النادي وعلاقاته بالكرملين ومشروعه، ليعيد روسيا إلى دائرة التأثير العالمي.

كان التحالف بين أموال أبراموفيتش وطموح مورينيو وشخصيته المتعجرفة أكبر من قدرة القوى التقليدية على إيقافه، ليحقق تشيلسي الدوري الإنجليزي بعد نصف قرن من الغياب في العام الثاني من ملكية أبراموفيتش للنادي، التي غيرت واقع كرة القدم إلى الأبد، وتحول معها نادي تشيلسي إلى ظاهرة عالمية لها أنصار في كل أركان المعمورة.

الحذر الذي تحرك به رومان بين دهاليز عالم المال والأعمال في موسكو تخلى عنه في سوق الانتقالات الكروية في الدوري الإنجليزي الممتاز

دخول أموال أبراموفيتش للمعادلة الكروية الإنجليزية، لم يكن فقط إيذانا بعهد جديد تحولت فيه الكرة الأوروبية بشكل عام، والدوري الإنجليزي بشكل خاص إلى ساحة للأثرياء والحكومات من كل دول العالم لاستعراض طموحاتهم، والوصول للعدد الأكبر من العناوين عبر كرة القدم القادرة على الوصول إلى من لا يمكن لشركات العلاقات العامة الوصول إليهم، مثلما طرحت على عالم اللعبة أسئلة لم يسبق له أن اضطر للإجابة عنها، تتعلق بكيفية التعامل مع من يواصل ضخ المال في أندية يمتلكونها غير آبهين بخسائر تسجلها دفاتر الحسابات، إذا كان ذلك ثمن المزيد من الانتصارات، والنتيجة كانت ما أصبح يعرف لاحقا بقوانين "اللعب المالي النظيف" التي لم تعد تسمح بصعود صاروخي كالذي استمتع به أبراموفيتش في المشهد الكروي تماما كما استمتع به في موسكو بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.

النتيجة كانت ما أصبح يعرف لاحقا بقوانين "اللعب المالي النظيف" التي لم تعد تسمح بصعود صاروخي كالذي استمتع به أبراموفيتش في المشهد الكروي تماما كما استمتع به في موسكو بعد انهيار الاتحاد السوفياتي

في ظل ذلك كله أمضى رومان حقبته الذهبية، ملكا متوجا في مقصورة ملعب "ستامفورد بريدج" مستمتعا بهتاف جمهور تشيلسي له بينما يقف مبتسما بملابسه غير الرسمية، وشعره غير المصفف محتفلا بالفوز تلو الآخر في الفترة التي شهدت تحقيقه لكل الألقاب الممكنة في كرة القدم الأوروبية مع مورينيو وغيره من نخبة المدربين واللاعبين. علاقته المتوترة مع السلطات البريطانية، التي حافظت على شكوكها قائمة إلى حد أنها أبقت على ترتيبات دخوله للبلاد مرتبطة بتأشيرة تجدد سنويا، لم تشكل عقبة أمام رفع المشجعين لصورته متوسطة لعلم روسي كبير، على أحد جدران الملعب الذي حاول توسيعه مرارا وتكرارا، واصطدم في كل مرة بعقبات لم يكن ليواجهها، لو لم يكن في نظر الحكومات البريطانية المتعاقبة أحد قطع بوتين التي تحركت في مشروعه لاستعادة روسيا لشيء من هيبة العهد السوفياتي، ولو كان ذلك في ساحات الرياضة. ولم يكن صعود أبراموفيتش مع الوفد الروسي لتسلم مهمة تنظيم مونديال 2018 بعد أن ألحقوا هزيمة ساحقة بالملف الإنجليزي، سوى مشهد جديد وصل فيه رومان إلى ما أراد هو ورئيسه بوتين، دون أن يسعى للترويج لنفسه كرجل ألحق الهزيمة تلو الأخرى بكرة القدم كما كان يعرفها الإنجليز.

أ.ف.ب
رومان أبراموفيتش

وفي نهاية العام الماضي، منحت الحكومة أبراموفيتش مهلة أخيرة لتحويل عائدات بيع نادي تشيلسي، البالغة 2.5 مليار جنيه إسترليني، لاستخدامها في دعم القضايا الإنسانية في أوكرانيا، ملوّحة باتخاذ إجراءات قانونية بحقه في حال عدم الامتثال.

ربما يجد أبراموفيتش المفارقة حاضرة في حقيقة أن الموجة الأخيرة التي تطالبه بتحويل مليارين ونصف المليار جنيه إسترليني من أموال بيع ناديه تشيلسي- الذي أجبر على بيعه بعد غزو روسيا لأوكرانيا في 2022- يقودها رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، المعروف بكونه أحد أصحاب التذاكر الموسمية في ملعب الغريم آرسنال، الذي يعاني جمهوره من هتافات مشجعي تشيلسي التي تقول "نحن أبطال أوروبا، لن تقولوا ذلك أبدا"، بفضل أموال رومان التي أعادت رسم قواعد اللعبة، لكن الرجل الذي أعادته العقوبات الدولية ومحاولات الوساطة بين الكرملين والأوكرانيين لأدواره المفضلة في التأثير على الأحداث من موقعه في الظل، قد لا يستغرب كثيرا اضطراره لدفع ثمن باهظ لانحيازات صنعت ثروته منذ البداية. فالمال وكما يقول بنفسه لـ"الغارديان" لا يمنح سوى "بعض" الاستقلالية دون أن يكون قادرا على جلب السعادة، والرحلة من اليتم في صقيع الشمال الروسي إلى قائمة أثرى أثرياء العالم، كان لا بد لها من تقلبات درامية كفيلة بأن تبقيها صامدة في الذاكرة الجمعية، لمدة تتجاوز قوائم العقوبات ولائحة الممنوعين من تأشيرات الدخول.

font change