لقد حطمت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة كل الأرقام القياسية للحروب، من قتل ودمار وتجويع وتهجير، في مساحة جغرافية ضيقة ومحاصرة مع كثافة نارية منقطعة النظير وعلى مدى عامين دون انقطاع، هكذا اختصر روني برومان، الرئيس السابق لمنظمة "أطباء بلا حدود" الكارثة الإنسانية في غزة بعد نحو أربعة أشهر على وقف إطلاق النار.
شهادة برومان هي شهادة طبيب انخرط في العمل الإنساني منذ نحو خمسين سنة (عام 1977)، حيث قام بالكثير من المهام، لا سيما في سياق النزوح السكاني والنزاعات المسلحة، من إثيوبيا إلى السودان إلى باكستان إلى الهندوراس، كذلك تايلند وجيبوتي وكمبوديا ورواندا وتشاد وأوغندا وغيرها. وهكذا كاف للدلالة على معنى شهادته.
ترأس برومان منظمة "أطباء بلا حدود" من عام 1982 إلى عام 1994. كذلك درّس في معهد الاستجابة الإنسانية والنزاعات بجامعة مانشستر (المملكة المتحدة) وفي معهد الدراسات السياسية بباريس، كما أن له مؤلفات، منها: "حروب إنسانية؟ أكاذيب وتضليل" (2018)، و"الطب الإنساني" (2010)، و"التفكير في حالات الطوارئ" (2006)، و"يوتوبيا الصحة" (2000).
هذه التجربة الطويلة والمكثفة لبرومان تجعله من أبرز وجوه العمل الإنساني حول العالم، ولذلك كان معه هذا الحوار في منزله بباريس، في محاولة لإعادة التفكير في العمل الإنساني بعد الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
ما هي حدود العمل الإنساني؟ ما علاقته بالسياسة؟ هل على العمال الإنسانيين أن يكونوا حياديين؟ ماذا عن مستقبل تمويل العمل الإنساني؟ وأسئلة أخرى يجيب عنها برومان في الحوار الآتي:
* إسرائيل أعلنت أن حظر الأنشطة الإنسانية في غزة سيطول 37 منظمة غير حكومية دولية، كيف تلقيتم هذا الخبر؟ وما تعليقكم؟
- كثيرون منا كانوا يعتبرون أن أيامنا في غزة والضفة الغربية معدودة، وقد أتى هذا اليوم ولم يكن مفاجئا أبدا، لأن الإسرائيليين كانوا يهددوننا طيلة الوقت بمنعنا من العمل، كما قتلوا المئات من زملائنا العاملين في الحقل الإنساني في غزة، لكن إن لم يكن هذا القرار مفاجئا فهو حكما مشين وفضائحي، إذ يعني أن إسرائيل لن تتسامح مع العاملين الإنسانيين إلا إذا كانوا ينفذون سياساتها، وبقوا صامتين إزاء ما يرون، وعملوا حيث يوجههم الإسرائيليون. أي إنهم يريدون أن يكون العمل الإنساني في الأراضي الفلسطينية خاضعا لمنطقهم السياسي الذي يهدف إلى خنق الشعب الفلسطيني وإرهاقه، أي إنهم يرمون لفعل عكس ما يسعى العمال الإنسانيون لفعله. وقد تبين أن ردود الفعل الدولية على القرار الإسرائيلي المثير للاشمئزاز كانت ضعيفة جدا سواء في أوروبا حيث أنشئت غالبية المنظمات الإنسانية المستهدفة أو في العالم العربي الذي لا يقدم الدعم الكافي للفلسطينيين.
* هل توجد وسائل للالتفاف على هذا القرار؟
- هذا سؤال مشروع، والإجابة تبدو لي واضحة، للأسف ليست هناك وسائل للالتفاف على القرار الإسرائيلي، لأن الإسرائيليين يسيطرون عسكريا على كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبالتالي أي تحرك في هذه الأراضي يتطلب موافقة إسرائيل التي تعرقل الأعمال الإغاثية والإنسانية، وبالتالي ليست هناك أي إمكانية لمتابعة العمل الإنساني في الأراضي الفلسطينية.




