رئيس "أطباء بلا حدود" السابق لـ"المجلة": حرب غزة حطمت كل الأرقام القياسية

روني برومان... إعادة التفكير بالعمل الإنساني بعد حرب غزة

أ.ف.ب
أ.ف.ب
الرئيس السابق لمنظمة أطباء بلا حدود، روني برومان

رئيس "أطباء بلا حدود" السابق لـ"المجلة": حرب غزة حطمت كل الأرقام القياسية

لقد حطمت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة كل الأرقام القياسية للحروب، من قتل ودمار وتجويع وتهجير، في مساحة جغرافية ضيقة ومحاصرة مع كثافة نارية منقطعة النظير وعلى مدى عامين دون انقطاع، هكذا اختصر روني برومان، الرئيس السابق لمنظمة "أطباء بلا حدود" الكارثة الإنسانية في غزة بعد نحو أربعة أشهر على وقف إطلاق النار.

شهادة برومان هي شهادة طبيب انخرط في العمل الإنساني منذ نحو خمسين سنة (عام 1977)، حيث قام بالكثير من المهام، لا سيما في سياق النزوح السكاني والنزاعات المسلحة، من إثيوبيا إلى السودان إلى باكستان إلى الهندوراس، كذلك تايلند وجيبوتي وكمبوديا ورواندا وتشاد وأوغندا وغيرها. وهكذا كاف للدلالة على معنى شهادته.

ترأس برومان منظمة "أطباء بلا حدود" من عام 1982 إلى عام 1994. كذلك درّس في معهد الاستجابة الإنسانية والنزاعات بجامعة مانشستر (المملكة المتحدة) وفي معهد الدراسات السياسية بباريس، كما أن له مؤلفات، منها: "حروب إنسانية؟ أكاذيب وتضليل" (2018)، و"الطب الإنساني" (2010)، و"التفكير في حالات الطوارئ" (2006)، و"يوتوبيا الصحة" (2000).

هذه التجربة الطويلة والمكثفة لبرومان تجعله من أبرز وجوه العمل الإنساني حول العالم، ولذلك كان معه هذا الحوار في منزله بباريس، في محاولة لإعادة التفكير في العمل الإنساني بعد الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.

ما هي حدود العمل الإنساني؟ ما علاقته بالسياسة؟ هل على العمال الإنسانيين أن يكونوا حياديين؟ ماذا عن مستقبل تمويل العمل الإنساني؟ وأسئلة أخرى يجيب عنها برومان في الحوار الآتي:

* إسرائيل أعلنت أن حظر الأنشطة الإنسانية في غزة سيطول 37 منظمة غير حكومية دولية، كيف تلقيتم هذا الخبر؟ وما تعليقكم؟

- كثيرون منا كانوا يعتبرون أن أيامنا في غزة والضفة الغربية معدودة، وقد أتى هذا اليوم ولم يكن مفاجئا أبدا، لأن الإسرائيليين كانوا يهددوننا طيلة الوقت بمنعنا من العمل، كما قتلوا المئات من زملائنا العاملين في الحقل الإنساني في غزة، لكن إن لم يكن هذا القرار مفاجئا فهو حكما مشين وفضائحي، إذ يعني أن إسرائيل لن تتسامح مع العاملين الإنسانيين إلا إذا كانوا ينفذون سياساتها، وبقوا صامتين إزاء ما يرون، وعملوا حيث يوجههم الإسرائيليون. أي إنهم يريدون أن يكون العمل الإنساني في الأراضي الفلسطينية خاضعا لمنطقهم السياسي الذي يهدف إلى خنق الشعب الفلسطيني وإرهاقه، أي إنهم يرمون لفعل عكس ما يسعى العمال الإنسانيون لفعله. وقد تبين أن ردود الفعل الدولية على القرار الإسرائيلي المثير للاشمئزاز كانت ضعيفة جدا سواء في أوروبا حيث أنشئت غالبية المنظمات الإنسانية المستهدفة أو في العالم العربي الذي لا يقدم الدعم الكافي للفلسطينيين.

* هل توجد وسائل للالتفاف على هذا القرار؟

- هذا سؤال مشروع، والإجابة تبدو لي واضحة، للأسف ليست هناك وسائل للالتفاف على القرار الإسرائيلي، لأن الإسرائيليين يسيطرون عسكريا على كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبالتالي أي تحرك في هذه الأراضي يتطلب موافقة إسرائيل التي تعرقل الأعمال الإغاثية والإنسانية، وبالتالي ليست هناك أي إمكانية لمتابعة العمل الإنساني في الأراضي الفلسطينية.

تعتبر حرب غزة حرب كل الأرقام القياسية: عدد ضحايا المدنيين في أقصى حدوده، حوالي 80 إلى 85 في المئة من الضحايا، حسب تقديرات المخابرات العسكرية الإسرائيلية نفسها

* ماذا ستكون النتيجة؟

- النتيجة ستكون المزيد من المعاناة والضحايا من جانب الشعب الفلسطيني، وإسرائيل كانت دائما تقلل من مساهمة منظمة مثل "أطباء بلا حدود" في العمل الإنساني في غزة، من خلال ادعاء أنها لا تؤمّن سوى 1 في المئة من المساعدات والخدمات المطلوبة،  بينما الواقع أنّ المنظمة تؤمن ربع الحالات الاستشفائية، وثلث الولادات، ونصف التغذية بالمياه، بالتالي كان نشاطها مهما جدا للفلسطينيين، لكن الآن كل ذلك سيلغى من دون أن تكون هناك أي وسيلة لتعويضه. فالإسرائيليون سيستقدمون منظمات أميركية وتحديدا إنجيلية، متوافقة كليا مع سياساتهم، وهي لا تعرف الميدان ولا التعامل مع هذا النوع من الحاجات وبالتالي لا يستطيعون الحلول محل المنظمات المطرودة.

* خلال مسيرتكم الطويلة، كنتم شاهدين على الكثير من النزاعات والأزمات الإنسانية في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية. فما الذي جعل الحرب الأخيرة في غزة مختلفة عن كل هذه النزاعات؟

- الاختلاف الأساسي الأول، وهناك على الأقل اختلاف أو اثنان آخران، يكمن في موافقة ضمنية من الغرب. الغرب، الذي يدّعي الديمقراطية ويعتبر نفسه مدافعا عن القانون، أو على الأقل مؤسسا للقانون الدولي، قد وافق بطريقة ما على حرب إبادة جماعية. وهذه ليست بلا شك أول حرب إبادة جماعية، يمكن أن نفكر، على سبيل المثال، في إبادة التوتسي في رواندا، التي كانت حربا وإبادة جماعية في الوقت ذاته، لكن هذه الأخيرة وإن لم يوافق عليها دوليا، غير أنه لم يُنظر إليها على أنها حق للدفاع عن النفس، كما حصل في حالة غزة. وهذا له، في رأيي، عواقب على مصداقية وصلاحية القانون الدولي، إذ نلاحظ تطبيقا متغيرا، بل ومتضاربا أحيانا، للقانون حسب السياق.

أ.ف.ب
يظهر شعار منظمة "أطباء بلا حدود" على مساعدات إنسانية مخصصة للعائلات الفلسطينية في قطاع غزة، مخزنة في مستودعات الهلال الأحمر المصري بمدينة العريش الحدودية المصرية، في 8 أبريل 2025

على سبيل المثال، روسيا التي تحتل أوكرانيا تُدان، وهذا أمر عادل. لكن عندما تحتل دولة أخرى أراضي دولة أخرى، كما تفعل إسرائيل في فلسطين، هناك فرق واضح، فحتى لو لم تتم الموافقة على الاحتلال نفسه صراحة، فإن الطريقة التي تمارس بها إسرائيل احتلالها تُقبَل ضمنيا، فقد اعتُبرت حرب الإبادة الجماعية ردا مشروعا على اعتداء، أي كحق للدفاع عن النفس ضد هذا الاعتداء. وهذا، في رأيي، يمثل الاختلاف الأساسي الأول من منظور سياسي.

ومن منظور عملي، فإن سكان غزة هم أسرى، ليس لديهم أي وسيلة للفرار إلى أي مكان آخر. الإسرائيليون،  أغلقوا قطاع غزة منذ وقت طويل وحولوا 2.3 مليون فلسطيني إلى سجناء. وطول هذا الأسر وشدته يمثلان بالفعل أمرا مروعا، ويزداد الأمر سوءا عندما يتعرض السكان لموجات متواصلة من القصف، يمكن مقارنتها بقصف الحلفاء عام 1945 من حيث الحجم والعنف، وهو قصف نادر جدا في التاريخ الحديث.

لذلك، تعتبر حرب غزة حرب كل الأرقام القياسية: عدد ضحايا المدنيين في أقصى حدوده، حوالي 80 إلى 85 في المئة من الضحايا، حسب تقديرات المخابرات العسكرية الإسرائيلية نفسها، التي تشير إلى أن عدد مقاتلي "حماس" الذين قُتلوا يقارب 9000. وهذا يعني أن بين الضحايا، ربما بين 70 ألفا و100 ألف هم مدنيون.

الإسرائيليين يسيطرون على بعض نقاط الدخول، مثل كرم شالوم، ويحتجزون أحيانا جزءا من المواد الإنسانية

ولهذا أقول إن حرب غزة، من هذا المنظور، لا يمكن مقارنتها إلا بحرب الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994. ومن هنا تأتي أهمية استخدام مصطلح الإبادة الجماعية، وهو مصطلح يستخدم بشكل متزايد. إذن هذه هي سمات حرب غزة: الموافقة الضمنية على قتل المدنيين ممن يفترض بهم حمايتهم، واحتجازهم في مساحة محصورة مع استخدام مفرط للعنف.

* ما تقييمكم للعمل الإنساني في غزة بالنظر إلى أعداد الضحايا المدنيين والمجاعة؟

- من جهة، العمل الإنساني قد تم بشكل فعّال. فقد تمكنت المنظمات الإنسانية، سواء كانت وكالات الأمم المتحدة أو المنظمات غير الحكومية، من القيام بعملها. لكن من الضروري الإشارة إلى أننا نتحدث عن حرب استثنائية، حرب من كل أنواع الأرقام القياسية. لم يشهد أي صراع سابق عددا مماثلا من الصحافيين القتلى، 150 إلى 200 صحافي، والكثير منهم تم استهدافه بشكل مباشر، وهم صحافيون فلسطينيون طبعا لأنه لم يكن هناك صحافيون أجانب.

كما أنها حرب قياسية من حيث عدد الوفيات بين العاملين الإنسانيين والكوادر الطبية. كان هناك منذ البداية تقليص متعمد، من قبل الإسرائيليين، لإمكانيات تقديم المساعدات المتوفرة محليا. لقد قُتل أو تم ترحيل أو سجن مئات العاملين في المجال الطبي. وحتى اليوم، هناك حوالي مئة طبيب محتجزون في السجون الإسرائيلية، يتعرضون لمعاملة فظيعة، غالبا تصل إلى مستوى التعذيب، علما أن السجن نفسه يمثل شكلا من أشكال التعذيب خصوصا مع غياب أي مبرر قانوني.

رغم هذه الظروف القاسية، واصلت بعض المنظمات، مثل منظمة "أطباء بلا حدود" وبعض المنظمات الأخرى، عملها. حتى لو لم يكن العمل الإنساني يتم بالقدر المطلوب، وهذا أمر طبيعي في أي صراع، السودان مثلا، بسبب نقص الموارد، فإنه يظل ضروريا، إذ يعتمد عشرات آلاف الجرحى والمرضى على هذه الجهود للحصول على الرعاية الصحية.

كما أن الإسرائيليين يسيطرون على بعض نقاط الدخول، مثل كرم شالوم، ويحتجزون أحيانا جزءا من المواد الإنسانية. المعايير التي يتم على أساسها حظر بعض المعدات الأساسية، مثل طاولة الولادة أو جهاز توليد الأكسجين، غير واضحة. الكثير من الأدوات المعدنية، اللازمة للجراحة لأسباب تتعلق بالتعقيم، ممنوعة أيضا من الدخول بحجة الاستخدام المزدوج، المدني والعسكري.

أ.ف.ب
امرأة فلسطينية تصل برفقة طفل إلى عيادة "أطباء بلا حدود" في حي الرمال بمدينة غزة في 31 ديسمبر 2025

كل هذه العقبات اليومية تضاف إلى الصعوبات الداخلية التي واجهتها الفرق الإنسانية، والتي عانت من الإرهاق ونقص الغذاء. ومع ذلك، استمرت هذه الفرق في العمل، واستفاد الغزّيون من جهودها، رغم أن حجم المساعدات يظل منخفضا جدا مقارنة بالحاجات.

* هل سيكون هناك توثيق رسمي لشهادات العاملين في الحقل الإنساني في غزة بغية استخدامها لدواع قانونية؟

- فيما يتعلق بتوثيق الحقائق، فإن "أطباء بلا حدود" كانت الأكثر تعبيرا، كذلك "أطباء العالم" و"أنقذوا الأطفال" كلهم تحدثوا عن الأوضاع في غزة كما عاشوها. إذن كل شهادات العاملين الإنسانيين على الأرض، بالإضافة إلى تلك الخاصة ببعض وكالات الأمم المتحدة، أصبحت موجودة في المجال العام. أي إنه يمكن استخدام هذه المعلومات كوثائق لدى المحكمة الجنائية الدولية، لبدء التحقيقات أو إصدار مذكرات توقيف ضد الجنود والمسؤولين العسكريين والسياسيين، بما في ذلك المسؤولين في حركة "حماس".

لقد كان التعبير العلني للعاملين الإنسانيين ووكالات الأمم المتحدة واضحا جدا، وهذا يفسر القيود المفروضة عليهم اليوم: مثل عدم إصدار التأشيرات، والهجمات والضغوط على أنشطتهم. ومع ذلك، فإن هذه الشهادات ستحتفظ بقيمتها وستكون أدلة ملموسة مستقبلا في المحاسبة القانونية ضد المسؤولين عن هذه المذبحة.

* هل يجب إعادة التفكير في العمل الإنساني قبل وبعد حرب غزة؟

- من وجهة نظر العاملين في المجال الإنساني، لا يوجد بالفعل "قبل" و"بعد". أما من المنظور السياسي الأوسع، أي فهم القضايا الكبرى بشكل عام وليس السياسة الحزبية، فيمكن القول إن هناك فرقا بين ما قبل الحرب وما بعدها. فقد تم تجاهل القانون الدولي من قبل من يفترض أنهم حريصون على الالتزام به، وهذا يخلق فاصلا زمنيا بين ما قبل الحرب وما بعدها.

في غزة يوجد نوعان من السلطات. من جهة، سلطة "حماس"، ومن جهة أخرى، سلطة الإسرائيليين بصفتهم القوة المحتلة

لكن بالنسبة للعاملين على الأرض، لا أرى أي تغيير جوهري في طبيعة عملهم. لكن، على سبيل المثال، سجلت منظمة "أطباء بلا حدود" وفاة 16 من موظفيها من بين آلاف العاملين، وهو رقم غير مسبوق في أي حالة حرب سابقة.

* ما العلاقة بين العمل الإنساني والقانون الدولي؟

- هي علاقة قوية جدا في حالات الحرب، لأن القانون الدولي الإنساني يمنح العاملين، مبدئيا، حماية قانونية ويؤكد أن المساعدات الإنسانية لا يجب أن تكون مشروطة أو أداة للمساومة، فهي واجب قانوني وأخلاقي. على سبيل المثال، يتيح القانون الدولي لـ"أطباء بلا حدود" استيراد المواد والتنقل بحرية قدر الإمكان حسب الأوضاع الأمنية.

أما خارج حالات الحرب، فيخضع العمل الإنساني للقوانين الوطنية، ولا يكون للقانون الدولي دور مباشر. لكن في زمن الحرب، يعتمد العاملون على القانون الإنساني، ويشعرون بالإحباط الشديد عندما يرون أن الجهات المسؤولة عن تطبيقه تتغاضى عنه.

* كيف يتأثر العاملون الإنسانيون بإضعاف القانون الدولي؟

- إن الهجمات وقتل العاملين في المجال الإنساني تعكس هذا الاحتقار للقانون الدولي الذي يمارسه المسؤولون الإسرائيليون. بشكل عام، القانون غالبا ما يُحتقر من قبل الأقوياء، ويُحترم من قبل الضعفاء لأنه يوفر بعض التوازن في القوة، ولو بشكل محدود. والعاملون الإنسانيون هم بطبيعتهم ضعفاء أمام القوى على الأرض، والقانون الإنساني يفترض أن يحميهم، لكن الواقع يظهر أن هذا يحدث نادرا، وخصوصا في غزة.

* هل سترفع دعاوى قضائية ضد إسرائيل من جانب العاملين في الحقل الإنساني؟

- لا أملك الخبرة الكافية في التفاصيل القانونية للإجابة عن ذلك بدقة. ومع ذلك، هناك مؤشرات ليس على المصادر القانونية، ولكن على التطبيق الفعلي للقانون. على سبيل المثال، ما يُسمى "إعادة إعمار غزة" هو مصطلح مضلل، إذ لم تعد هناك شوارع أو أحياء أو موانئ، بل فقط أنقاض، ولا يمكن إعادة بناء أنقاض.

أ.ف.ب
روني برومان، يشير إلى خريطة تظهر المكان الذي اختُطف فيه عشرة من أعضاء المنظمة في الصومال، باريس في 24 يناير 1987

كما أن المساعدات المالية الضخمة المخصصة لإعادة الإعمار من بعض الدول لا تشمل الإسرائيليين، رغم أنهم المسؤولون الرئيسون عن دمار كل شيء في غزة. هذا يعكس بوضوح حالة الإفلات من العقاب التي تتمتع بها إسرائيل، وكيف يعيق هذا الاستثناء أي إمكانية للمساءلة أو الملاحقات القانونية أو التعويض عن الخسائر.

* بالانتقال للحديث عن العلاقة بين العمل الإنساني والسياسة، ما خلاصاتكم هنا؟

- لطالما دافعت عن استقلالية العمل الإنساني، رغم أن هذه الاستقلالية نسبية جدا. ففي الواقع، عندما نعمل في بلد ما، نظل تابعين للسلطات المحلية ونعتمد على موافقتها لإتمام عملنا. لذلك من المستحيل الهروب تماما من المنطق السياسي، لأن السلطات تمارس السياسة بطبيعتها.

في غزة يوجد نوعان من السلطات. من جهة، سلطة "حماس"، ومن جهة أخرى، سلطة الإسرائيليين بصفتهم القوة المحتلة. وفي الواقع نحن لا نستطيع العمل من دون نوع من التبعية للقيادة العسكرية الإسرائيلية التي يدير مكتب تابع لها أنشطة المنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية في غزة والضفة الغربية. وغالبا ما توجه لنا انتقادات حادة تتعلق بنقص الحياد، خصوصا عندما نتحدث عن المجازر أو الإبادة. فهم يعتبرون أن استخدام هذه المصطلحات يوحي بنية قتل متعمدة، وليس مجرد تسليط الضوء على معاناة الحرب.

لذلك، فإن علاقتنا مع هذه السلطات سياسية إلى حد ما، لأن إسرائيل لديها مصلحة في وجود منظمات إنسانية في غزة. ولذلك نحن في غزة نخدم بطريقة غير مباشرة بعض المصالح الإسرائيلية، ويجب قبول هذه الحقيقة، لأنها تنطبق في كل مكان، سواء في الكونغو أو السودان أو ميانمار… بغض النظر عن الظروف، هذا هو الواقع.

الامتناع عن الكلام يتيح للإسرائيليين تبرير أعمالهم بمفاهيم مثل "الدفاع المشروع" أو "الهجمات المستهدفة" أو "ضرورة مواجهة تهديد وجودي"

لكن تحمل مسؤولية حرية التعبير وانتقادنا علنا للحقائق التي نشهد عليها مثل المجازر الجماعية، وعرقلة المساعدات الإنسانية، واستخدام الأسلحة العشوائية، والهجمات على المدنيين أو البنية التحتية الطبية، كل ذلك يضعنا في حالة توتر مع السلطات. فالتنديد بانتهاكات القانون الدولي الإنساني المستمرة، مع سرد مفصل للهجمات على المستشفيات والمدنيين، يؤدي بطبيعة الحال إلى احتكاك مع الإسرائيليين.

إذن نحن نعمل ضمن هذه الاستقلالية النسبية في اتخاذ القرار والتعبير العلني. نحن نقوم بفعل سياسي، ولكنها سياسة ضحايا الحرب، وليس السلطات. ولهذا السبب، العلاقة بين العمل الإنساني والسياسة هي علاقة غامضة. ومع ذلك، يبقى هدفنا هو التحرر من سلطة الإرادة الحكومية، وإدارة العمل الإنساني وفق أولوياتنا الخاصة، مع احترام وتيرة وقيود العمل المفروضة محليا.

باختصار، لا يمكن القول إننا لا نمارس السياسة، لكن السياسة التي نقوم بها مصممة لخدمة مصالح ضحايا الحرب، وليس مصالح المتقاتلين.

* هل يجب على الفاعلين في المجال الإنساني أن يتخذوا موقفا إزاء ما يحدث أثناء النزاعات أم أن يظلوا محايدين؟

- من المهم أولا التمييز بين ما يُقصد بالحياد. أنا من أنصار مفهوم صارم جدا للحياد. هناك في العموم مفهومان للحياد، وغالبا ما يُتجاهل هذا الأمر: الحياد في زمن الحرب، والحياد العام، ويشمل حتى فترات السلم. حياد زمن الحرب يعني الامتناع عن تقديم أي موارد مادية للمتقاتلين، بغض النظر عن مكان عملنا. وهذا يعني عدم تقديم معلومات أو مواد أو أي دعم آخر لأي طرف من أطراف النزاع. أعتقد أن من الضروري التأكيد على هذا المبدأ وتكراره لضمان وضوحه التام.

هناك بعد ذلك تصور أوسع للحياد، يقوم على الامتناع عن التعبير العلني في إطار الخلافات السياسية أو الدينية أو العرقية أو الفلسفية. هذا النوع من الحياد أرفضه. فالسكوت عادة ما يترك المجال للسلطة لتفرض روايتها. وبالتالي، الحياد القائم على الصمت يخدم في الحقيقة الطرف الأقوى.

على سبيل المثال، في حالة الجرائم ضد الإنسانية في غزة أو الضفة الغربية، فإن الامتناع عن الكلام يتيح للإسرائيليين تبرير أعمالهم بمفاهيم مثل "الدفاع المشروع" أو "الهجمات المستهدفة" أو "ضرورة مواجهة تهديد وجودي". هذا الصمت يمنح الأقوى كل المبررات للاستمرار في ممارسة قوته على حساب الأضعف. في هذا السياق، لا يمثل الحياد أي موقف إنساني، بل هو مجرد مفهوم دبلوماسي. أي إن بعض الدول تعتمد الحياد بهدف أن تكون وسيطا بين المتقاتلين، كذلك اللجنة الدولية للصليب الأحمر، التي تعمل بموجب وضعها القانوني كوسيط محايد. ويمكن فهم هذا التكتّم. لكننا كفاعلين في المجتمع المدني، لدينا الحق الكامل في التعبير عن استنكارنا وغضبنا، ومحاولة إعادة التوازن أو إتاحة مساحة أكبر للرواية الإنسانية حول الحرب. وفي غزة، تصبح هذه المسؤولية أكبر، لأننا الأجانب الوحيدون ومع الأمم المتحدة نعد من القلائل الموجودين على الأرض، إذ لا يوجد أي صحافي أو زائر غير العاملين الإنسانيين، وبالتالي رفض التعبير علنا يعني قبولا ضمنيا بأن يتحدث الأقوى، أي الإسرائيليين، مكاننا.

هذه الملاحظة ليست خاصة بغزة وحسب؛ هو تفكير يعود إلى ما قبل أربعين عاما، إلى زمن المجاعة في إثيوبيا وحالات التحويل الكبرى للمساعدات من أجل تنظيم ترحيل سكان شمال البلاد. وكانت الحكومة تقول: انظروا، لا أحد يحتجّ، كل شيء يسير على ما يرام، وأموالكم تُستعمل بشكل جيّد، ونحن نُعِدّ للمستقبل، بينما كان الأمر في الحقيقة مجزرة حقيقية.

وعندما تكلّمنا، اتُّهمنا بخرق مبدأ الحياد. حسنا، إذا كان هذا هو الحياد، فإن الحياد ليس مفهوما إنسانيا، بل هو مفهوم دبلوماسي وسياسي، ولا علاقة لنا به.

* ألا ترون أن حرب غزة تمثل نهاية القانون الدولي، وربما في الوقت نفسه نهاية العمل الإنساني بالمعنى التقليدي للكلمة، في ظل المجزرة التي تبدو وكأنها تفرض حدودا لا يمكن تجاوزها أمام العمل الإنساني؟

- لا أقول ذلك بهذه الطريقة تماما. فمن جهة، القول بنهاية القانون الدولي يظل احتمالا قائما، لكن المستقبل وحده هو من سيؤكد ذلك أو ينفيه، ولذلك أبقى حذرا في هذا الشأن. غير أن الحديث عن تقاعس المجتمع الدولي يقلل في الواقع من حقيقة ما جرى. على سبيل المثال، قرار عدم تعليق البند رقم 2 من اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، وهو بند ينص على احترام المبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان. هذه الاتفاقية هي اتفاقية للتبادل الحر بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي، أي مع شريكها التجاري الأكبر، والذي يمثل أيضا أكبر سوق في العالم. إن الإبقاء على هذه الاتفاقية، ورفض مناقشتها بجدية لفترة طويلة، رغم وجود تطور محدود مؤخرا، يعكس رفضا مستمرا لاتخاذ موقف حقيقي.

العقلية الإمبريالية ظهرت من دون كوابح عمليا خلال الحرب على ليبيا عام 2011، من خلال اختلاق مبررات مثل الادعاء بوجود إبادة وشيكة في بنغازي

ثانيا، جرى الخلط بشكل منهجي بين الدعوة إلى فرض عقوبات وبين معاداة السامية، مما أدى إلى تجريم أخلاقي حتى لفكرة العقوبات نفسها، رغم أن الوضع القائم كان يفرضها. كل ذلك، إلى جانب عناصر أخرى كثيرة، يكشف عن عملية تطبيع لوضع إسرائيل، من خلال إدماجها في الفضاءات الأوروبية الرياضية أو الفنية، بما يجعلها تُعامل كقوة أوروبية، مع إعفائها في الوقت ذاته من الالتزامات المتعلقة بحقوق الإنسان التي تُفرض على الدول الأوروبية.

ومع ذلك، تظل إسرائيل قوة احتلال واستعمار وتدمير، ولا مكان لأي من ذلك في النظام الدولي المعاصر، على الأقل منذ نهاية الحقبة الاستعمارية رسميا. وعليه، فإن أوروبا لم تكن غير فاعلة، بل كانت فاعلة بشكل سلبي. ومن وجهة نظري، فإن القانون الدولي يحتضر في أوروبا. والسؤال المطروح الآن هو ما إذا كان سيتمكن من النهوض من جديد أم لا. المستقبل وحده كفيل بالإجابة.

ومن المهم التأكيد على أن هذه الظاهرة لا تقتصر على غزة. ففي أوروبا تحديدا يتم خنق القانون الدولي، نتيجة الاستخفاف الذي تُظهره القوى الأوروبية تجاهه. لقد شهد العالم حروبا مروعة في أماكن أخرى، لكن نادرا ما شهدنا، إن لم يكن أبدا، حالة تُحطم فيها جميع الأرقام القياسية للقتل والتدمير في آن واحد: تدمير السجلات المدنية، والمباني العامة، ودور العبادة، والمواقع الثقافية، والمؤسسات التعليمية، والبنية التحتية، والأراضي الزراعية، وكل ما يسمح لمجتمع ما بالاستمرار. هذا التدمير الشامل غير مسبوق. وقد وافقت أوروبا على ذلك، ولا تزال تقبله.

وقد ألحق ذلك ضررا بالغا بالمصداقية السياسية والأخلاقية لأوروبا، وهي مصداقية كانت أصلا هشة، لكنها كانت لا تزال تحتفظ بوجود رمزي محدود. واليوم، يتعرض هذا الوجود لمزيد من الانهيار.

* بالنسبة لحدود العمل الإنساني

- هنا يجب الخروج من النظرة المثالية. فهناك عدد قليل جدا من البلدان التي يستطيع فيها العاملون في المجال الإنساني العمل دون قيود. وهذا في حد ذاته أمر طبيعي، إذ توجد حكومات، والعمل الإنساني يجب أن يخضع للقانون المحلي. كما ينبغي له أن يتحرر من إرثه الإمبريالي، الموروث من الحقبة الاستعمارية حين كان أحيانا يفرض منطقه الخاص.

أ.ف.ب
نساء فلسطينيات يستمعن إلى شرحٍ من إحدى موظفات منظمة "أطباء بلا حدود"، في عيادة بحي الرمال بمدينة غزة، عشية رأس السنة في 31 ديسمبر 2025

غير أن الحالة الإسرائيلية–الفلسطينية مختلفة، فالمشكلة هنا ليست في القانون المحلي، بل في القانون الدولي، الذي جرى تجاهله بشكل منهجي، ليس فقط من قبل إسرائيل، بل أيضا من قبل جميع من يدعمونها. وهذه هي الخطيئة الكبرى.

* تتحدثون عن نوع من العمل الإنساني تسمونه "العمل الإنساني الاستعماري"، هل هو حاضر دائما، وكيف يمكن تجاوزه؟

- لقد أدت حرب غزة إلى إعادة إبراز وجود مخيال استعماري لا يزال متجذرا في الغرب ما بعد الإمبريالي. هذا المخيال ليس جديدا، فقد ظهر بوضوح في القرن الحادي والعشرين، لا سيما خلال حرب العراق عام 2003، حين اخترعت الولايات المتحدة ذريعة لغزو بلد ما وإسقاط نظامه. آنذاك، كانت هناك عقلية إمبريالية، لكنها واجهت أيضا اعتراضات، حتى من داخل بعض الحكومات الغربية، فرنسا مثلا.

لكن هذه العقلية الإمبريالية ظهرت من دون كوابح عمليا خلال الحرب على ليبيا عام 2011، من خلال اختلاق مبررات مثل الادعاء بوجود إبادة وشيكة في بنغازي. ويتكرر هذا المنطق كذلك في "خطة السلام" التي طرحها ترمب، والتي وُضعت دون أي تشاور مع المعنيين الأساسيين، أي الفلسطينيين، تماما كما جرى عند إنشاء دولة إسرائيل من قبل الأمم المتحدة عام 1947 دون موافقتهم. وأخيرا فإن ما حصل في فنزويلا يعيد تأكيد المنطق الإمبريالي نفسه.

أعترف أنني ألوم نفسي لعدم الإشارة سابقا إلى غياب الدعم الأوروبي لـ"الأونروا"، باعتباره أحد الأخطاء الجسيمة

هذا الشعور بامتلاك العالم ليس دائم الحضور، لكنه يظهر في ظروف معينة، ولا يزال قويا. وهو يؤثر أيضا في المجال الإنساني. فعلى سبيل المثال، عندما تطلق المنظمات الإنسانية حملات تهدف إلى تغيير السلوكيات الاجتماعية أو الثقافية، حتى وإن كانت بنوايا حسنة، فإن هذه المبادرات قد تفتقر إلى الشرعية الاجتماعية والسياسية والثقافية، لأنها تصدر عن فاعلين خارجيين. وهذا ما وصفته في مجالات أخرى بـ"الرسالة الوعظية" للعمل الإنساني، وهي امتداد مباشر لعقلية إمبريالية، التي هي من مصادر العمل الإنساني المعاصر.

ولتجاوز ذلك، أرى مسارين أساسيين. الأول هو القيام بعمل نقدي عميق حول جذور العمل الإنساني وممارساته وحدوده. أما الثاني فهو تدويل المنظمات الإنسانية، وهو مسار قائم بالفعل. فاليوم، تختلف الجمعيات العامة أو مؤتمرات منظمات مثل "أطباء بلا حدود" جذريا عما كانت عليه في ثمانينات القرن الماضي: نرى تنوعا كبيرا في الأصول واللغات واللهجات والمظاهر. هذا الطابع الكوزموبوليتي للعمل الإنساني هو، برأيي، الرد الأكثر ملاءمة على استمرار المخيال الاستعماري.

وبالتالي، فإن التفكير النقدي، والمراجعة الذاتية، ومواصلة عملية التدويل على جميع المستويات، سواء القيادية أو الميدانية، تشكل أفضل السبل أمام العمل الإنساني لمقاومة هذه النزعة الاستعمارية.

* هل تُؤخذ مسألة الصحة النفسية لسكان غزة على محمل الجد اليوم؟ هل يجري النقاش حولها بشكل فعلي؟ وهل ستكون هناك مهام أو أعمال مخصصة لهذا الملف؟

- نعم، يتم الحديث عن هذا الموضوع كثيرا. أولا، لأن الصحة النفسية في سياق العنف الشديد أصبحت مسألة محورية، خاصة ما يتعلق باضطراب ما بعد الصدمة وكل ما يدور في فلكه. هذه القضايا باتت تحتل مكانة مهمة في المساعدات الدولية والإنسانية لكننا نتحدث هنا عن نحو مليوني شخص خضعوا، لأكثر من عامين، لضغط نفسي وعنف متواصلين، وبشدة لا مثيل لها في أي مكان آخر. ما هي نسبة هؤلاء الذين سيتأثرون بعمق إلى درجة تستدعي رعاية نفسية متخصصة؟ اليوم، من المستحيل تحديد ذلك. حتى على مستوى ما يُسمّى مرحلة ما بعد النزاع- علما أنني لا أعتقد أننا وصلنا فعلا إلى مرحلة ما بعد النزاع.

أ.ف.ب
عضوة في منظمة "أطباء بلا حدود" تتحدث مع طفلة تلون كتاب في عيادة بحي الرمال بمدينة غزة في 31 ديسمبر 2025

نحن لا نزال داخل النزاع. فقد سقط مئات القتلى والجرحى منذ وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر/تشرين الأول. ففي أفضل الأحوال، نحن أمام هدنة مؤقتة أو تعليق نسبي لأعمال العنف. ولا يوجد أي مؤشر على الدخول في مسار تهدئة حقيقي، لأن الأسباب الجذرية لهذه الحرب، الاحتلال، الاستيطان، ونظام يمكن تشبيهه بالفصل العنصري، لم تتم معالجتها.

أعود إلى هذه النقطة لأن السؤال الذي تطرحونه غالبا ما يُناقش في نهاية النزاعات، حين يسمح حدّ أدنى من الهدوء بالتطرق إلى هذه القضايا النفسية وأخذها بعين الاعتبار. أما اليوم، فلا نعرف إلى أين نتجه، ولا يوجد ما يدعو للتفاؤل بشأن المرحلة المقبلة. ومع ذلك، وللإجابة المباشرة عن سؤالك: نعم، القلق بشأن الاضطرابات النفسية الناتجة عن هذه الحرب حاضر بقوة في أذهان من يخططون للمساعدات الإنسانية.

* فيما يخص التمويل، فقد رأينا مؤخرا ما حدث مع وكالة "الأونروا"، وهذا يطرح بوضوح مسألة الصعوبات المستقبلية في تمويل المنظمات الإنسانية، سواء التابعة للأمم المتحدة أو المنظمات غير الحكومية...

- نعم، بالتأكيد. وأعترف أنني ألوم نفسي لعدم الإشارة سابقا إلى غياب الدعم الأوروبي لـ"الأونروا"، باعتباره أحد الأخطاء الجسيمة. فقد قبلت غالبية الدول اتهامات إسرائيلية غير مثبتة، بدافع عدم إغضاب الولايات المتحدة أو إسرائيل. مشكلات التمويل مرشحة لأن تكون كبيرة جدا. في منظمة "أطباء بلا حدود"، لسنا متأثرين بشكل مباشر، لأننا نعتمد في تمويلنا حصريا على تبرعات الجمهور، من دون أي تمويل حكومي، حرصا على الاستقلالية. لكن معظم شركائنا، مثل منظمة الصحة العالمية، والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وبرنامج الغذاء العالمي، إضافة إلى منظمات غير حكومية عديدة كـ"العمل ضد الجوع" و"سوليداريتيه"، يتأثرون بشدة جراء الاقتطاعات المالية.

خطابات العنف، وخطابات الهوية تجد مساحة أكبر للانتشار وكسب أرضية. وهذا صحيح أيضا فيما يتعلق بالمهاجرين

وهذا يعني أن الكثير من الأنشطة الأساسية، مثل توزيع المياه أو التكفل بالرعاية النفسية في مخيمات اللاجئين أو مناطق النزاع، أصبحت مهددة. هذه الأعمال كانت تُنظم بشكل جماعي، مع تقاسم للمهام. وعندما يتوقف بعض الفاعلين بسبب نقص التمويل، تضطر منظمات أخرى، مثل "أطباء بلا حدود"، إلى التعويض، لكن ذلك له حدود. فالمهام تصبح أكثر كلفة، والموارد تتناقص، والصعوبات تتفاقم.

ثم هناك، إضافة إلى الجوانب المادية، مسألة شرعية العمل الإنساني. فعندما يتم قطع التمويل، يصبح المرء، بطريقة ما، شبه مُجبر على البحث عن طرف يحمله المسؤولية. وبالتالي فإن العمل الإنساني يتعرض لنوع من تراجع الشرعية نتيجة هذه الاقتطاعات في التمويل.

وهذا يعني أن خطابات العنف، وخطابات الهوية تجد مساحة أكبر للانتشار وكسب أرضية. وهذا صحيح أيضا فيما يتعلق بالمهاجرين.

في أوروبا، نرى ذلك في كل مكان. السياسات تزداد تشددا، وتقليص التمويل الإنساني وتشديد السياسات المعادية للهجرة هما ظاهرتان تنبعان من حالة ذهنية واحدة. قد لا تكون متطابقة تماما، لكنها تنتمي إلى المنظومة الفكرية نفسها.

لذلك أعتقد أن العاملين في المجال الإنساني يمرون بمرحلة، صعبة فعلا في الوقت الراهن. وأن السبب في ذلك، إذا جاز القول، ليس غزة بقدر ما هي السياسة التي ينتهجها دونالد ترمب.

font change