حرب ترمب على "الإخوان المسلمين"... من الاحتواء الى التفكيك

لفهم جذور التحول الدراماتيكي، لا بد من العودة إلى العقيدة الأمنية التي حكمت واشنطن لسنوات طويلة

أندريه كوجوكارو
أندريه كوجوكارو

حرب ترمب على "الإخوان المسلمين"... من الاحتواء الى التفكيك

يظل مصطلح "القفص الحديدي" لماكس فيبر الاستعارة السوسيولوجية الأكثر مناسبة لوصف مأزق الحداثة، حيث تحاصر النظم العقلانية الفرد والمؤسسة بلا فكاك، وتجرد العالم من سحره لتخضعه لمنطق اللوائح والقوانين الصارمة. واليوم، وبعد مرور أكثر من قرن على هذه النظرة الاستشرافية، يبدو أن المفهوم الفيبري هو الأداة التحليلية الأدق، وربما الوحيدة، لتوصيف ما يواجهه تيار الإسلام السياسي في الولايات المتحدة.

في مقال سابق نشرته في "المجلة"، تناولتُ ما أسميته أزمة السيولة الأيديولوجية التي تعصف بجماعة "الإخوان المسلمين" من الداخل، وكيف أدى فقدان البوصلة الفكرية، وغياب الكاريزما القيادية، إلى حالة من التشظي التنظيمي غير المسبوق. كانت تلك قراءة في أزمة الذات واضطراب الهوية الداخلية. لكن، وبينما تنشغل الجماعة بمحاولة ترميم بيتها المتصدع، تشير المعطيات المتسارعة في واشنطن والولايات الجمهورية إلى أن العاصفة القادمة من الخارج ستكون أشد وطأة، وربما أكثر حسما لمصيرها الوجودي من أي انشقاق داخلي.

نحن نشهد اليوم تحولا بنيويا في استراتيجية الدولة الأميركية العميقة، يتمثل في الانتقال من مرحلة الاحتواء السياسي التي سادت لعقود تحت مظلة التعددية الثقافية والحريات الدينية، إلى مرحلة التفكيك المؤسسي عبر أدوات القانون والأمن القومي. هذا التحول ليس مجرد حدث سياسي عابر يرتبط بإدارة أو أخرى، بل هو إعادة هندسة شاملة للعلاقة بين الدولة والمجتمعات المسلمة المنظمة، مستندة للمفارقة إلى معايير أمنية طالما روج لها بعض الحلفاء العرب، لتلتحق واشنطن متأخرة بركب الإجراءات الأوروبية الصارمة التي بدأت في فيينا وباريس.

وصنفت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالفعل فروع جماعة "الإخوان المسلمين" في مصر والأردن ولبنان "منظمات إرهابية"، وفرضت عقوبات عليها وعلى أعضائها، متعهدة بـ باستخدام جميع الأدوات المتاحة لديها من أجل حرمان هذه الفروع من موارد الانخراط في الإرهاب.

من الانخراط إلى التجريم... تلاشي خطوط التمايز

لفهم جذور هذا التحول الدراماتيكي، لا بد من العودة قليلا إلى الوراء لتفكيك العقيدة الأمنية التي حكمت واشنطن لسنوات طويلة، وتحديدا في مرحلة ما بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، وحتى ذروة "الربيع العربي"، حيث نظرت العواصم الغربية إلى التحذيرات الصادرة من حلفائها العرب في المنطقة بشأن خطورة جماعة "الإخوان المسلمين" بشيء من الارتياب والشك، وغالبا ما كانت تفسرها في سياق الخصومة السياسية الإقليمية.

دفعت تحولات ما بعد عام 2011، وما تبعها من فوضى إقليمية، المؤسسة الأمنية الأميركية لإعادة النظر في تشخيصها، والاقتراب من تشخيص الحلفاء العرب القائل بأن وحدة المنشأ تعني وحدة المصير

كانت واشنطن، مدفوعة بنظريات أكاديمية ليبرالية، تفصل منهجيا بين الإرهاب العنيف المتمثل في تنظيمات مثل "القاعدة" و"داعش"، وبين الإسلام السياسي المتمثل في "الإخوان المسلمين". سادت قناعة في دوائر الخارجية الأميركية ومراكز الأبحاث الديمقراطية بأن "الإخوان المسلمين" يمثلون حائط صد ضد التطرف العنيف، وأن استيعابهم داخل النظام الديمقراطي هو الحل الأمثل لتفريغ طاقة الشارع المسلم.

ولم يكن هذا الطرح مجرد افتراض نظري، بل تبلور كعقيدة سياسية راسخة عُرفت في أروقة واشنطن بـ "سياسة الانخراط". فقد آمن صناع القرار لسنوات - تأسيساً على أدبيات مراكز الأبحاث وخطاب الخارجية الأميركية منذ مطلع التسعينات - أن للولايات المتحدة مصلحة استراتيجية في استيعاب جماعة "الإخوان" كجدار عازل أمام التطرف العنيف، طالما التزمت الجماعة شكلياً بآليات الديمقراطية.

هذه الصفقة الضمنية لم تكن سراً، بل تحولت إلى مسار سياسي ملموس؛ حيث رأت واشنطن في بعض الشخصيات والكيانات، نماذج لما أسمته ببناة الجسور القادرين على مواءمة الإسلام مع المصالح الأميركية.

وبناءً على توجيهات استراتيجية رأت في "الإخوان" القوة القادمة، اندفعت الإدارات المتعاقبة لدعمهم انطلاقاً من برغماتية مزدوجة: الأولى، التخلي عن دعم الاستقرار السلطوي لصالح ركوب موجة الحراك الشعبي، والثانية، القناعة الراسخة بأن هذا التيار هو الوحيد الذي يمتلك الشارع والقدرة التنظيمية لملء الفراغ السياسي.

أندريه كوجوكارو

 بناء على هذه الرؤية، فُتحت الأبواب لمنظمات مثل "مجلس العلاقات الأميركية – الاسلامية" (كير) لتكون محاورا رسميا، وشريكا في برامج التوعية ومكافحة التطرف، وغضت الطرف عن الجدل الدائر حول جذورها التاريخية. يشار إلى أن "كير" تنفي أي علاقة لها بـ"الاخوان المسلمين".

ما يحدث اليوم هو تراجع حاد لهذه النظرية لصالح السردية التي يتبناها محور واسع من الحلفاء العرب. لقد ارتفعت موثوقية التوصيفات الأمنية التي تقدمها هذه العواصم إلى درجة جعلت صانع القرار الأميركي، خاصة في المعسكر الجمهوري الصاعد، يتعامل معها بوصفها بيانات خبيرة ومعلومات أمنية وازنة، وليست مجرد مواقف سياسية ناجمة عن خصومات إقليمية.

لقد دفعت تحولات ما بعد عام 2011، وما تبعها من فوضى إقليمية، المؤسسة الأمنية الأميركية لإعادة النظر في تشخيصها، والاقتراب أكثر من التشخيص الذي يتبناه الحلفاء العرب القائل بأن وحدة المنشأ تعني وحدة المصير، وأن الفصل بين الدعوي والسياسي والجهادي هو فصل إجرائي وليس جوهريا، وأن الجماعة شبكة واحدة مترابطة جينياً.

استخدام مصطلح أجنبية لمنظمة أميركية النشأة، يعني نزع الشرعية الوطنية عنها. وأن الولاء الأيديولوجي المفترض لـ"الإخوان المسلمين" يغلب على الوضع القانوني كمؤسسة أميركية

وعليه، لا يمكن اختزال المشهد في أزمة منظمة "كير" فحسب؛ فالحراك الحالي يتجاوزها ليكون استكمالاً لمسار قانوني بدأ منذ محاكمة "مؤسسة الأرض المقدسة" عام 2007، التي كشفت وثائقها عن موقع المنظمة ضمن شبكة "الإخوان" ووصمتها بصفة المتآمر غير المتهم. هذا التحول الجذري، الذي دفع مكتب التحقيقات الفيدرالي لقطع علاقاته الرسمية بالمنظمة، يأتي متزامناً مع مراجعات عميقة داخل النسيج المسلم الأميركي نفسه.

فقد عززت التسريبات حول اجتماع فيلادلفيا عام 1993، الذي وثقت تسجيلاته الأمنية نقاشات بين المؤسسين لإنشاء مظلة مدنية توفر الغطاء السياسي للحركة وتلتف على إجراءات الملاحقة، قناعة سائدة بأن المنظمة نشأت كواجهة فئوية لا كمظلة جامعة. وهذا يفسر الاتهامات الموجهة لها بممارسة ترجيح ممنهج لكفة الإسلام السياسي الحركي وتهميش القوى العربية والمسلمة المستقلة. ولم يقف الأمر عند هذا الانحياز الأيديولوجي الداخلي، بل تعداه إلى التورط في الأجندات الإقليمية، وهو ما توّجته دولة الإمارات بإدراج المنظمة على قوائم الإرهاب عام 2014، مما رسخ صورتها كطرف فاعل في الخصومات السياسية بين الحكومات العربية بدلاً من الاكتفاء بدورها الحقوقي المجرد.

 هذا التقاطع في الرؤى منح السردية المناهضة للإسلام السياسي قوة معيارية في واشنطن. لم تعد الأسئلة المطروحة تدور حول الديمقراطية أو الاندماج، بل أصبحت تتبنى السؤال العربي الصارم حول الجينات التنظيمية لهذا الكيان. الإجابة على هذا السؤال هي التي مهدت الطريق لما نشهده حاليا في ولايتي تكساس وفلوريدا.

تكساس وفلوريدا... هندسة العزل المكاني ونزع الغطاء الوطني

في الثامن عشر من نوفمبر/تشرين الثاني 2025، تحولت هذه القناعات النظرية إلى واقع قانوني صادم، يمكن وصفه بحقل تجارب للسياسات اليمينية. حيث أصدر حاكم ولاية تكساس، غريغ أبوت، أمرا تنفيذيا يصنف "مجلس العلاقات الإسلامية-الأميركية" (CAIR) وجماعة "الإخوان المسلمين" كمنظمات إرهابية أجنبية.

ولم يكد الحبر يجف على قرار تكساس، حتى لحقت بها ولاية فلوريدا في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2025، حيث أصدر الحاكم رون ديسانتيس الأمر التنفيذي رقم (25-244)، مستخدماً نفس التصنيف "منظمة إرهابية أجنبية". هذا التزامن يكشف عن تنسيق جمهوري عالي المستوى لتحويل الولايات الحمراء إلى بيئة طاردة لهذه الكيانات.

وأعلن فرع منظمة "كير" في فلوريدا خلال مؤتمر صحفي في تامبا رفع دعوى قضائية للطعن على القرار. ووصفت هبة رحيم المديرة التنفيذية المؤقتة للفرع قرار حاكم فلوريدا بأنه "تشهيري وغير دستوري". وقالت: "إلى حاكمنا: تصنيفك لا أساس له في القانون أو الواقع".

قد يبدو الخبر للوهلة الأولى مجرد مناكفة سياسية معتادة، لكن قراءة سوسيولوجية وقانونية متأنية  لقرار التصنيف، تكشف عن دلالات خطيرة، تعيد تعريف مفهوم المواطنة المؤسسية. الدلالة الأولى تتمثل في نزع الغطاء الوطني، فاستخدام مصطلح أجنبية لمنظمة أميركية النشأة ومسجلة رسميا منذ عام 1994، يعني نزع الشرعية الوطنية عنها. السلطة هنا تقرر أن الولاء الأيديولوجي المفترض لـ"الإخوان المسلمين" يغلب على الوضع القانوني كمؤسسة أميركية. إنها عملية تغريب ممنهجة، تحول المواطن المؤسسي إلى آخر دخيل، مما يسهّل استهدافه دون التقييدات الدستورية المعتادة التي تحمي الكيانات المحلية.

الدلالة الثانية، والأخطر، هي الحصار المكاني. فالأمر التنفيذي تضمن شقا إجرائيا يمنع هذه الكيانات من شراء أو تملك الأراضي في الولاية. بلغة علم الاجتماع الحضري، الدولة هنا تحرم الجماعة من الحيز المكاني اللازم للوجود. أما في فلوريدا، فقد اتخذ الحصار منحى بيروقراطياً أشرس، حيث نص الأمر التنفيذي صراحة على "حرمان أي شخص يقدم دعماً مادياً من الامتيازات أو الموارد"، وتوجيه الوكالات الحكومية لإنهاء أي تعاقدات، مما يعني تجفيفاً كاملاً للمنابع.

بينما تحاول الدولة وصم (CAIR) بالإرهاب بناء على ماهيتها وجذورها التاريخية، تستخدم المنظمة لغة الأرقام لإثبات شرعية وظيفتها كخط دفاع حقوقي

إنها لا تحارب الأفكار في الفضاء الافتراضي فحسب، بل تمنع التوطين المادي للجماعة، وتجعل وجودها المادي مستحيلا. هنا يتحول "القفص الحديدي" من مجرد مفهوم نظري عن ضغوط الحداثة، إلى جدران قانونية صلبة تمنع الجماعة من التنفس مكانيا ومالياً. فالسلطة في تكساس وفلوريدا لا تكتفي بنزع السحر الأيديولوجي عن الجماعة، بل تنزع عنها حيزها المادي، محولة القفص إلى أداة عزل مادي تمنع الكيان من أن يكون له مكان تحت الشمس، حرفيا ومجازيا.

عملياً، لا يعني هذا القرار مجرد تغيير في اللافتات؛ بل قد يمتد ليشمل تجميد الحسابات المصرفية للمكاتب الفرعية تحت بند "إدارة المخاطر"، وفسخ عقود الإيجار الحالية. نحن نتحدث عن شلل عملياتي كامل، يُجبر المنظمة على استنزاف مواردها في معارك لوجستية من أجل البقاء المادي، بدلاً من التفرغ لرسالتها الحقوقية، وهو ما يمثل تطبيقاً حرفياً لاستراتيجية "الخنق البيروقراطي" التي تجعل استمرار العمل شبه مستحيل دون قرار إغلاق رسمي.

يُضاف إلى ذلك توجيهات بالتحقيق في محاكم الشريعة المزعومة، وهو ما يفتح الباب لرقابة أمنية شاملة على المجتمع المسلم، حيث يصبح كل تجمع ديني أو تحكيم عائلي موضع شبهة أمنية، مما يخلق بيئة من الذعر الأخلاقي.

جدلية الوظيفة والماهية... هل تحمي الأرقام من التصنيف؟

المفارقة الأكثر إثارة للجدل تكمن في استراتيجية الدفاع التي تتبناها المنظمة. فبينما تحاول الدولة وصم (CAIR) بالإرهاب بناء على ماهيتها وجذورها التاريخية، تستخدم المنظمة لغة الأرقام لإثبات شرعية وظيفتها كخط دفاع حقوقي. تكشف البيانات الحديثة التي أصدرتها المنظمة عن انفجار إحصائي في المظالم، يعكس حاجة المجتمع المسلم الماسة لخدماتها.

ففي عام 2024، سجلت المنظمة رقما قياسيا بلغ 8,658 شكوى حقوقية على مستوى البلاد، بزيادة قدرها 7.4 في المئة عن العام السابق. ولإدراك حجم هذا التصاعد، يكفي النظر إلى نقطة الانعطاف التي بدأت مع أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، ففي الشهرين التاليين لاندلاع الحرب، قفزت الشكاوى بنسبة فلكية بلغت 172 في المئة مقارنة بنفس الفترة من العام السابق.

خلف هذه الأرقام الجامدة قصص إنسانية حية؛ فمن طالب جامعي في أوستن مهدد بالفصل لمجرد ارتدائه الكوفية، إلى موظفة محجبة تواجه الطرد التعسفي، تدخلت المنظمة في هذه الحالات لا بصفتها "جماعة سياسية"، بل كشركة محاماة مجتمعية. هذا الدور الوظيفي هو ما يجعل تفكيكها ليس مجرد قرار سياسي، بل عملية بتر لشبكة الأمان الوحيدة التي يعتمد عليها آلاف المسلمين الأميركيين في يومياتهم، مما يحول المنظمة إلى "أنبوب أكسجين" قانوني لا غنى عنه.

تحاول المنظمة توظيف هذه الأرقام لتقول ضمنا إن كيانا يعالج آلاف قضايا التمييز الوظيفي، وتجاوزات الشرطة في الجامعات، وجرائم الكراهية، لا يمكن أن يكون منظمة إرهابية. البيانات تشير أيضا إلى تحول نوعي، فلأول مرة، تصدرت قضايا التمييز الوظيفي القائمة بنسبة تجاوزت 15 في المئة، وقفزت الشكاوى المتعلقة بإنفاذ القانون والمواجهات مع الشرطة بنسبة تجاوزت 70 في المئة، وهو ما يعكس التوتر الهائل في الجامعات والاحتجاجات.

في خضم هذا الصراع الجيوسياسي، تحضر غزة كعامل تسريع حاسم. لا يمكن فصل الأرقام المتصاعدة لشكاوى الشرطة والتمييز في الجامعات الأميركية عن سياق الحرب

نحن أمام صراع بنيوي عميق: المنظمة تدافع عن وظيفتها كدرع حقوقي ضروري وهو ما تؤكده الأرقام والواقع، بينما الدولة تهاجم ماهيتها وهو ما تؤكده الأوامر التنفيذية. إنه تجسيد حي للمفهوم الفيبري لـ"القفص الحديدي"، صراع بين منطقين: منطق الرسالة الذي تتبناه المنظمة عبر خدماتها اليومية، ومنطق "القفص" الذي تمارسه الدولة عبر تصنيفاتها الجامدة. و"القفص الحديدي" بطبيعته لا يكترث للمعنى أو الخدمات الإنسانية (مهما بلغ حجمها)، بل يكترث فقط لمدى انضباط التروس داخل الآلة الأمنية.

هذا الانفصام يجعلها تبدو كمنظمة مزدحمة جدا بالعمل المدني اليومي، وفي الوقت نفسه محاصرة جدا بالتهم الأمنية الوجودية. إن نجاح الدولة في ضرب الماهية سيعني تلقائيا انهيار الوظيفة، مما يترك آلاف الضحايا بلا غطاء قانوني ومؤسسي يحميهم.

عولمة المعايير الأمنية... من فيينا إلى أوستن

لا يمكن قراءة ما يحدث في تكساس وفلوريدا وواشنطن العاصمة، بمعزل عن سياق جيوسياسي أوسع. يبدو أن الولايات المتحدة تلتحق وإن متأخرة بركب عولمة المعايير الأمنية في التعامل مع الإسلام السياسي، وهي الموجة التي بدأت أوروبياً.

أ ف ب
حسن البنا مؤسس "الإخوان المسلمين" في صورة تعود إلى 1929

ما يفعله الحاكمان الجمهوريان أبوت وديسانتيس، وما يطمح إليه الجمهوريون في الكونغرس، هو النسخة الأميركية لما فعلته النمسا عبر تأسيس "مركز توثيق الإسلام السياسي" وإطلاق خريطة الإسلام التي تحدد مواقع المنظمات المحسوبة على التيار، ولما فعلته فرنسا عبر قانون تعزيز مبادئ الجمهورية المعروف إعلاميا بـ"قانون الانفصالية" عام 2021.

في الحالتين الأوروبية والأميركية، المنهجية واحدة وهي الانتقال من الملاحقة الجنائية للأفراد التي تتطلب إثبات الجرم المادي، إلى الخنق الإداري للمؤسسات الذي يتطلب فقط إثبات الشبهة الأيديولوجية. في النمسا، تم حل جمعيات بناء على توجهاتها الفكرية، وفي فرنسا، طُلب من أئمة المساجد توقيع ميثاق مبادئ يحدد الولاء للدولة.

الدرس الأوروبي هنا بليغ؛ ففي النمسا وفرنسا، لم تتبخر المنظمات المستهدفة تماماً، بل تحولت إلى ما يمكن تسميته بـ"الكيانات الشبحية"، موجودة قانونياً لكنها مشلولة وظيفياً وصامتة سياسياً.

هذا السيناريو القاتم قد يدفع "كير" للتفكير في خيارات جذرية، بما في ذلك إعادة الهيكلة الكاملة أو حتى تغيير الاسم التجاري، في محاولة للهروب من "السمعة الملوثة" التي ألصقتها بها التصنيفات الجديدة، لتبدأ لعبة "القط والفأر" المؤسسية.

هذا التشابه والتطابق ليس صدفة، بل هو نتاج تلاقح أمني بين اليمين الغربي والمقاربات الأمنية في الشرق الأوسط، حيث أصبح تعريف الخطر لا يرتبط بمن يحمل السلاح كالإرهابي التقليدي، بل بمن يحمل المشروع الموازي للدولة أي الإرهابي المؤسسي.

غزة والفخ الجيوسياسي

في خضم هذا الصراع الجيوسياسي، تحضر غزة كعامل تسريع حاسم. لا يمكن فصل الأرقام المتصاعدة لشكاوى الشرطة والتمييز في الجامعات الأميركية عن سياق الحرب. لقد أصبحت غزة هي المحرك المولد لهذه الشكاوى، وفي الوقت نفسه هي الفخ الذي يستخدمه خصوم المنظمة لإثبات ولائها الخارجي.

فحينما تصدر "كير" بيانات تصف ما يجري بالإبادة الجماعية وتطالب بوقف تصدير السلاح، فهي تمارس دورها الطبيعي في الاستجابة لقاعدتها الجماهيرية الغاضبة.

على المستوى الداخلي، لم يكن هذا التصعيد خياراً ترفياً للقيادة؛ بل استجابة لضغط القواعد الشعبية التي هددت بالانفضاض عن المنظمة إن لزمت الصمت. وجدت "كير" نفسها بين المطرقة والسندان: إما الحفاظ على خطوط الاتصال التقليدية مع البيت الأبيض وخسارة الشارع، أو تبني غضب الشارع وخسارة النفوذ السياسي. وقد اختارت الثانية، في رهان وجودي على أن الشرعية الشعبية هي الحصن الأخير المتبقي لها في ظل العاصفة القادمة.

بالنظر لما يحصل للمنظمات المحسوبة على "الإخوان المسلمين" اليوم في الولايات المتحدة، فإن السؤال الأكثر إلحاحا في واشنطن اليوم ليس كيف نغلق هذه المنظمات، بل ماذا سيحدث بعد إغلاقها؟

لكن في نظر العقيدة الأمنية الجديدة في واشنطن، فإن هذا الانخراط العميق في السياسة الخارجية، وتبني خطاب يتصادم جذريا مع السياسة الأميركية، يُقرأ كدليل قاطع على أن المنظمة ليست حقوقية أميركية خالصة، بل هي فاعل سياسي ذو ولاء عابر للحدود.

كل شكوى توثقها المنظمة حول حرية التعبير لفلسطين تُقرأ في الضفة الأخرى كدليل على الراديكالية. وهكذا، تحولت الإحصاءات التي يفترض أن تكون درع حماية للمنظمة، إلى مؤشر إدانة في نظر اليمين الأميركي، الذي يرى في تسييس هذه القضايا دليلا إضافيا على أجندة "الإخوان المسلمين" الخفية.

"القفص الحديدي"... استحضار الخطيئة الأصلية في الكونغرس

بينما ينشغل المحامون في معالجة آلاف قضايا التمييز، يلوح في الأفق الخطر الوجودي الأكبر المتمثل في الهجوم التشريعي المزدوج الذي تشهده الدورة الـ119 الحالية للكونغرس (2025-2026). إذ لا نواجه مشروعاً واحداً، بل فكي كماشة تشريعية: الأول هو مشروع (H.R. 4097)  الذي يوجه وزير الخارجية للتحقيق في أهلية "كير" لتصنيفها منظمة إرهابية. أما الثاني، والأشد وطأة، فهو مشروع (H.R. 4397) الذي يلزم الرئيس الأميركي رسمياً بتصنيف جماعة "الإخوان المسلمين" كمنظمة إرهابية أجنبية.

وما يمنح هذا التحليل راهنيته القصوى، هو أن لجنة الشؤون الخارجية بالكونغرس تناقش هذه الملفات بالفعل في لحظة كتابة هذه السطور (3 ديسمبر 2025)، مما ينقل الحدث من أروقة التوقعات النظرية إلى طاولة القرار التشريعي المباشر.

بترا
وزير الداخلية الأردني مازن الفراية يعلن حظر نشاطات "جماعة الإخوان المسلمين" واعتبارها جمعية غير مشروعة، عمان، 23 أبريل 2025

خطورة هذا المشروع تكمن في منهجيته الاستقصائية. إنه يقفز فوق أرقام 2024 ونجاحات المنظمة الحالية، ليعود بالزمن إلى أرشيف 2007. المشرع الأميركي هنا يقرر بوضوح أن التقادم لا يسقط الانتماء الأيديولوجي. يستند المشروع في حيثياته بشكل مباشر إلى وثائق محاكمة "مؤسسة الأرض المقدسة" التي صنفت (CAIR) كشريك غير متهم.

من الناحية القانونية، يُعد هذا التصنيف إشكالياً للغاية؛ إذ استخدمته النيابة حينها كأداة إجرائية لتمرير أدلة سماعية، دون أن يُتاح للمنظمة حق الدفاع عن نفسها أو تفنيد التهم أمام محكمة. المفارقة أن هذا "الوصم الإجرائي" الذي لم يرقَ يوماً ليكون إدانة قضائية، تحول في السردية اليمينية إلى "حكم مؤبد"، يُستدعى اليوم بأثر رجعي لنسف ثلاثة عقود من العمل المؤسسي المتراكم، متجاهلاً التحولات الجذرية التي طرأت على بنية المنظمة وخطابها.

 لا تشفع للمجلس أرقامه القياسية في خدمة المجتمع، ولا كون تمويله الخارجي لا يتجاوز 1 في المئة حسب بياناته. ما يهم العقل الأمني الجديد هو الجينات التنظيمية والتمويل التأسيسي، حتى لو كان مبلغا زهيدا قبل ثلاثين عاما.

هذا التوجه نحو النبش التاريخي يتطابق تماما مع المنهجية التي تتبعها الدول العربية في تصنيف الجماعات، حيث العبرة بالجذور الفكرية لا باللافتات الحقوقية الحالية. الهدف هو إحكام قضبان "القفص الحديدي"، حيث تُستخدم البيروقراطية الباردة واللوائح الضريبية المجردة من المشاعر لخنق المنظمة. في هذا السياق، لا تواجه الدولة الفكرةَ بفكرة مضادة، بل تسحقها تحت وطأة الإجراء. إنها عملية ترشيد قسري، تُحوّل الخصومة السياسية الحية إلى ملفات إدارية ميتة، تجعل من بقاء المنظمة مستحيلا بيروقراطيا.

والضربة هنا مزدوجة، فهي لا تستهدف المنظمة فحسب، بل تستهدف المانحين، فعندما توضع المنظمة تحت الشبهة الفيدرالية، ينسحب الداعمون خوفا من الملاحقة القانونية، مما يؤدي إلى تجفيف المنابع ذاتيا.

مآلات ما بعد التنظيم... نحو راديكالية سائلة

بالنظر لما يحصل للمنظمات المحسوبة على "الإخوان المسلمين" اليوم في الولايات المتحدة، فإن السؤال الأكثر إلحاحا في واشنطن اليوم ليس كيف نغلق هذه المنظمات، بل ماذا سيحدث بعد إغلاقها؟

على الصعيد الاجتماعي، تلعب منظمات مثل "كير" دور المؤسسات الوسيطة التي تمتص الغضب المجتمعي وتعيد توجيهه في قنوات قانونية، مثل الشكاوى والمحاكم والضغط السياسي واللوبي.

ما يواجهه مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية اليوم يتجاوز كونه مكارثية جديدة كما يصفها المدافعون عنه. نحن أمام لحظة تاريخية تسقط فيها الاستثناءات، وتتعولم فيها المعايير الأمنية

إن تفكيك هذه الهياكل المؤسسية، ومنعها من العمل تحت الشمس، قد يؤدي إلى نتائج عكسية كارثية تتمثل في ظاهرة الراديكالية السائلة. فعندما تغلق المؤسسة، لا تتبخر المظلومية ولا يختفي الأفراد الغاضبون. ما يحدث هو أن الكتلة الجماهيرية تفقد بوصلتها التنظيمية، وتتجه إما نحو العمل السري، وإما نحو التطرف الفردي غير المنضبط مثل "الذئاب المنفردة".

إن استنساخ النموذج المطبق لدى بعض الحلفاء العرب في تجفيف المنابع قد ينجح في القضاء على الهياكل البيروقراطية لـ"الإخوان المسلمين" وكافة الامتدادات المؤسسية لفروع الجماعة، لكنه في السياق الأميركي ذي الطابع المؤسساتي الديمقراطي والمفتوح قد يخلق فراغا وظيفيا لا يمكن للدولة ملؤه. هذا الفراغ سيترك الساحة مفتوحة لسرديات أكثر حدة، لا تؤمن بالعمل الحقوقي، ولا بالنظام الدستوري، ولا بجدوى الاندماج الذي طالما دافعت عنه المنظمة.

فأفراد المجتمع- الذين قد لا يعون الخلفية الأيديولوجية للمؤسسات التي تجمعهم- سينظرون بحنق للسلطة التي تمنعهم من ممارسة حقوقهم المدنية كمواطنين يدفعون الضرائب ويحاولون رعاية شؤون الجالية وفق القانون.

هذا ما يعيدنا إلى مفهوم ماكس فيبر "القفص الحديدي" حيث تحاول الدولة ترشيد عمل المؤسسات بما يحفظ المصلحة الأمنية العليا، لتصطدم بنزع الحقوق المدنية عن فئة من المواطنين دون أن تتمكن من تقديم أدلة قانونية كافية لممارستها.

إن ما يواجهه مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية اليوم يتجاوز كونه مكارثية جديدة كما يصفها المدافعون عنه. نحن أمام لحظة تاريخية تسقط فيها الاستثناءات، وتتعولم فيها المعايير الأمنية. لقد نجحت ظلال الشرق والموثوقية العربية في اختراق جدار الصد الأميركي، وتلاشت خطوط التمايز بين ما هو إرهابي في الشرق الأوسط وما هو مدني في الغرب. المنظمة اليوم تواجه مصيرا يشبه الموت البيروقراطي، والمعركة لم تعد حول حماية الحقوق، بل حول تعريف العدو، ويبدو أن التعريف الذي يرى في "الإخوان المسلمين" خطرا وجوديا قد أصبح هو المعيار المعتمد، والمرجعية النهائية، في الولايات المتحدة الجديدة.

font change

مقالات ذات صلة