يظل مصطلح "القفص الحديدي" لماكس فيبر الاستعارة السوسيولوجية الأكثر مناسبة لوصف مأزق الحداثة، حيث تحاصر النظم العقلانية الفرد والمؤسسة بلا فكاك، وتجرد العالم من سحره لتخضعه لمنطق اللوائح والقوانين الصارمة. واليوم، وبعد مرور أكثر من قرن على هذه النظرة الاستشرافية، يبدو أن المفهوم الفيبري هو الأداة التحليلية الأدق، وربما الوحيدة، لتوصيف ما يواجهه تيار الإسلام السياسي في الولايات المتحدة.
في مقال سابق نشرته في "المجلة"، تناولتُ ما أسميته أزمة السيولة الأيديولوجية التي تعصف بجماعة "الإخوان المسلمين" من الداخل، وكيف أدى فقدان البوصلة الفكرية، وغياب الكاريزما القيادية، إلى حالة من التشظي التنظيمي غير المسبوق. كانت تلك قراءة في أزمة الذات واضطراب الهوية الداخلية. لكن، وبينما تنشغل الجماعة بمحاولة ترميم بيتها المتصدع، تشير المعطيات المتسارعة في واشنطن والولايات الجمهورية إلى أن العاصفة القادمة من الخارج ستكون أشد وطأة، وربما أكثر حسما لمصيرها الوجودي من أي انشقاق داخلي.
نحن نشهد اليوم تحولا بنيويا في استراتيجية الدولة الأميركية العميقة، يتمثل في الانتقال من مرحلة الاحتواء السياسي التي سادت لعقود تحت مظلة التعددية الثقافية والحريات الدينية، إلى مرحلة التفكيك المؤسسي عبر أدوات القانون والأمن القومي. هذا التحول ليس مجرد حدث سياسي عابر يرتبط بإدارة أو أخرى، بل هو إعادة هندسة شاملة للعلاقة بين الدولة والمجتمعات المسلمة المنظمة، مستندة للمفارقة إلى معايير أمنية طالما روج لها بعض الحلفاء العرب، لتلتحق واشنطن متأخرة بركب الإجراءات الأوروبية الصارمة التي بدأت في فيينا وباريس.
وصنفت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالفعل فروع جماعة "الإخوان المسلمين" في مصر والأردن ولبنان "منظمات إرهابية"، وفرضت عقوبات عليها وعلى أعضائها، متعهدة بـ باستخدام جميع الأدوات المتاحة لديها من أجل حرمان هذه الفروع من موارد الانخراط في الإرهاب.
من الانخراط إلى التجريم... تلاشي خطوط التمايز
لفهم جذور هذا التحول الدراماتيكي، لا بد من العودة قليلا إلى الوراء لتفكيك العقيدة الأمنية التي حكمت واشنطن لسنوات طويلة، وتحديدا في مرحلة ما بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، وحتى ذروة "الربيع العربي"، حيث نظرت العواصم الغربية إلى التحذيرات الصادرة من حلفائها العرب في المنطقة بشأن خطورة جماعة "الإخوان المسلمين" بشيء من الارتياب والشك، وغالبا ما كانت تفسرها في سياق الخصومة السياسية الإقليمية.


