الأردن والطريق الذي لم ننتبه إليه

كيف نمنع الأفكار الإقصائية من أن تتحول إلى منهج لتكوين الوعي

الأردن والطريق الذي لم ننتبه إليه

استمع إلى المقال دقيقة

في مطلع تسعينات القرن الماضي، كنت طالبا في الجناح المدني لجامعة مؤتة، وفي زمن كانت فيه الجامعة تعيش خصوصية مزدوجة، مدنية وعسكرية في آن واحد، وكان هذا التداخل جزءا من هوية المكان لا استثناء فيه، وفي تلك السنوات، أوائل التسعينات، لم تكن مادة الثقافة الإسلامية مادة عادية، ولا كتابها اختيارا أكاديميا محايدا، بل كان كتاب "معالم على الطريق" لسيد قطب مقررا رسميا، لا علينا نحن طلاب الجناح المدني فقط، بل أيضا على مرشحي الضباط في الجناح العسكري، وكان يدرّس في القاعات ذاتها التي يُبنى فيها الانضباط الصارم، ويُصاغ فيها وعي الدولة قبل أن تُحمل شاراتها.

ويومها لم نقرأ النص بوصفه وثيقة صدامية، ولا باعتباره بيانا إقصائيا، بل بوصفه مادة معرفية، تدخل المنهاج كما يدخل أي نص آخر، فنقرأ عن الجاهلية الحديثة، وعن الحاكمية، وعن الطليعة المؤمنة، دون أن نمتلك الأدوات النقدية الكافية لفهم الفارق بين نص كتبه صاحبه في لحظة قهر تاريخي، وبين تحويل هذا النص إلى إطار ذهني دائم لقراءة الدولة والمجتمع. كما لم نكن نعرف أن بعض الأفكار، حين تُزرع بلا سياق نقدي، قد لا تظهر آثارها مباشرة، لكنها تبقى كامنة، وتنتظر لحظة مناسبة لتعيد إنتاج نفسها في أشكال جديدة.

ولم يكن هذا المثال معزولا، بل جاء ضمن سياق أوسع، تسلل فيه الفكر الإخواني، بهدوء ومن دون ضجيج، إلى تفاصيل كثيرة من الحياة العامة في الأردن، بدءا من أخطر منظومة في أي دولة، وهي منظومة التعليم، حيث لا يتم تشكيل المعرفة فقط، بل تتبلور التصورات الأولى عن الدولة، والمجتمع، والشرعية، والاختلاف، وفي مراحل مفصلية من تاريخ الأردن الحديث، فقد أخطأت الدولة حين اعتقدت أن مجاراة التيار الإخواني في الخطاب الديني، أو حتى منافسته في ساحته نفسها، يمكن أن تكون أداة تحييد أو احتواء، فبدل أن تحمي المسافة بين الدين بوصفه قيمة مجتمعية، والسياسة بوصفها إدارة مصالح، انزلقت أحيانا إلى تبني لغة وعظية، وهو ما فتح المجال أمام الخلط، وأربك الحدود، ومنح الخطاب الإقصائي فرصة التمدد داخل مؤسسات يفترض أنها محايدة، وقد زرعت الدولة، من حيث لا تقصد ربما، خلايا مضادة لها في داخلها.

يمكن قراءة القرار الأميركي الأخير، لا بوصفه إجراء أمنيا فقط، بل باعتباره توصيفا سياسيا وفكريا لمسار طويل، مسار تعامل فيه الغرب طويلا مع "الإخوان" كتيار يمكن احتواؤه

واليوم، وبعد سنوات طويلة، وفي مفارقة لا يمكن تجاهل رمزيتها، وجدت نفسي أتابع خبر إعلان واشنطن إدراج جماعة "الإخوان المسلمين" ومشتقاتها التنظيمية على قوائم الإرهاب، بينما كنت أقود سيارتي في أحد أحياء عمّان الراقية، وأسترشد بنظام الملاحة الذي طلب مني الانعطاف يمينا إلى شارع يحمل اسما أعرفه جيدا، وهو شارع سيد قطب، وكانت لحظة قصيرة، لكنها بدت وكأنها تختصر مسارا كاملا، من قاعة محاضرات في الجنوب، إلى قرار دولي ثقيل، إلى اسم تم دسه شرعيا في جغرافيا المدينة وذاكرتها، وهو الغريب عنها بكل ما فيه من تفاصيل.

وليس المقصود هنا تحميل كتاب أو مفكر مسؤولية أفعال لاحقة، ولا اختزال تاريخ معقد في عنوان واحد، لكن من الصعب تجاهل أن سيد قطب لم يكن مجرد كاتب وعظي، بل كان صاحب تصور شامل يعيد تعريف العلاقة بين الدين والدولة والمجتمع، ففي "معالم على الطريق" لا يعود الخلاف سياسيا قابلا للتفاوض، بل يتحول إلى انقسام أخلاقي حاد، حيث يوصف المجتمع بالجاهلية، وتُنزع عن الدولة شرعيتها إلا بقدر اقترابها من نموذج عقدي محدد، وهذه ليست مجرد أفكار نظرية، بل بنية ذهنية مغلقة، تضع بذور القطيعة قبل أن تضع برامج الإصلاح.

لقد وجد هذا النمط من التفكير طريقه، بهدوء، إلى تنظيمات وحركات، وفي مقدمتها جماعة "الإخوان المسلمين"، التي حاولت طويلا تقديم نفسها بوصفها حركة إصلاحية سياسية قابلة للاندماج داخل الدولة الوطنية، غير أن التناقض ظل قائما في العمق، بين خطاب علني يتحدث بلغة المشاركة والمؤسسات، وخطاب فكري داخلي لم يحسم علاقته مع مفاهيم الحاكمية، والاصطفاف، والطليعة، ولم يكن هذا التناقض تفصيلا هامشيا، بل كان جزءا من بنية فكرية تسمح بالازدواجية، وتؤجل الحسم، وتبقي الباب مفتوحا أمام قراءة الدولة بوصفها خصما محتملا لا إطارا نهائيا.

ومن هنا أيضا يمكن قراءة القرار الأميركي الأخير، لا بوصفه إجراء أمنيا فقط، بل باعتباره توصيفا سياسيا وفكريا لمسار طويل، مسار تعامل فيه الغرب طويلا مع "الإخوان" كتيار يمكن احتواؤه، قبل أن يصل إلى قناعة تأخرت كثيرا بأن المشكلة ليست في الوسائل، بل في البنية الذهنية نفسها، وهي بنية لا تعترف بالدولة الوطنية كمرجعية نهائية، ولا ترى السياسة فنا للتسويات، بل ساحة اختبار دائم للنقاء والولاء، خصوصا أن تسريبات حديثة من واشنطن أكدت أن هناك شخصيات أردنية إخوانية من العيار الثقيل سيتم إعلانها على مستوى قوائم الأفراد، وحسب المصادر ذاتها فإن التحقيقات الأميركية كانت مكثفة واستمرت على مدار عامين وبأساليب غير مسبوقة "ومنفردة" بحيث تتجاوز التعاون التقليدي بين (أو مع) الأجهزة الأمنية.

إعادة فتح هذا النقاش ليست ترفا فكريا، بل ضرورة سياسية، لا لتجريم أفكار أو مصادرة كتب، بل لفهم كيف تتحول بعض النصوص، حين تُقرأ خارج سياقها، إلى عدسات مشوهة نرى بها الدولة والمجتمع

وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال ما تسرّب همسا في كواليس بعض اجتماعات إدارة الأزمات الأردنية على أعلى المستويات، من مواقف بدت، على الأقل، غير منسجمة مع الاتجاه العام للدولة، حيث نُقل أن إحدى الشخصيات السيادية المعنية بالسياسة الخارجية قد أبدت اعتراضا حادا على الذهاب بعيدا في مواجهة التيار الإخواني، وهو اعتراض أثار استغرابا واسعا داخل الدوائر نفسها، ليس فقط لأن اللحظة كانت حساسة، بل لأن الموقف بدا متناقضا مع شبكة العلاقات المعروفة لتلك الشخصية، ومع السياق الإقليمي الأوسع الذي يضغط باتجاه تحجيم الإسلام السياسي لا العكس، وهو ما يفتح، بهدوء ودون قفز إلى الاستنتاجات، باب التساؤل حول منطق المصلحة، وحدود التقدير، والفارق أحيانا بين الحساب الدبلوماسي، ومتطلبات الأمن الوطني في لحظات الانعطاف الكبرى.

علما أنه في الأردن، جاء التعامل– تاريخيا- متدرجا، وأحيانا مترددا، فالدولة لم تدخل في صدام شامل، ولم تصنع سردية مظلومية، لكنها في المقابل تأخرت في حسم علاقتها مع خطاب ديني سياسي كان يتوسع داخل التعليم، والمساجد، والنقابات، وأطر العمل العام في كل مؤسساته الرسمية، وحين جاء الحظر، لم يكن انفجارا مفاجئا، بل نهاية مسار طويل من المجاراة، انتهى حين بدا أن الغموض الفكري لم يعد مجرد اختلاف نظري، بل أصبح قابلا للتحول إلى تهديد للاستقرار العام.

المفارقة أن الفكر القطبي أو الإقصائي، الذي عرفناه في كتب قطب وغيره من المتطرفين، عاد اليوم بلغة أكثر نعومة، أقل دينية في ظاهرها، وأكثر أخلاقية في نبرتها، إذ يتحدث هذا الفكر وقد ارتدى ربطة العنق عن فساد المنظومة، وعن وعي القلة، وعن خواء المجتمع، والحقيقة أنه وإن تغيرت اللغة، لكن البنية بقيت واحدة، تتجلى باصطفاف حاد، ونزع للشرعية، وتحويل العمل السياسي إلى صراع أخلاقي لا يقبل الحلول الوسط.

ولهذا، فإن إعادة فتح هذا النقاش اليوم ليست ترفا فكريا، بل ضرورة سياسية، لا لتجريم أفكار أو مصادرة كتب، بل لفهم كيف تتحول بعض النصوص، حين تُقرأ خارج سياقها، إلى عدسات مشوهة نرى بها الدولة والمجتمع، فمن قاعة محاضرات في مؤتة، إلى شارع في عمّان، إلى قرار في واشنطن، يمتد خيط واحد، خيط يقول إن الأفكار لا تختفي، لكنها تنتظر اللحظة التي يُساء فيها فهمها أو يُساء استخدامها، وفي زمن إقليمي مضطرب كهذا، ربما يكون السؤال الأهم ليس في من نُدرج على القوائم، بل كيف نمنع الأفكار الإقصائية من أن تتحول مرة أخرى إلى منهج لتكوين الوعي، قبل أن تصبح مشروعا للصدام.

font change