طنين السؤال في "هذه ليست رصاصة" لـعبدالله ناصر

الأب الحاضر دوما ومجاز اللغة الشعرية

غلاف رواية "هذه ليست رصاصة"

طنين السؤال في "هذه ليست رصاصة" لـعبدالله ناصر

لو أراد الكاتب السعودي عبدالله ناصر أن يستمر في كتابة روايته الأولى "هذه ليست رصاصة" (دار الكرمة 2025) طوال حياته، لفعل... ألم يفعل ذلك أصلا؟ فالأب، لمن قرأ بإمعان تجربتيه القصصيتين "فن التخلي" (التنوير 2016)، و"العالق في يوم أحد" (التنوير 2019)، وكذلك نصوصه التأملية في مدونته - هو المحرك الحقيقي لنية الحكي ولذة القول السردي المتـهم بالشعر.

ولأن حضور الأب هو المعادل الحقيقي لجمال الحياة -بحسب تجربة ناصر- مثلت الكتابة عنه وله بعد غيابه ما يشبه النداء، بل النداء الأبدي، ولا أقول إن الكتابة عن الأب لدى الكاتب "مرثية"، ذلك أننا نرثي الغائب الحقيقي، بينما الأب حاضر أبدا في كل تفصيلة من تجربته الفنية، مما يدفع إلى الظن أن عبدالله ناصر لا يزال تحت وطأة صدمة رحيله، وهذا أحد أعظم أدوار الفن والكتابة: أن تكون محل إقامة، أو كرسي انتظار، يطول الوقت عليه ويقصر بطول الحياة نفسها، وقصرها.

سلطة المجاز

ولأن الأعمال الفنية لا بد أن تنتهي عند نقطة معينة مثل الحياة، انتهت رواية "هذه ليست رصاصة" بسرعة شديدة، تسربت صفحاتها من بين أصابعي كما يتسرب الماء، وأصبحت إعادة قراءتها هي الإمكان الوحيد لإتمامها كما ينبغي. إذ جاءت الرواية على هيئة ندبة، أو تنهيدة قلب، وكان من الطبيعي التعاطي معها منذ بدايتها على هيئة النص الشعري، وهذا حتمي مع لغة عبدالله ناصر. وكما نعلم، للشعر حالة قرائية مختلفة عن حالة قراءة السرد، فللمجاز سلطة مختلفة تماما عن سلطة السرد.

من هنا، فلغة النص الشعرية بطل حقيقي في الرواية، ولا نبالغ إن قلنا إنها محرك عضوي للأحداث، وضاغط شديد على الذائقة القرائية، وهذا هو تبرير السحر الذي يجعلنا نتعاطف مع تناقضات الشخصيات، ابتداء بشخصية الأب (البطل)، كما أن المجاز يقوم في مواضع كثيرة من العمل بمهمة ملء فراغات الحكاية.

ما اللغة الشعرية إلا غطاء جمالي لطبقات من التردد، بسبب أزمة الفقد، والأسئلة الكبرى جراء وجود حكاية غير مكتملة

هذا ما يجعل للرواية قراءتين متوازيتين: القراءة الشعرية المنشودة في ذاتها، لأن العمل لم يكتب بغرض التسلية والإمتاع، وإن كانت حاصلة بسبب الاعتناء بالجمال (اللغوي)، بل كتب تحت ضغط ونير الشوق الحقيقي للأب. في هذه المرة ليس من خلال التهويمات، كما فعل في بعض قصصه القصيرة، التي كانت تستدعي الأشياء والأماكن للتعبير عن فكرة تحيل في النهاية إلى فقد الأب، بل من خلال تتبع أثر حكاية أو حادثة تخص الأب بشكل مباشر، وهي حادثة إطلاقه الرصاص على رجل. ولعل وراء هذا القرار، وعيا حقيقيا لدى الكاتب بأن التجربة في الكتابة والفن في نهاية المطاف، هي الطريق للحضور الأدبي الحقيقي، المفروش بتوترات الحياة. لهذا عندما قلنا بداية: لو أراد عبدالله ناصر أن يستمر في كتابة روايته طوال حياته لفعل ذلك، فإنما انطلاقا من أن الوعي المر حتم عليه أن يختار هذا الطريق الفني، وهو ليس سهلا بالمرة، وما اللغة الشعرية إلا غطاء جمالي لطبقات من التردد، بسبب أزمة الفقد، والأسئلة الكبرى جراء وجود حكاية غير مكتملة.

غلاف "فن التخلي"

القراءة السردية

أما القراءة الثانية، فبالتأكيد هي القراءة السردية، أي قراءة الحكاية، من خلال حدثها المركزي، الذي كان في مرحلة ما مفقودا لدى السارد نفسه، ثم تداعيات الأحداث الأصغر شأنا، وصولا إلى الأحداث والحكايات التي تبدو من خارج النسق العام للرواية، مثل حكاية لوحة الناجي لرينيه ماغريت، والتي لا نستطيع ربطها بحكاية الأب بثقة، ولا فصلها تماما عنها، فلها دور فني وسردي هام، وهي الخيار الشجاع الذي اختاره الكاتب، أو الصورة الخلفية أو الذهنية للعمل، والتي منحت العمل بعده التناصي المجاور لأنواع التعبير الفني الأخرى، البعد الذي لطالما وجدناه في كلاسيكيات الرواية الحديثة.

Rene Magritte
لوحة رينيه ماغريت "الناجي"، (1950)

نشعر أحيانا أن الكاتب استخدم الحكاية الثقافية والنقدية عن الفن كمعين سردي، هدفه أن يدفع بعملية الكتابة إلى الأمام، ومن هنا وصف هذا الخيار بالشجاع، لأن بقاءه داخل العمل بعد قيامه بوظيفته كـمعين سردي ينتهي بكتابة متن الحكاية المركزية، لكن الكاتب اختار إبقاء هذا المعين حتى بعد الانتهاء من وظيفته أثناء زمن السرد، ليصاحب زمن الحكاية أيضا، لأنه رأى أن له وظيفة أخرى، وهي الاستراحة التأملية التي لا تخلو من التقاطع مع الحكاية الرئيسة للعمل، وسواء كان هذا التقاطع حقيقيا أو متخيلا فنيا، فلا شك في كونه مغامرة سردية، من نوع المغامرات التي تجعل العمل حديثا بالضرورة، أو تجعله ينتمي إلى سرديات الحداثة.

هذه القراءة السردية للرواية هي قراءة منقوصة، أو لنقل يتخللها النقص، ليس نقصا مجانيا، بل مقصودا، نستطيع أن نعرف من خلاله أن عبدالله ناصر يمارس فيه ألعابه المعتادة في التخلي عن نمطية الحكاية، وجريانها بشكل خطي، بمعنى أن هناك مبررا موضوعيا تحول مع تنامي العمل إلى مبرر فني، فنراه موضوعيا يحوم حول الحدث، أو يصف لنا لحظة اصطدام السارد به، أو يقوله بسرعة ثم يفر من وقع الحدث الصادم، ليذهب -بطبيعة الحال- إلى المجاز واللغة الشعرية، أو للحكمة وفصل الخطاب، لذلك نكون على يقين بأن القراءة السردية المسطحة للعمل غير كافية، ففي لحظة ما من القراءة سيكون من المنطقي أن تلتقي القراءتان وتتحولان إلى ضرورة، يتحقق من خلالهما المعنى في أمثل صورة، لذلك لست مع من يقول بتنحية المجاز عن العمل، ولا بالقراءة السردية المفردة للحكاية، لأن هذه القراءة ليست هدفا من أهداف صناعته أصلا.         

لماذا؟

يأخذنا غياب وغرابة الحكاية عن السارد، إلى منبت آخر من منابت الفن الأساسية داخل العمل، ألا وهو التفكير، فالعمل طريقة من طرق اكتشاف الحقيقة، والتفكير في سؤالها المنطقي: سؤال "لماذا؟"، ولاحقا محاولة تبريره، أو محاكمته من الداخل، وهنا لا يمكن أن تأخذنا المبالغة الإنسانوية الفجة في البحث عن المحاكمة الأخلاقية، وإن كان الكاتب اجتهد في نصب الفخاخ النصية بغرض تعميتها، باستخدام المجاز مرة والوصف السردي لشخصية الأب (البطل) مرة أخرى، ما نبحث عنه هو المحاكمة الفنية، لأنها كما يخبرنا تاريخ الفن، الطريقة الأجدى في المصالحة مع ويلات الحياة، وضرباتها الموجعة، ولعل المحاكمة الفنية هي الطريقة التي وجدها الكاتب أو تعثر بها أثناء تعرضه لضغط السؤال الأخلاقي، وذلك فور وصول نبأ الحادثة إلى مسامعه وهو في التاسعة من عمره: "لم أجفل قط من أبي حتى بعد سماعي بالحادثة".

كل ذلك يثبت أن الكتابة في أصلها طريقة بحث وتفكير، ورغبة ملحة في المعرفة واكتشاف الإجابات، وtd الأخص الإجابة عن سؤال "لماذا؟"

النفي هنا لا يمكن أن نفهمه خارج الرغبة في الهرب من منطقية إثبات الجفول من الأب، أو على الأقل التفكير في إثباته. وهو ما يمكن تبينه من خلال ملفوظات النص: "سمعت بالحادثة أول ما سمعت في التاسعة من عمري يوم كنت أسكن جنة الطفولة... ولما كان لكل منا إبليس لا يهدأ باله حتى يخرجنا من الجنة، فقد أسر لي أحد الأولاد بالحادثة". لنتأمل "جنة الطفولة"، ووصف الولد الذي نقل الى السارد الحادثة بإبليس الذي أخرجه من جنتها، وقد توصف الطفولة عموما بالجنة، لكن ورودها في هذا السياق، والاعتماد على لحظة سماع نبأ الحكاية كنقطة تحول للخروج من مرحلة الطفولة حيث اللهو وفراغ الخاطر، إلى مرحلة آلام الرجولة وتحمل أوجاعها الممتلئة بحكايات السلالة، كل ذلك يثبت أن الكتابة في أصلها طريقة بحث وتفكير، ورغبة ملحة في المعرفة واكتشاف الإجابات، وفي الأخص الإجابة عن سؤال "لماذا؟".

ولأن الرغبة في المعرفة تحدو العمل منذ بدايته، عقد السارد مع شخصيات العمل صفقة جمالية وعادلة في الوقت نفسه: جمالية لأنها استعملت اللطف اللغوي المتمثل في اللغة المجازية، وعادلة لأنها تتمتع بالأمانة لمكونات السرد، وأهمها الأمانة (الشجاعة) للحكاية الرئيسة. ومناط هذا العقد في فكرة بسيطة، كل من سيعطي السارد نتفة من نتف الحكاية، سيدخله السارد بدوره في تضاعيف حكاية الأب أو أسطورته إن شئنا ذلك. هنا تحديدا بدأ العمل ينضج فنيا، لأنه تحول إلى لعبة جادة مع عالم الحكاية، وكوّن لحظة انفصال مع الواقع، حتى غدت الحقائق مجرد ألعاب في يد السارد، يتحرك داخلها، مرة يتمويهها شعريا، ومرة بمساءلتها واقعيا، كما فعل مع الوثائق (دليل الأسلحة الإرشادي – صك الحكم – الآراء النقدية حول أعمال ماغريت...)، حتى غدا بحثه في نهاية المطاف بمثابة رسم جنائي للحادثة. هذا التشظي بين الحقائق وخيالات السارد، هو الطريق السليم إلى الصيغة الفنية المبررة لقول حكاية ما، وهذا ما يجب فعله عند كتابة رواية بالمعنى الدقيق، لكنه فن الرواية.

 

غلاف رواية "العالق في يوم أحد"

صفقة جمالية

ثم يأتي الدور المحوري للشخصيات في فرض وجودها الخير من عدمه، وتأتي قوة حضورها وموقعها من حكاية الأب، وقد كان من حظنا كقراء أن يفوز سعود ناجي بالمنزلة الأولى، فحكايته أو ترتيب فصله بين ترتيب حضور الشخصيات في العمل، جاء بارزا وفي محل بالغ الجمال، وأظن أن السارد قد كافأه وكافأنا بفصل فريد جماليا. لقد تفاعلت معه كشخصية من أجمل الشخصيات الروائية، بل إن الفصل الخاص بحكاية سعود ناجي يعلو عندي إلى مرتبة عليا جماليا وحكائيا، ادخر فيه عبدالله ناصر معرفته بفن الحكي، وجماليات لغته الشفيفة، في سرد حكاية أسطورية مثل تلك التي نطالعها في أدب المغامرات المليئة بالمؤانسة والإمتاع، وأعطاه من روح بطل العمل (الأب) ما يعطيه الرجل لنفسه لو كانت النفس تنقسم نفسين. كما أعطاه من النص مزية الجمال الإنساني البكر، الذي نجده في شخصيات الأدب الرفيعة، من طهارة النفس، وجمال المنطق، وقوة التأثير. فالنقص (العين الزجاجية) جاء على شكل كمال في الرؤية، وهشاشة الروح (تسلية الطفل) حضر بلا تضعضع في المنزلة، بالنسبة لشخصية الأب طبعا، الذي سنراه يعاف العالم بعد رحيل صديقه سعود ناجي، وكأنه عنده بمنزلة الحياة الجميلة والهانئة، الحياة ذاتها التي خسرها السارد حينما خسر أباه.

عودا إلى الصفقة الجمالية، سنلاحظ أن فصل الأم تأخر إلى الفصل الأخير من الرواية، نزولا عند ضغط العقد الضمني بين السارد والشخصيات. ذلك لأن الأم لم تبح بشيء ملموس يخدم الحكاية، هذا إذا ما استثنينا قراءة السارد للحكايات والأوجاع في عينيها، وفي تصرفاتها البطولية اللاحقة، التي حمت الجميع من الدم الذي كان من الممكن أن يخلفه حضور الرصاص، والذي برر لاحقا تسمية العمل (المتشككة) بذكاء وجمال، في كون الرصاصة لم تكن رصاصة بالفعل، رغم أنها مرت من فوق كتف الأب وكتف العائلة برمتها، وخلفت طنينا أوجع فؤاد الأم قبل أن يستقر كصوت مفزع في أذنها إلى الأبد، الصوت الذي نقله الكاتب ببراعة إلينا كمتلقين عبر هذه الرواية الفريدة والممتعة.

REUTERS/Regis Duvignau
هاوٍ لجمع الأسلحة يحمل رصاصا من عيار 7.65 في منزله في بوردو، فرنسا، 19 مارس 2018

ويمكن تفسير تأخير ترتيب حضور شخصية الأم رغم وجوب توقع أهميتها بين شخصيات العمل بالنسبة للسارد، بذلك النوع من الغفلة العضوية في الحياة الحقيقية، وفي ذهن كل باحث حقيقي عن المعنى، حين يتلمس الحكاية من كل أحد، بعيدا أكان أم قريبا، بينما كان كل شيء بين يديه، لو أطال النظر في عيني الأم منذ البداية، أو على حد تعبير كافكا في يومياته: "من نبحث عنه بعيدا، يقطن قربنا". وصحيح أن هذا الجزء الدامي معنويا كان متأخرا من حيث الترتيب النصي، لكنه جاء مدويا من الناحية النفسية، فأعطى العمل أجمل وأصدق نهاية، النهاية الرابطة كل شيء دفعة واحدة، كما لو أنها ضربة فرشاة لفنان ذي طابع مفاهيمي، مثل ماغريت.

يمكن الجزم بأن البناء الفني للعمل السردي منذ التماعته الأولى في ذهن كاتبه، واتباعه آلية دقيقة ومنضبطة تماما، لم يكن ليخذلنا في نهاية المطاف

ولا يمكن الجزم بأن ذلك كان مقصودا إلى هذا الحد، أو لعله كذلك لا أحد يدري، ربما حتى صانع العمل نفسه، فللحكاية دائما جانبها السحري، وللشخصيات ضغطها وتدخلاتها الخاصة داخل العمل الروائي. لكن يمكن الجزم بأن البناء الفني للعمل السردي منذ التماعته الأولى في ذهن كاتبه، واتباعه آلية دقيقة ومنضبطة تماما، لم يكن ليخذلنا في نهاية المطاف، بل على العكس، جاء ليغطي كل هدف خفي من أهداف الكتابة والفن، من اعتراض ورفض على غياب الأب، إلى النداء والحديث الطويل معه من طرف واحد، ومحاولة الإجابة عن سؤال "لماذا؟"، وصولا -في نهاية الأمر- إلى الرغبة في الشفاء من ويلات الماضي، وتقلبات المزاج، ثم إلى مؤدى كل ذلك: انتزاع الحق في التعبير الطبيعي -رغم صعوبته- والرغبة في المشاركة في صناعة الأثر الإنساني الحر.                                  

font change

مقالات ذات صلة