العالم يدخل مرحلة "إفلاس المياه"

لم يعد الأمر مجرد ندرة موسمية أو جفاف عابر بل هو استنزاف منهجي لـ"رأس المال الطبيعي" الذي تراكم عبر آلاف السنين

AFP
AFP
خروف على أرض متشققة في منطقة باهيا التي تتقاسمها بوليفيا وبيرو. بلغت مستويات المياه في بحيرة تيتيكاكا أدنى مستوياتها التاريخية بسبب تغير المناخ والجفاف

العالم يدخل مرحلة "إفلاس المياه"

في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بمراقبة مؤشرات البورصات وتقلبات العملات والأخبار السياسية الملتهبة، أطلق تقرير الأمم المتحدة الأخير صافرة إنذار تتجاوز في خطورتها أزمات المال التقليدية، إذ كشف عن دخول الكوكب مرحلة "الإفلاس المائي". لم يعد الأمر مجرد ندرة موسمية أو جفاف عابر، بل هو استنزاف منهجي لـ"رأس المال الطبيعي" الذي تراكم عبر آلاف السنين، لنجد أنفسنا أمام واقع مرير، فنحن نعيش بمستوى مائي يتجاوز إمكاناتنا الحقيقية، ونسحب من "مدخراتنا" الجوفية والجليدية ما لا تستطيع الطبيعة تعويضه.

التقرير الصادر عن معهد الأمم المتحدة للمياه والبيئة والصحة، لا يتحدث عن تنبؤات مستقبلية لعام 2050، بل يرصد سجل خسائر وقعت بالفعل، من بحيرات كبرى فقدت نصف مخزونها، إلى أنهار فقدت طريقها نحو البحر، ومدن بدأت تغور في باطن الأرض نتيجة الفراغ الذي خلفه السحب المفرط للمياه. إن "إفلاس المياه" اليوم هو الحقيقة الصامتة التي تعيد تشكيل السياسة الدولية، وتحدد مصير الأمن الغذائي، وتضع كرامة مليارات البشر على المحك.

وقالت الأمم المتحدة إن العالم دخل رسميا مرحلة جديدة يمكن وصفها دون مبالغة بالإفلاس، مؤكدة ان الحديث لم يعد يدور عن نقص مؤقت، أو موجات جفاف عابرة، أو حتى أزمات حادة يمكن احتواؤها بإجراءات طارئة، بل عن واقع بنيوي جديد فقدت فيه أنظمة مائية كاملة قدرتها على التعافي.

ولا يأتي هذا الإعلان من فراغ، بل في لحظة تتقاطع فيها أزمات كبرى تشمل الاحترار العالمي، والتوسع الزراعي غير المستدام، والتلوث المتراكم، وإزالة الغابات، والضغط السكاني، وسوء الإدارة التاريخي للموارد الطبيعية.

ويقول التقرير إن كل هذه العوامل عملت معا، وعلى مدى عقود، لتدفع البشرية إلى استنزاف ما يمكن تسميته "رأس المال المائي" للكوكب. ولا يكتفي التقرير بإطلاق توصيف جديد، بل يدعو قادة العالم إلى مواجهة الواقع بصدق علمي، والتخلي عن الخطاب المريح الذي يوحي بأن الحلول السريعة لا تزال ممكنة في كل مكان.

على مدار سنوات، سيطر على الخطاب العالمي توصيف نقص المياه بوصفه "إجهادا مائيا" أو "أزمة مياه". هذه المصطلحات، كما يشير التقرير، تفترض ضمنيا أن المشكلة مؤقتة، وأن النظام قادر على الارتداد والعودة إلى وضعه السابق إذا ما توفرت إدارة أفضل أو هطلت أمطار كافية.

يستعرض التقرير مفهوما محوريا يعرف بـ"رأس المال الطبيعي للمياه"، وهو رؤية شاملة للثروة المائية لا تقتصر على الأنهار الجارية فحسب

لكن الواقع الذي تكشفه البيانات العلمية الحديثة مختلف تماما. ففي مناطق واسعة من العالم، لم تعد الأنهار، أو المياه الجوفية، أو البحيرات، أو الثلوج الموسمية قادرة على العودة إلى مستوياتها التاريخية. ما فُقد، فُقد إلى الأبد أو باتت استعادته مكلفة إلى حد غير واقعي.

من هنا يطرح التقرير مفهوم "ما بعد الأزمة"، وهي مرحلة يصبح فيها الضرر دائما، وتتحول الإدارة من محاولة الإنقاذ إلى محاولة تقليل الخسائر ومنع الانهيار الشامل.

يعتمد هذا التقرير في طرحه على تشبيه مالي دقيق لتبسيط الأزمة المائية دون إخلال بجوهرها العلمي. فكما يمكن الدول أو الشركات أن تعيش مؤقتا بما يتجاوز إمكاناتها الحقيقية عبر الاقتراض والسحب من الأرصدة، يمكن المجتمعات أن تقع في فخ "العيش فوق الإمكانات المائية". ويتحقق "إفلاس المياه" بموجب التعريف العلمي الوارد في التقرير، حين يستمر سحب المياه من الأنهار والطبقات الجوفية بمعدلات تتجاوز قدرة الطبيعة على التعويض السنوي، مما يؤدي إلى فقدان دائم أو شديد التكلفة للمخازن المائية الاستراتيجية مثل البحيرات، الأراضي الرطبة، والأنهار الجليدية. بناء على ذلك، لم تعد المشكلة محصورة في استهلاك "الدخل المائي" السنوي فحسب، بل في تبديد "المدخرات" الجوفية التي تمثل صمام الأمان الوحيد للأجيال القادمة.

.أ.ف.ب
بحيرة مزوكة في الصحراء الكبرى جنوب شرق المغرب، 20 أكتوبر 2024

يستعرض التقرير مفهوما محوريا يعرف بـ"رأس المال الطبيعي للمياه"، وهو رؤية شاملة للثروة المائية لا تقتصر على الأنهار الجارية فحسب، بل تمتد لتشمل منظومة متكاملة تضم المياه الجوفية التراكمية، والأنهار الجليدية، والأراضي الرطبة، وصولا إلى التربة السليمة والغابات التي تغذي الدورة المائية. ويؤكد التقرير أن هذه العناصر مجتمعة تشكل البنية التحتية الطبيعية للكوكب، حيث إن استنزاف أي جزء منها يتجاوز الضرر المحلي ليحدث خلخلة في الدورة المائية العالمية بأكملها، مما يهدد بشكل مباشر قدرة الأنظمة البيئية على تجديد موارد المياه وإنتاجها في المستقبل.

حين لا تعود الأنهار إلى البحر

من أكثر المؤشرات دلالة على حالة "الإفلاس المائي"، ظاهرة جفاف مصبات الأنهار الكبرى. إذ يشير التقرير إلى وجود عشرات الأنهار التي توقفت عن الوصول إلى البحار طوال العام نتيجة السحب المفرط وبناء السدود العشوائية. إن عجز النهر عن بلوغ نهايته الطبيعية يعني دمار النظم البيئية في المصبات، وتملح الأراضي الزراعية المحيطة، وفقدان مصائد الأسماك، مما يؤدي إلى اختلال جذري ودائم في التوازن بين المياه العذبة والمالحة، وهو نوع من الضرر الذي غالبا ما يكون غير قابل للإصلاح.

يصف التقرير المياه الجوفية بأنها "الضحية الكبرى" لهذا الإفلاس، فرغم أنها توفر نصف مياه الشرب عالميا و40% من مياه الري، إلا أنها تسحب اليوم بمنطق "الطوارئ الدائمة" لا الاستدامة. والنتيجة هي تراجع طويل الأمد في 70% من أكبر خزانات المياه الجوفية في العالم، مما أدى إلى ظواهر خطيرة مثل هبوط التربة في مدن وحقول زراعية كاملة، وتلوث ما تبقى من مياه بالملوحة والمعادن الثقيلة. وتكمن المأساة في أن تعويض هذه الخزانات، في حال كان ممكنا، قد يستغرق مئات أو حتى آلاف السنين.

يشير التقرير إلى أن نحو 50% من البحيرات الكبرى في العالم، التي تعد مصدر حياة لربع سكان الكوكب، فقدت جزءا ملموسا من مخزونها منذ أوائل التسعينيات، مما أدى الى تقلص مياه الشرب وانهيار مصائد الأسماك وتصاعد النزاعات

يسلط التقرير الضوء على نتيجة مروعة وصامتة لاستنزاف المياه الجوفية، وهي ظاهرة "هبوط الأرض"، حيث يعيش ملايين البشر اليوم فوق مساحات جغرافية تغور تدريجيا في باطن الأرض. هذا الهبوط، الذي يصل في بعض المدن إلى عشرات السنتيمترات سنويا، لا يهدد استقرار المباني والبنية التحتية فحسب، بل يدمر شبكات الصرف ويشل قدرة المدن على مواجهة الفيضانات. إنه خطر تراكمي لا يراه السكان بالعين المجردة، لكن آثاره التدميرية تظهر بشكل مفاجئ وواسع النطاق.

أزمة إدارة لا أزمة مناخ

يضع التقرير النقاط على الحروف في ما يخص مسببات الأزمة، مشددا على أن تغير المناخ رغم كونه عاملا مضاعفا للأخطار، إلا أنه ليس المتهم الوحيد. فحتى لو استقر المناخ، فإن أنماط الاستهلاك الحالية كانت كفيلة دفع الأحواض المائية نحو الإفلاس. وتكمن جذور المشكلة في غياب الحوكمة الرشيدة، والسياسات الزراعية والصناعية القصيرة النظر، بالإضافة إلى الخطأ الاستراتيجي المتمثل في فصل إدارة المياه عن ملفات الأرض والطاقة والغذاء، مما أدى إلى استمرار السحب المفرط دون رادع.

ينتقل التقرير من التشخيص المفاهيمي إلى عرض صورة رقمية شاملة لحالة المياه على مستوى الكوكب، حيث لا تقدم هذه الأرقام كبيانات تقنية جافة، بل كأدلة قاطعة على أن إفلاس المياه بات واقعا جاريا يتخطى الحدود الجغرافية والاقتصادية. يكشف النمط العالمي المتكرر، أن الاستنزاف يضرب الشمال والجنوب، والدول الغنية والفقيرة على حد سواء، مع اختلاف وحيد يكمن في سرعة التدهور والقدرة على التحمل.

AFP
منظر طبيعي من منطاد هواء ساخن لمياه نهر النيل قبالة معبد الكرنك

يشير التقرير إلى أن نحو 50% من البحيرات الكبرى في العالم، التي تعد مصدر حياة لربع سكان الكوكب، فقدت جزءا ملموسا من مخزونها منذ أوائل التسعينيات، مما أدى الى تقلص مياه الشرب وانهيار مصائد الأسماك وتصاعد النزاعات. ولا يتوقف الأمر عند السطح، بل يمتد الى المياه الجوفية التي توفر نصف احتياجات الشرب و40% من الري العالمي، حيث يظهر 70% من أكبر خزاناتها انخفاضا طويل الأمد، مما يعني أن المجتمعات لا تقترض من المستقبل فحسب، بل تقوض الأساس الاقتصادي الذي تقوم عليه.

أما خط الدفاع الأول المتمثل في الأراضي الرطبة، فقد خسر العالم منها 410 ملايين هكتار خلال نصف قرن، وهذا ما جعل الأنظمة المائية أكثر تطرفا بين فيضانات عارمة وجفاف قاس، تزامنا مع فقدان الأنهار الجليدية لثلاثين في المئة من كتلتها منذ عام 1970، مما يهدد ملايين البشر بمستقبل بلا مصدر مائي ثابت. ويصل التدهور ذروته في عشرات الأنهار الكبرى التي لم تعد تصل إلى البحر، مما يدمر المصبات ويزيد تملح الأراضي الزراعية التي تضرر منها بالفعل أكثر من 100 مليون هكتار نتيجة الري المكثف وسوء التصريف.

تجربة قاسية

هذا العجز المائي المتواصل منذ أكثر من 50 عاما، يحمل تكلفة اقتصادية باهظة، إذ يقدر التقرير قيمة خدمات النظم البيئية المفقودة بسبب دمار الأراضي الرطبة بنحو 5.1 تريليون دولار سنويا. وتتجسد هذه الأرقام في معاناة بشرية مباشرة، حيث يواجه 4 مليارات إنسان ندرة مائية شديدة لشهر واحد على الأقل سنويا، ويعيش مليارا شخص فوق أراض تهبط تدريجيا، بينما ينتج أكثر من نصف الغذاء العالمي في مناطق تعاني ضغطا مائيا مرتفعا، مما يحول أي صدمة مائية محلية إلى أزمة غذاء عالمية تهدد استقرار المجتمعات وسلاسل الإمداد، مؤكدا في الختام أن هذه الأرقام هي سجل لخسائر وقعت بالفعل وليست مجرد تنبؤات.

ينتقل تقرير الأمم المتحدة إلى الجانب الإنساني الأكثر إلحاحا، حيث يتحول "إفلاس المياه" من مفهوم علمي إلى تجربة معيشية قاسية تضرب أسس كرامة الإنسان واستقرار المجتمعات. فالمياه ليست مجرد قطاع منفصل، بل هي الشرط الأساس للصحة والسكن والعمل، وعندما ينهار نظامها، تبدأ سلسلة من الانهيارات المتتابعة التي تظهر بوضوح في المدن التي بدأت "تهبط" بصمت نتيجة استنزاف الخزانات الجوفية، مما يهدد بدمار البنية التحتية وتفاقم تكلفة الصيانة الى درجة لا تقوى عليها البلديات. وفي الريف، يتخذ الإفلاس شكلا أكثر قسوة، حيث يجد صغار المزارعين أنفسهم في سباق خاسر مع آبار تجف وديون تتراكم، مما يدفع الكثيرين الى ترك أراضيهم وتفكك مجتمعاتهم بالكامل.

يؤكد التقرير أن إفلاس المياه بات قضية كرامة إنسانية في المقام الأول، ولم يعد ملفا يناقش في أروقة المؤتمرات الدولية فحسب، بل صار أزمة تعيش داخل البيوت وتعيد تشكيل المجتمعات من القاعدة إلى القمة

ويشدد التقرير على أن الأزمة ليست "محايدة اجتماعيا"، إذ تتحمل النساء والفتيات العبء الأكبر في رحلات البحث الطويلة عن المياه، مما يحرمهن من فرص التعليم والعمل، بينما يجد الشباب أنفسهم أمام مستقبل بلا أفق محلي، مما يحول ندرة المياه إلى محرك صامت للنزوح الداخلي والهجرة الدولية الاضطرارية. هذا الواقع جعل الجفاف حالة دائمة لا طارئة لنحو 1.8 مليار إنسان، وهو ما يضع الأنظمة الصحية في مهب الريح ويضاعف الفجوة بين الطبقات. فبينما يستطيع الأثرياء حفر آبار أعمق، يبقى الفقراء محاصرين في بيئات متدهورة، مما يغذي الإحساس بالظلم ويقوض الثقة بين المواطنين والدولة، وصولا إلى حالة من الهشاشة السياسية وعدم الاستقرار.

يؤكد التقرير أن إفلاس المياه بات قضية كرامة إنسانية في المقام الأول، ولم يعد ملفا يناقش في أروقة المؤتمرات الدولية فحسب، بل صار أزمة تعيش داخل البيوت وتعيد تشكيل المجتمعات من القاعدة إلى القمة. إن تجاهل الرابط الوثيق بين المياه والهجرة والأمن الغذائي يترك العالم غير مستعد لتحولات سكانية واقتصادية واسعة النطاق، فالهجرات الناتجة من بئر جفت أو محصول فشل، لا تقل خطورة عن تلك الناتجة من الحروب، وهو ما يجعل مواجهة هذا الإفلاس ضرورة قصوى لحماية الحقوق الأساسية لمليارات البشر الذين يواجهون واقعا مائيا متآكلا يوما بعد يوم.

خرائط الإفلاس

تتفاوت خرائط الإفلاس المائي عالميا تبعا لتداخل العوامل الطبيعية مع الأنماط الاقتصادية والسياسات المتبعة، فتقرير الأمم المتحدة يشدد على أن هذه الظاهرة، رغم عالميتها، تتشكل محليا بفعل التاريخ الاستعماري وتوزيع الموارد، مما ينتج أشكالا متعددة من العجز المائي تتطلب حلولا مخصصة لكل إقليم بما يتجاوز مجرد تصنيف الدول بين غنية وفقيرة.

وتبرز منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كواحدة من أكثر البؤر سخونة، حيث تحول الشح الطبيعي إلى إفلاس بنيوي نتيجة النمو السكاني المتسارع والاعتماد المفرط على الزراعة المروية في بيئات جافة، واستنزاف الخزانات الجوفية غير المتجددة. ورغم لجوء دول المنطقة إلى تحلية مياه البحر كحل تقني سريع، إلا أن التقرير يحذر من أن هذا المسار قد يؤجل الأزمة ولا يعالجها، نظرا لتكلفته الطاقية العالية، وانبعاثاته الكربونية، وتأثيراته البيئية على التنوع الحيوي البحري، مما يجعل التحلية أداة لإدارة العجز وليست علاجا للإفلاس.

جفاف في منطقة كانت ذات يوم تحت مياه بحيرة ميد الترفيهية، بالقرب من مدينة بولدر في ولاية نيفادا، كما بدت في 27 يناير 2023

وفي جنوب آسيا، وتحديدا في الهند وباكستان، يواجه النظام الزراعي خطر الانهيار نتيجة الاعتماد التاريخي على الضخ الكثيف للمياه الجوفية، وهو ما أدى الى انخفاض حاد في المناسيب وهبوط أرضي في مناطق حضرية وزراعية واسعة، مما يهدد الاستقرار الاجتماعي والأمن الغذائي العالمي. ولا يقتصر هذا الوهم بالوفرة على الدول النامية، إذ يقدم التقرير نهر كولورادو في الولايات المتحدة كنموذج صارخ لإفلاس المياه في الدول المتقدمة، حيث جرى تقاسم مياهه تاريخيا بناء على تدفقات لم تعد موجودة في ظل التغير المناخي، مما أدى الى صراعات قانونية وتراجع مستمر في الخزانات الاستراتيجية.

لقد ولى عصر "إدارة الأزمات المائية" المتقطعة. فالمقاربات التقليدية التي كانت تتعامل مع الجفاف أو الفيضان كخلل مؤقت وقابل للإصلاح لم تعد صالحة في ظل عجز مائي بنيوي ومزمن

وتزداد الصورة تعقيدا في الدلتاوات والمناطق الساحلية، حيث يتقاطع استنزاف المياه مع ارتفاع منسوب مياه البحر، مما يتسبب بتملح دائم للتربة يهدد الإنتاجية الزراعية والمدن الساحلية بخسائر غير قابلة للتراجع. أما في أفريقيا جنوب الصحراء، فيتداخل الإفلاس المائي مع الفقر وضعف البنية التحتية، مما يجعلها عرضة لمسار إفلاس مبكر بفعل التغير المناخي. ويخلص التقرير إلى أن هذه الأزمات الإقليمية تترابط عبر التجارة العالمية، فالدول التي تصدر الغذاء تنقل فعليا عجزها المائي إلى الأسواق الدولية، مؤكدا أن الإفلاس المائي يتسارع حيثما غابت الحوكمة وفصلت إدارة المياه عن التخطيط الاقتصادي، مما يستوجب استجابات عادلة تأخذ في الاعتبار خصوصية كل بؤرة ساخنة.

يؤكد تقرير الأمم المتحدة أن عصر "إدارة الأزمات المائية" المتقطعة قد ولى، فالمقاربات التقليدية التي كانت تتعامل مع الجفاف أو الفيضان كخلل مؤقت وقابل للإصلاح لم تعد صالحة في ظل عجز مائي بنيوي ومزمن. إن الاستمرار في هذا المنطق لا يعدو كونه "مسكنات" تؤجل الانهيار ولا تمنعه، مما يستوجب الانتقال فورا إلى مفهوم "إدارة الإفلاس المائي". هذا المفهوم لا يعني الاستسلام، بل الاعتراف بالواقع الجديد عبر إعادة هيكلة النظام المائي بما يتناسب مع القدرات الحقيقية المتبقية، والاعتراف بأن بعض الخسائر أصبحت دائمة، مع ضرورة وضع حدود صارمة وجديدة للسحب والاستهلاك لحماية ما تبقى من رأس المال الطبيعي.

وتكمن المعضلة الكبرى في "القرارات المؤجلة"، حيث يختار العديد من الحكومات شراء الهدوء الاجتماعي المؤقت عبر دعم محاصيل شرهة للمياه أو التغاضي عن استنزاف الآبار، وهي سياسات قصيرة النظر تضاعف تكلفة الانهيار المستقبلي. لذا، يشدد التقرير على أن إدارة الإفلاس تتطلب شجاعة سياسية لإعادة موازنة الحقوق والتوقعات، ومراجعة اتفاقيات تقاسم المياه التاريخية التي بنيت على تدفقات لم تعد موجودة، مع ضمان "تحول عادل" لا يحمل الفئات الأضعف وصغار المزارعين عبء الإصلاح، بل يوفر لهم بدائل معيشية ويدمجهم في عملية صنع القرار.

رويترز
نهر النيل الأزرق بعد ملء خزان سد النهضة الإثيوبي الكبير بالقرب من الحدود الإثيوبية السودانية، في 6 نوفمبر 2020

وعلى صعيد القطاعات الكبرى، يدعو التقرير إلى إعادة تصميم جذرية. فالزراعة مطالبة بتغيير أنماط المحاصيل وإصلاح نظم الري، والصناعة ملزمة معايير صارمة لإعادة التدوير، بينما يجب على المدن تقليل الفاقد في شبكاتها واعتماد تخطيط عمراني يتماشى مع ندرة الموارد الدائمة. ويتطلب هذا المسار الانتقال من حالة "الإنكار" إلى "الصراحة المطلقة" المدعومة بالبيانات الدقيقة ورصد الأقمار الصناعية. فالعالم اليوم لا يحتاج إلى وعود إنقاذ وهمية، بل إلى قرارات واقعية لإعادة الهيكلة، تضمن تجنب خسائر أفدح وتؤسس لمستقبل يحترم الحدود البيئية للكوكب.

العدالة المائية

يؤكد تقرير الأمم المتحدة أن إفلاس المياه قد تجاوز كونه شأنا بيئيا ليصبح قضية سياسية بامتياز تمس صميم العلاقة بين الدولة ومواطنيها. فعندما تعجز المؤسسات عن توفير هذا المورد الأساس، تتآكل شرعيتها وتتصدع الثقة المجتمعية، مما يحول نقص المياه من عجز مادي إلى أزمة حوكمة شاملة. وفي الدول التي تعاني أصلا من ضعف في المؤسسات، يعمل الإفلاس المائي كـ"مضاعف للأخطار" يؤدي الى تفجير التوترات الداخلية بين الريف والمدن، ويغذي الصراعات بين القطاعات الاقتصادية، حيث تتحول الضغوط المعيشية الناتجة من غلاء الغذاء وفقدان الوظائف الزراعية إلى محركات للاضطرابات السياسية والنزوح الجماعي.

أما على الصعيد الدولي، فإن الأحواض المائية المشتركة تبرز كبؤر حساسة للنزاعات العابرة للحدود، حيث يحذر التقرير من أن غياب الشفافية والتعاون في إدارة هذه الموارد يحول العجز المائي إلى مصدر توتر إقليمي دائم. ومع ذلك، يطرح التقرير رؤية مغايرة تعتبر المياه "جسرا للتعاون" وأداة لبناء الثقة، نظرا لكونها موردا مشتركا لا يمكن احتكاره، مما يجعل العمل الجماعي ضرورة لا خيارا. وتاريخيا، صمد العديد من الاتفاقيات المائية حتى في أوقات النزاعات المسلحة، مما يثبت قدرة ملف المياه على توفير أرضية للحوار العقلاني بعيدا من الاستقطاب الأيديولوجي.

وفي قلب هذه المعادلة، تبرز "العدالة المائية" كشرط أساس للاستقرار. فلا يمكن إدارة الإفلاس دون حماية الفئات الأكثر تضررا، مثل السكان الأصليين والمجتمعات الهشة، وضمان توزيع الأعباء بشكل منصف يحاسب كبار المستهلكين التاريخيين. إن الاستثمار في إدارة رشيدة وشفافة للمياه هو في جوهره استثمار في السلام الاجتماعي والوقاية من النزاعات قبل وقوعها. ويختتم التقرير هذا المحور بالتأكيد أن طريقة تعامل العالم مع إفلاس المياه ستكون الاختبار الحقيقي لمدى التزامه العدالة العالمية، فالمياه ليست مجرد مورد، بل هي المرآة التي تعكس القيم السياسية والاجتماعية للإنسانية.

مؤتمرات المياه المرتقبة للأمم المتحدة في عامي 2026 و2028، تزامنا مع استحقاق أهداف التنمية المستدامة لعام 2030، تمثل "نافذة فرص سياسية" أخيرة لإعادة ترتيب الأولويات العالمية

مع اقتراب نهاية "عقد العمل من أجل المياه" (2018–2028)، يضع تقرير الأمم المتحدة المجتمع الدولي أمام حقيقة قاسية، وهي أن العالم استهلك وقتا طويلا في توصيف الأزمة مقابل خطوات خجولة في اتخاذ القرارات الصعبة. إن واقع "إفلاس المياه" يفرض اليوم انتقالا جذريا من منطق تحسين الكفاءة التقليدي إلى منطق إعادة الهيكلة الشاملة، ومن السياسات التطوعية إلى التزامات صارمة قابلة للمساءلة. ولم يعد السؤال الجوهري هو "كيف نوفر مزيدا من المياه؟"، بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحا وصراحة: "ما هي الأنشطة التي يجب أن نتوقف عن فعلها فورا لأننا لم نعد نملك الموارد الكافية لاستمرارها؟".

وتدعو الأجندة الجديدة إلى جعل المياه "قيدا تخطيطيا مركزيا" يسبق اعتماد أي سياسات عمرانية أو زراعية أو استراتيجيات طاقة وتجارة. فأي سياسة لا تختبر مائيا قبل إقرارها، ليست سوى مخاطرة مؤجلة تهدد الأمن القومي. ولتفعيل هذا التوجه، يقترح التقرير خمس أدوات تنفيذية عالمية، تبدأ بالاعتراف الرسمي بحالة الإفلاس في الأحواض المتضررة، واعتماد مؤشرات موحدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي وبيانات الأقمار الصناعية، وصولا إلى ربط التمويل الدولي وخطط التنمية بمدى قدرة الدول على تحقيق توازن مائي حقيقي، مع إعادة توجيه الدعم الحكومي من الأنشطة المستنزفة إلى جهود حماية واستعادة رأس المال الطبيعي.

إن مؤتمرات المياه المرتقبة للأمم المتحدة في عامي 2026 و2028، تزامنا مع استحقاق أهداف التنمية المستدامة لعام 2030، تمثل "نافذة فرص سياسية" أخيرة لإعادة ترتيب الأولويات العالمية. ويحذر التقرير في ختامه من أن الفشل في استغلال هذه اللحظة الفارقة سيجعل الإفلاس المائي أعمق وأكثر تكلفة، وسيدفع بالبشرية نحو مرحلة من الأزمات المتلاحقة التي قد تصبح غير قابلة للإدارة، مما يجعل التحرك اليوم ضرورة وجودية لا تقبل التأجيل.

font change