بينما تغلي إيران من الداخل بشكل استثنائي، مع ضغوط دولية حازمة بشأن سلوك النظام الحاكم قد تؤدي في المحصلة لتغيير جذري في بنيته، لا تُظهر المعارضة الإيرانية حدا أدنى من الوضوح والاتزان فيما تراه وتقترحه كأساس للنظام السياسي المستقبلي في البلاد وسلامة مجتمعه الداخلي. فمزيج من الخطابية الأيديولوجية مع النزعة الثأرية المتأتية من تجربتها الذاتية، مع كثيرٍ من "الجهل" بأحوال الداخل، نتيجة سنوات المنفى الطويلة، يغلف طروحاتها للمستقبل.
تتطابق رؤية "النُخب المعارضة" الإيرانية مع ما كان لنظيرتها العراقية طوال عقد التسعينات في كثير من التفاصيل، بالذات ما خص الوهم المركزي (المشكلة في النظام)، متناسية تاريخا سياسيا ممتدا لأكثر من قرن، حيث كانت البنى الحاكمة في هذا البلد تسقط مرة بعد أخرى، دون أن يتمكن "المنتصرون الجدد" من إعادة تشييد أسس الدولة الحديثة، لا بعقودها الدستورية، ولا حتى بمؤسساتها وأجهزتها وعلاقاتها التدخلية مع المجتمع وعالم الاقتصاد والرموز.
نظام الملالي الراهن، الطافح بروح الدولة الأيديولوجية التوسعية، أكمل دورة كاملة من شكل الأنظمة الحاكمة التي تتالت على الجغرافيا الإيرانية منذ زمن "الدولة القاجارية" أوائل القرن العشرين. فالثورة الدستورية التي انتفضت ضد الحكم القاجاري المطلق لم تستطع أن تتسرب إلى بنى مؤسسات وأجهزة الدولة، وبقيت رهينة جدالات نُخب المُدن. والتحديث الشكلاني في "العهد البهلوي الأب"، لم يتمكن من تجاوز مظاهر الأبهة التقليدية، خالقا فجوات هائلة بين طبقات المجتمع الإيراني، دافعا المهمشين الإيرانيين للتمركز حول مظلومية كان لها الكثير من الأسس الموضوعية. أما "عهد البهلوي الابن"، فقدم مثالا باهرا على وطنية عدائية، تتباهى بالقوة والتداخل السياسي مع العالم الغربي والانحياز الرمزي القشوري مع ثقافته، دون التفات لتناقضات الداخل الإيراني نفسه، الذي كان يعاني من سوء تنمية هائلة، في التعليم والصحة العامة والتوازن في الاستفادة من خيارات البلاد. حُكم الملالي كان قادرا على لمّ شمل كل ذلك، عبر نظام سياسي بوليسي في الداخل، وخيارات الدولة الاستحواذية في الخارج.
بناء على ذلك، يغدو السؤال المُلح المطروح اليوم على النُخب السياسية الإيرانية، سواء في الداخل أو الخارج: ما الطريق لتجاوز كل ذلك، بغية عدم الوقوع في البئر ذاتها مرة خامسة؟!
فإذا كانت جميع تلك النماذج قد فشلت في صناعة سياق من السلام الاجتماعي والنظام السياسي المستقر والتنمية المستدامة، وأبقت إيران ومجتمعها في حالة غلواء مستمرة طوال قرن: فما المعضلة البنيوية في إيران، التي يُستنكف عن التصريح بها؟ ولماذا ثمة "نموذج الدولة" الذي يتم استيراده دوما، دون انتباه وحسابات تتعلق بالخصائص الإيرانية نفسها. فأنظمة الحكم الأربعة التي تتالت على حكم البلاد طوال قرن، كان كل واحد منها "نظاما مأخوذا بالاسترشاد من الخارج"، لا بما يتطابق مع الحقائق والخصائص الإيرانية نفسها.
ما المعضلة البنيوية في إيران، التي يُستنكف عن التصريح بها؟ ولماذا ثمة "نموذج الدولة" الذي يتم استيراده دوما، دون انتباه، وحسابات تتعلق بالخصائص الإيرانية نفسها
إذ كيف لأي نظام سياسي أن يكون مستقرا دون أن يراعي حقيقة التنوع الإيراني. فالكيان الإيراني وإن كان دولة واحدة، لكن الديموغرافيا والجغرافيا الداخلية فيه متأتية من إرث وحقائق السلطنة الإمبراطورية. بهذا المعنى، فإن التنوع العرقي والمذهبي والمناطقي داخل إيران ليس مجرد تنوع ثقافي، بل هو تنوع مبني على كتل من الإرادات والنزعات السياسية، التي تملك كل واحدة منها وعيها ورؤيتها الخاصة لشرعية الدولة نفسها. وكبحها ومنعها من الظهور لم يعنِ يوما إخراجها الحقائق البنيوية للبلاد. هذا التنوع الذي لم يكن يوما مجرد رقم ثانوي في لوحة البلاد، كما في أغلب دول العالم القائمة على بعض الأقليات، ولم يكن قائما على أساس جماعة واحدة مغايرة للكل الوطني، كما حالة الأكراد في تركيا، بل كان تنوعا يضاهي نصف سكان البلاد، وتاليا النازع لأن يكون المطالب بالشراكة التامة في تحديد هوية البلاد ونظام حكمها، عبر آلية تضمن توزيعا عادلا للثروات والسلطات والرموز، ومعها الكثير من اللامركزية، كما كانت أحوال الإمبراطوريات القديمة. وهي حقيقة بقيت النُخب السياسية الإيرانية ترفضه، طوال تجاربها المديدة، ولأجل ذلك كانت تلك التشكيلات العرقية والطائفية والمناطقية مصدرا مستداما للصراعات الداخلية.
كذلك ثمة سؤال كبير يتعلق بآلية وهوية "التنمية" في البلاد. فإيران الممتدة على ثروة من الموارد وتنوع بيئي واقتصادي هائل، بسبب موقعها وامتدادها الجغرافي وقلة سكانها النسبي، بقيت بلادا متخمة بالفقراء على الدوام، الذين تراكموا جراء تمركز الثروات في مثلث المدن المركزية، طهران وأصفان ومشهد، التي تسميها الأدبيات الاقتصادية الإيرانية "مثلث التاج". فغير بحر الثروات الإيرانية التي ذهبت إلى استراتيجيات الأبهة ومراكمة الأسلحة والبرامج النووية، وغير تراجع العلاقة التداخلية مع الأنظمة الاقتصادية العالمية جراء الغرق في العقوبات، فإن مجتمعين إيرانيين منفصمين تماما كانا يعيشان في هذه البلاد على الدوام، واحد للميسورين المستحوذين على كل شيء، المتمركزين في "مثلث التاج"، والمعوزين الفقراء في باقي أطراف البلاد، وهؤلاء الأخيرين كانوا وقودا لكل زلازل البلاد.
لا تملك النُخب الإيرانية المعارضة أية أجوبة على السؤالين السابقين، بل تجهد لأن تُشكك بهما وتحولهما إلى خانة الشر، فتقول عن الأول إنه محاولة لتفتيت البلاد، وعن الثاني تقول إنه آلية لتقسيم المجتمع الإيراني خدمة للنظام الراهن، وتلوذ عوضا عنهما بوطنية شكلية وتحديث زائف. شيء جربه الإيرانيون أربع مرات خلال تاريخهم الحديث، ولم ينجحوا مرة واحدة.