بينما توسعت رُقعة الاحتجاجات الشعبية في إيران، وصارت تنتشر في مختلف المدن والمناطق والطبقات الاجتماعية، أحدث تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن "جاهزية الولايات المتحدة لحماية المحتجين الإيرانيين لو تعرض المدنيون للقمع"، وردود فعل المسؤولين الإيرانيين، تحولاً في مسار الأحداث، التي صارت ذات أبعاد ومؤثرات تتجاوز الداخل الإيراني.
"فقدنا كل أمل"
تواصلت "المجلة" مع الكثير من الشُبان الإيرانيين، ومن مختلف المناطق، وأجمعوا على أن السبب الرئيس لاحتجاجهم هو تراكم الاستعصاء في دورة الحياة اليومية بشكل مضطرد والتي تزداد صعوبة بالتقادم، وفي جميع الأوقات. فالكثير من المدن الإيرانية يفتقد المياه الصالحة للشرب في فصل الصيف، وتصل مستويات التلوث فيها إلى الحد الأقصى، بينما ينقطع التيار الكهربائي والوقود شتاء، وبين الفصلين تتراجع مستويات التعليم والخدمات الصحية والحريات العامة. يحدث ذلك في وقت لا يملك الإيرانيون أية آمال أو وعود بإمكانية حدوث أي تغيير في الأفق المنظور. فالسلطة الحقيقية والقائمون عليها لم يغيروا سياساتهم وتوجهاتهم الاستراتيجية منذ عقود، ويسيطر عليهم اعتقاد راسخ بأن أي تغيير حقيقي في توجهات البلاد، والتي هي السبب الجوهري لكل أزماتها، إنما سيدفع لقلب نظام الحكم.
الاحتجاجات الأخيرة اندلعت في السوق المركزية للعاصمة طهران "البازار"، عقب تدهور قيمة العملة المحلية بشكل متسارع خلال الأسابيع الماضية، حتى صار الدولار الأميركي الواحد يعادل 1.5 مليون ريال إيراني، في وقت ارتفعت فيه أسعار السلع الأساسية إلى مستويات استثنائية، ما دفع كبار التجار لإغلاق متاجرهم ومخازنهم، رافضين البيع بالعملة الوطنية، التي تفقد قيمتها بين ساعة وأخرى. فنسبة التضخم تجاوزت 48 في المئة خلال شهر ديسمبر/كانون الأول المنصرم. لكن الاحتجاجات ما لبثت أن أخذت طابعاً سياسياً واضحاً، جذرياً في معارضته. فالشعارات المرفوعة لم تتوانَ عن القول "الموت للدكتاتور"، و"إنها النهاية يا علي"، قاصدين المرشد في إيران "علي خامنئي".
عزيز هشرمي، تاجر إيراني في أسواق "بازار عبدلآباد" للأقمشة والملابس، شرح في حديث مع "المجلة" ما يعيشه التجار وأصحاب الأعمال وكل المجتمع الإيراني من صعوبات بسبب التضخم وتراجع قيمة العملة الوطنية، قائلا: "مجموع ما في محلي ومستودعي من بضاعة استوردته من تركيا منذ قرابة ثلاثة أشهر، بقيمة تتجاوز 800 ألف دولار، لكني لو بعتها الآن بالأسعار المحلية، فإني لن أحصل حتى على ربع ذلك المبلغ، الأمر نفسه يتعلق بالأموال التي لي في ذمة تجار التجزئة، فمجموع ما في (دفتر الديون) باتت قيمته أقل من نصف ما كان عليه قبل خمسة أسابيع، ولو تأخر الأمر ربما تنخفض للثلث".

يتابع هشرمي حديثه قائلا: "نتوقع أن تُقدم السلطات الحكومية خلال الأيام القادمة بإجراءين متوازيين، فمن جهة ستقمع المحتجين في الشوارع والساحات العامة، وسوف تُصدر عدداً من القرارات العامة وتغير بعض المسؤولين المحليين، لكن الأمر لن يطول كثيراً، لتعود الأوضاع إلى ما كانت عليه، هذا ما نُجربه منذ عام 2006 وحتى الآن. فالسلطة تُفضل الموالين على المحترفين في الملفين الاقتصادي والإداري، ولا تقبل بتغيير النهج العسكري والأمني حتى نتخلص من العقوبات الدولية على بلادنا. هذان الأمران يمنعان حدوث أي تغيير منذ سنوات، وكل إيراني يعرف هذه الحقيقة، ولم يعد يثق بأية وعود خلابة. فما يعلنه الرئيس مسعود بزشكيان من وعود اليوم، سبق للرؤساء إبراهيم رئيسي وحسن روحاني وأحمدي نجاد أن أطلقوه من قبل، ولم يتغير أي شيء".
امتداد "للثورة الخضراء"
يعتقد الباحث الإيراني المقيم في الخارج روني عسكر أن ما يجري في إيران راهناً هو إتمام طبيعي لما حدث في عام 2009 ولم ينجح، حينما قمعت السلطات الإيرانية "الثورة الشعبية العارمة" التي حدثت وقتها، رفضاً لتزوير الانتخابات وإعادة تنصيب أحمدي نجاد رئيساً للبلاد.
يضيف عسكر في حديث مطول مع "المجلة" قائلاً: "في تاريخ إيران المعاصر، منذ الثورة الدستورية التي حدثت في عام 1905 وحتى الآن، كل الاحتجاجات في إيران كانت ذات منشأ سياسي. فالإيرانيون عبر تاريخهم الإمبراطوري والدولتي المديد، يعرفون أن السياسة وحدها تستطيع إيجاد حلول واضحة لأزمات البلاد، لأنها عادة ما تكون السبب. في ظلال الحُكم الجديد، الذي بدأ في عام 1979، فإن المجتمع الإيراني قبل بالصمت لقرابة عقد ونصف، لما قالت السُلطة إنها الحرب التي فرضت عليها مع العراق. وحين وصل الرئيس محمد خاتمي إلى السُلطة عام 1997، أحس المجتمع الإيراني بأن تغييراً ما قد يحدث في البلاد، لكنه أُصيب بصدمة بعد تبدد كل ما بشر به من تغيرات جذرية، وعودة القبضة الحديدية في ظلال حُكم الرئيس أحمدي نجاد ما بعد عام 2005. كانت مواجهة عام 2009 بين السُلطة والمجتمع الإيراني حاسمة للغاية، فالقضاء على "الثورة الخضراء" وقتئذ كانت تعني تكريس القبضة الأمنية وسحب السياسة تماماً من المجتمع الإيراني، وإخراجه من أية شراكة في الحُكم وإدارة الشؤون العامة، فالسلطة صارت جهازاً مغلقاً على نفسه، خارج المجتمع، وهو ما أفرز كل الأزمات الانفجارية اللاحقة كلها، واليوم يعتقد الإيرانيون أنه لا حل إلا بالسياسة".
