إيران... انتفاضة "فاقدي الأمل"

منذ الثورة الدستورية التي حدثت في عام 1905 وحتى الآن، كل الاحتجاجات في إيران كانت ذات منشأ سياسي

أ ب
أ ب
متظاهرون في وسط طهران في 29 ديسمبر

إيران... انتفاضة "فاقدي الأمل"

بينما توسعت رُقعة الاحتجاجات الشعبية في إيران، وصارت تنتشر في مختلف المدن والمناطق والطبقات الاجتماعية، أحدث تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن "جاهزية الولايات المتحدة لحماية المحتجين الإيرانيين لو تعرض المدنيون للقمع"، وردود فعل المسؤولين الإيرانيين، تحولاً في مسار الأحداث، التي صارت ذات أبعاد ومؤثرات تتجاوز الداخل الإيراني.

"فقدنا كل أمل"

تواصلت "المجلة" مع الكثير من الشُبان الإيرانيين، ومن مختلف المناطق، وأجمعوا على أن السبب الرئيس لاحتجاجهم هو تراكم الاستعصاء في دورة الحياة اليومية بشكل مضطرد والتي تزداد صعوبة بالتقادم، وفي جميع الأوقات. فالكثير من المدن الإيرانية يفتقد المياه الصالحة للشرب في فصل الصيف، وتصل مستويات التلوث فيها إلى الحد الأقصى، بينما ينقطع التيار الكهربائي والوقود شتاء، وبين الفصلين تتراجع مستويات التعليم والخدمات الصحية والحريات العامة. يحدث ذلك في وقت لا يملك الإيرانيون أية آمال أو وعود بإمكانية حدوث أي تغيير في الأفق المنظور. فالسلطة الحقيقية والقائمون عليها لم يغيروا سياساتهم وتوجهاتهم الاستراتيجية منذ عقود، ويسيطر عليهم اعتقاد راسخ بأن أي تغيير حقيقي في توجهات البلاد، والتي هي السبب الجوهري لكل أزماتها، إنما سيدفع لقلب نظام الحكم.

الاحتجاجات الأخيرة اندلعت في السوق المركزية للعاصمة طهران "البازار"، عقب تدهور قيمة العملة المحلية بشكل متسارع خلال الأسابيع الماضية، حتى صار الدولار الأميركي الواحد يعادل 1.5 مليون ريال إيراني، في وقت ارتفعت فيه أسعار السلع الأساسية إلى مستويات استثنائية، ما دفع كبار التجار لإغلاق متاجرهم ومخازنهم، رافضين البيع بالعملة الوطنية، التي تفقد قيمتها بين ساعة وأخرى. فنسبة التضخم تجاوزت 48 في المئة خلال شهر ديسمبر/كانون الأول المنصرم. لكن الاحتجاجات ما لبثت أن أخذت طابعاً سياسياً واضحاً، جذرياً في معارضته. فالشعارات المرفوعة لم تتوانَ عن القول "الموت للدكتاتور"، و"إنها النهاية يا علي"، قاصدين المرشد في إيران "علي خامنئي".

عزيز هشرمي، تاجر إيراني في أسواق "بازار عبدلآباد" للأقمشة والملابس، شرح في حديث مع "المجلة" ما يعيشه التجار وأصحاب الأعمال وكل المجتمع الإيراني من صعوبات بسبب التضخم وتراجع قيمة العملة الوطنية، قائلا: "مجموع ما في محلي ومستودعي من بضاعة استوردته من تركيا منذ قرابة ثلاثة أشهر، بقيمة تتجاوز 800 ألف دولار، لكني لو بعتها الآن بالأسعار المحلية، فإني لن أحصل حتى على ربع ذلك المبلغ، الأمر نفسه يتعلق بالأموال التي لي في ذمة تجار التجزئة، فمجموع ما في (دفتر الديون) باتت قيمته أقل من نصف ما كان عليه قبل خمسة أسابيع، ولو تأخر الأمر ربما تنخفض للثلث".

  أ ف ب
متظاهرون يرمون الحجارة على مبنى حكومي في مدينة فاسا جنوب ايران في 31 ديسمبر

يتابع هشرمي حديثه قائلا: "نتوقع أن تُقدم السلطات الحكومية خلال الأيام القادمة بإجراءين متوازيين، فمن جهة ستقمع المحتجين في الشوارع والساحات العامة، وسوف تُصدر عدداً من القرارات العامة وتغير بعض المسؤولين المحليين، لكن الأمر لن يطول كثيراً، لتعود الأوضاع إلى ما كانت عليه، هذا ما نُجربه منذ عام 2006 وحتى الآن. فالسلطة تُفضل الموالين على المحترفين في الملفين الاقتصادي والإداري، ولا تقبل بتغيير النهج العسكري والأمني حتى نتخلص من العقوبات الدولية على بلادنا. هذان الأمران يمنعان حدوث أي تغيير منذ سنوات، وكل إيراني يعرف هذه الحقيقة، ولم يعد يثق بأية وعود خلابة. فما يعلنه الرئيس مسعود بزشكيان من وعود اليوم، سبق للرؤساء إبراهيم رئيسي وحسن روحاني وأحمدي نجاد أن أطلقوه من قبل، ولم يتغير أي شيء".

امتداد "للثورة الخضراء"

يعتقد الباحث الإيراني المقيم في الخارج روني عسكر أن ما يجري في إيران راهناً هو إتمام طبيعي لما حدث في عام 2009 ولم ينجح، حينما قمعت السلطات الإيرانية "الثورة الشعبية العارمة" التي حدثت وقتها، رفضاً لتزوير الانتخابات وإعادة تنصيب أحمدي نجاد رئيساً للبلاد.

يضيف عسكر في حديث مطول مع "المجلة" قائلاً: "في تاريخ إيران المعاصر، منذ الثورة الدستورية التي حدثت في عام 1905 وحتى الآن، كل الاحتجاجات في إيران كانت ذات منشأ سياسي. فالإيرانيون عبر تاريخهم الإمبراطوري والدولتي المديد، يعرفون أن السياسة وحدها تستطيع إيجاد حلول واضحة لأزمات البلاد، لأنها عادة ما تكون السبب. في ظلال الحُكم الجديد، الذي بدأ في عام 1979، فإن المجتمع الإيراني قبل بالصمت لقرابة عقد ونصف، لما قالت السُلطة إنها الحرب التي فرضت عليها مع العراق. وحين وصل الرئيس محمد خاتمي إلى السُلطة عام 1997، أحس المجتمع الإيراني بأن تغييراً ما قد يحدث في البلاد، لكنه أُصيب بصدمة بعد تبدد كل ما بشر به من تغيرات جذرية، وعودة القبضة الحديدية في ظلال حُكم الرئيس أحمدي نجاد ما بعد عام 2005. كانت مواجهة عام 2009 بين السُلطة والمجتمع الإيراني حاسمة للغاية، فالقضاء على "الثورة الخضراء" وقتئذ كانت تعني تكريس القبضة الأمنية وسحب السياسة تماماً من المجتمع الإيراني، وإخراجه من أية شراكة في الحُكم وإدارة الشؤون العامة، فالسلطة صارت جهازاً مغلقاً على نفسه، خارج المجتمع، وهو ما أفرز كل الأزمات الانفجارية اللاحقة كلها، واليوم يعتقد الإيرانيون أنه لا حل إلا بالسياسة".

تحدث الاحتجاجات الشعبية الإيرانية الراهنة ضمن مناخ سياسي وعسكري ضاغط على إيران ونظامها السياسي

ويتابع الباحث عسكر حديثه مضيفاً: "ثمة سؤال يطرحه كل إيراني على نفسه اليوم: لماذا لم تتمكن السلطة الإيرانية من الاستجابة لمطالب المتظاهرين إثر الاحتجاجات الاقتصادية في عام 2017-2018، التي بقيت طوال شهور، ولم تكن جذرية سياسياً تجاه نظام الحكم. فبدلاً من قتل عشرات المتظاهرين ومحق كل بؤرة احتجاج شعبي، كان يمكن للسلطة أن تعمل على استجابة استراتيجية لما هز البلاد وقتئذ. لكن كان واضحاً أنها غير قادرة على ذلك، بسبب جملة الظروف والمناخات الجيوسياسية، وعلى رأسها هاجس استقرار الحُكم المُستدام، الذي يُسيطر عليها. فتلك المظاهرات التي هزت ركائز النظام السياسي، عادت واندلعت بعد عام واحد، وتقريباً لنفس الأسباب، حين رفعت السلطات أسعار الوقود في شهر نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2019، لكنها صارت تستهدف رموز السلطة الحاكمة، وتطالب بتغييرات سياسية. بعد أقل من عامين انفجرت أزمة نقص المياه والطاقة، التي أثبتت عجز السلطة عن القيام بالحد الأدنى من وظائفها العامة، حتى في أكثر مناطق البلاد ثراء بها، وهو إقليم خوزستان ذو الأغلبية العربية، حيث بدأت شرارة المظاهرات. لكن احتجاجات العامين 2022-2023، أو ما سُمي انتفاضة مهسا أميني، كشفت عن مدى الفجوة الرمزية والثقافية والروحية بين السلطة والمجتمع في إيران. بين مطالب بالحد الأدنى من الكرامة والحق في الحريات الشخصية في المجال الخاص، وبين سُلطة قمعية لا تتوانى عن عزل البلاد وتنفيذ الاعتقالات الجماعية وعمليات الإعدام، فقط لمحق تلك المطالب. وبناء على كل تلك المعطيات، فإن الاحتجاجات الإيرانية الراهنة ليست ذات طابع وهوية اقتصادية أو خدمية، وإن كانت تبدو كذلك وانطلقت لأجله. فالمُحتجون الإيرانيون يعرفون أن أي تغيير حقيقي لا يُمكن تحقيقه دون واقع سياسي جديد، يكون للمجتمع والحساسيات الإيرانية القدرة على النفاذ إلى نواة السلطة والتأثير فيها والشراكة معها، وهو ما يبدو مرفوضاً تماماً بالنسبة للحاكمين".

تعقيدات جيوسياسية

تحدث الاحتجاجات الشعبية الإيرانية الراهنة ضمن مناخ سياسي وعسكري ضاغط على إيران ونظامها السياسي. فهي تجري بعد أسابيع قليلة من حرب واسعة بينها وبين إسرائيل، تمكنت الأخيرة من تدمير الكثير من بنية إيران العسكرية، وسيطرت طوال أيام على أجوائها، وقصفت خلالها منشآتها النووية، وكشفت عن وجود مئات المتعاونين معها في الداخل الإيراني. كذلك تجري في ظل تراجع الدور الأمني والنفوذ الإقليمي لإيران في المنطقة. فحرب غزة الطويلة فككت قدرات حركة "حماس" الفلسطينية، ودمرت حرب لبنان القدرات الأساسية لـ"حزب الله" اللبناني الموالي لإيران، في وقت سقط فيه النظام السوري قبل قرابة عام، وتعرضت حركة الحوثي اليمنية التابعة لإيران لضربات موجعة.

أي توافق اقتصادي أميركي-صيني سوف يحرم إيران من إمكانية الاستمرار بتصدير النفط إلى الصين، وتالياً تراجع واردات خزينتها العامة بنسبة لا تقل عن 30 في المئة

لكن الأهم حسب رأي المراقبين هو ما ينتظر إيران في الأفق المنظور. فالاجتماع الأخير بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترمب يبدو أنه توصل إلى صيغة تسمح لإسرائيل بتجديد شن الهجمات على إيران، وبتغطية ومساعدة أميركية. كذلك فإن أي توافق اقتصادي أميركي-صيني سوف يحرم إيران من إمكانية الاستمرار بتصدير النفط إلى الصين، وتالياً تراجع واردات خزينتها العامة بنسبة لا تقل عن 30 في المئة، وهو ما قد يفاقم الأزمة الداخلية لحدود قصوى. 

أ ب
الرئيس الايراني مسعود بزشكيان يلقي كلمة في طهران في الاول من يناير اثناء احياء ذكرى اغتيال قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري" قاسم سليماني

الرئيس ترمب قال تعليقاً على الأحداث الأخيرة: "إذا أطلقت السلطات الإيرانية النار وقتلت المتظاهرين السلميين بعنف، وهو ما اعتادت عليه، فإن الولايات المتحدة الأميركية ستأتي لنجدتهم، نحن في حالة تأهب كامل، وجاهزون للتحرك". التصريحات استدعت ردود فعل إيرانية عنيفة، إذ قال أمين مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، والذي يُعتبر من أقوى شخصيات النواة الصلبة للنظام الحاكم: "مع صدور مواقف المسؤولين الإسرائيليين وترمب، يتضح ما كان يجري خلف الكواليس. نحن نميز مواقف التجار المحتجين عن العناصر التخريبية. تدخل الولايات المتحدة في هذه القضية الداخلية يعني زعزعة استقرار المنطقة بأكملها وتقويض المصالح الأميركية". ومن الجدير بالذكر أنها المرة الأولى التي يعلق فيها رئيس أميركي على احتجاجات الداخل الإيراني بهذه الطريقة. 

font change