تركيا... القوميون الجدد

رغبة شديدة في استرجاع النزعة التحديثية

تركيا... القوميون الجدد

استمع إلى المقال دقيقة

خلال الانتخابات البرلمانية الأخيرة، ولأول طوال قرنٍ كامل، منذ تأسست الدولة التركية الحديثة، حصل مجموع الأحزاب القومية التركية على كتلة تصويتية أكبر مما حصلت عليه الأحزاب الإسلامية/المحافظة. فهذه الأخيرة، وطوال هذا القرن، وإن كانت تمارس تقية سياسية مستدامة، إلا أنها كانت أكثر شعبية وجذباً للقواعد الشعبية على الدوام، ووحدها نوعية بنية الدولة كانت عاملاً لبقاء واستدامة التنظيمات والمشاعر القومية، التي لم تتجاوز الثلث في أية مرحلة تاريخية. لكن يبدو أن شيئاً ما جذرياً بدأ يتحول.

فمنذ تلك الانتخابات التي جرت منذ عامين، تُشير استطلاعات الرأي إلى زيادة شعبية "حزب الشعب الجمهوري" "الأتاتوركي"، ومثله حزبا الحركة القومية و"الحزب الخيّر" الراديكاليان، قبالة تراجع شعبية "حزب العدالة والتنمية" (الإسلامي)، ومثله التيارات اليسارية والليبرالية والمحافظة والمناطقية. في وقتٍ تُظهر الأفكار والطروحات والتحركات القومية حضوراً وفاعلية في الفضاء العام، وقدرة على الشحذ والتحشيد، قبالة تراجع وترهل واضح لكل ما هو نظير لها أيديولوجياً وخطابياً.

العشرات من الدراسات السياسية والاجتماعية البحثية التركية المهتمة بتلك الظاهرة، تمارس دوراً في تقفي الأسباب الحياتية/الموضوعية لما يجري، متحدثة عن قضايا مثل "فساد الطبقة الإسلامية الحاكمة"، و"موجة المهاجرين السوريين والآسيويين"، و"زيادة مستويات التحولات الإقليمية المهددة لوحدة البلاد". لكن تقف هنا بالضبط، دون أن تدخل في تفاصيل التحولات التي جرت على "هيكل القوميين" هؤلاء، في بلد عُرف تاريخياً بحضور مستدام للأفكار والتنظيمات والرموز القومية، وتسيدها واستحواذها على سلطة استثنائية في مؤسسات وأجهزة الدولة.

فعلى العكس تماماً من الأحزاب الإسلامية/المحافظة، فإن أعضاء الطفح القومي الجدد لم يأتوا من تنظيمات سياسية، موجهة لأفكارهم ومنظمة لسلوكياتهم العامة. فالإحصاءات الرسمية في تركيا تُشير إلى أن مجموع أعضاء الأحزاب القومية الرئيسة الثلاثة لا تزيد على 2.8 مليون عضو، بينما يزيد منتسبو "حزب العدالة والتنمية" عن 11.5 مليون عضو منظم. فالقوميون الأتراك التقليديون كانوا بأغلبيهم المطلقة أفراداً مزاولين لأحزاب وجمعيات وتنظيمات مؤسساتية، نهلوا منها كل أدوات فاعليتهم. لكن القوميين الحاليين، وإن كانوا أكثر صخباً وغضباً وجاهزية للتحشد والمواجهة، فإنهم مجرد أفراد دون مرجعيات تنظيمية، محرضة أو ضابطة أو موجهة لها.

كذلك فإن هؤلاء القوميين، وإن كانوا يستبطنون أفكاراً ويمارسون سلوكيات بناء على معتقدات وخطابات ورموز قومية، فإنهم فعلياً أناس دون تعاريف وأيديولوجيات نازجة، حول الذات والتاريخ والعالم من حولهم. وتالياً خلو عقولهم ووجدانهم من أية برامج أو رؤى توضح وتعرف وتشرح لهم ما هم عليهم، أو "ما على الدولة أن تفعله". فمشاعرهم القومية هي شيء شديد الانفعالية المؤقتة، التي تتصرف تحت واعز الشعور بالخطر وإمكانية الزوال، وتالياً البحث الدائم عن المعنى وردّ ما يحيط من "مخاوف".

بمقاطعة هاتين الحقيقتين، يبدو واضحاً كيف أن الأغلبية المطلقة من هؤلاء القوميين الجدد، الفئات الأصغر عمراً تحديدا، قد استقت وراكمت أشكال وعيها القومي من وسائل التواصل الاجتماعي، من المقاطع المصورة والأغاني والخطابات القومية، وليس من الكتب الفكرية والمؤسسات التعليمية والحزبية والثقافية. بهذا المعنى، فإن القوميين الجدد، وإن كانت الرموز القومية تُغرق الفضاء الكلي المحيط بهم، فإنهم أناس لا يعرفون شيئاً كثيراً عن تاريخ قومياتهم ورموزهم، ولا حتى رؤى وأفكار محكمة عما هم منخرطون فيه.

القومية الجديدة لا تبدو بعيدة كثيراً عن "الوطنية المقدسة". فأغلب القوميين لا يعتدون بمفاهيم العرق السامي والأصل المقدس والشعوب العابرة للحدود. وإن كانوا غير مرحبين بأدوات وفروض التنوع العرقي والقومي في بلد مثل تركيا

كذلك فإن القوميين الجدد يظهرون رغبة شديدة في استرجاع واحدٍ من الأوجه التقليدية للتيارات القومية، أي النزعة التحديثية، والتي وُئِدَت بفعل تماهي وتراكب التنظيمات القومية بنظيرتها الإسلامية/المحافظة، حينما رغبت في جذب جزء من القواعد الاجتماعية المحافظة منذ أوائل سبعينات القرن المنصرم، فتخلت عن اهتمامها بفكرة التحديث. فهؤلاء القوميون بأغلبيتهم المطلقة من أبناء المدن وذوو تعليم معقول، وينتمون إلى الطبقات الاقتصادية الوسطى والعليا، وهي ترغب في تعميم النموذج التحديثي والدفاع عنه. إذ يبدو أن التنمية الإنسانية والتعليمية والاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها تركيا خلال العقدين الماضيين، سمحت لأبناء هذه الطبقات بأن يكونوا أكثر عضوية واندماجاً في المنتجات وأساليب العيش والقيم الغربية، في تفاصيل مثل الحق في الفردانية والسلطة على الجسد والحريات المدنية، دون التفاتة واهتمام بمواعظ النزعات المحافظة. إذ يعتبرون التحديث شرطاً لتطور بلدانهم.

مع الأمور كلها، فإن القومية الجديدة لا تبدو بعيدة كثيراً عن "الوطنية المقدسة". فأغلب القوميين لا يعتدون بمفاهيم العرق السامي والأصل المقدس والشعوب العابرة للحدود. وإن كانوا غير مرحبين بأدوات وفروض التنوع العرقي والقومي في بلد مثل تركيا.   

 أخيراً، فإن ما يُطبق على تركيا في لحظتها التاريخية الراهنة، إنما يصح على مختلف بلدان المنطقة، وإن بنسب متفاوتة، بين دولة وأخرى.

font change