لكن.. أين هم معتدلو بلداننا؟

إن تحول المعتدلين إلى مادة سائلة شفافة، من غير ملامح أو تأثير، صادر عن سوء وعيها لذاتها

لكن.. أين هم معتدلو بلداننا؟

استمع إلى المقال دقيقة

في حاضرنا المعاصر، نعرف جميعا من هم المتطرفون أيديولوجياً وسلوكياً، الدينيون منهم والقوميون واليساريون والوطنيون والمناطقيون، وغيرهم. حتى إن تحديدهم وتأطيرهم لا يحتاج إلى أي جهد بحثي، لجلاء الأدوار التي يؤدونها، ولكثافة ما لتلك الأفعال من تأثيرات على حياتنا الخاصة والعامة. فهؤلاء المتطرفون صنعوا كل ما عانيناه خلال نصف القرن الأخير، هندسوا شكل عيشنا وفضاء وعينا ونمط علاقتنا مع العالم الخارجي، وإدراك وسياسات هذا الأخير تجاهنا، خصوصا الغربي منه. حدّوا من أفق تطلعاتنا، وفي مرات لا تعد، أجبرونا لأن نتحالف ونقبل بالتعامل وأن نبدي مظاهر الرضا على جهات وفاعلين بذاتهم، ما كنا لنعطيهم أذنا مصغية، لولا هواجسنا، وغالبا رعبنا، من هؤلاء المتطرفين.

لكننا أيضا مجمعون على أن هؤلاء المتطرفين أنما هم أقلية دائمة، ضمن كل الجماعات السياسية والمجتمعية والأيديولوجية يدعون تمثيلها. نحن متفقون على ذلك الأمر كبداهة لا تقبل النقاش، دون أن نتساءل: لكن أين هم هؤلاء الذين نعرف جميعا أنهم الأغلبية الوازنة في كل كتلة بشرية وعقائدية وسياسية من حولنا، الذين نسميهم "المعتدلون"؟

يتقصد سؤال أين هم؟ البحث عن مستويين من الغموض يكتنف عوالم هذه الجماعة الغالبة. فأولا ما الملامح الأيديولوجية والخطابية للمعتدلين هؤلاء في الفضاءات العامة من حولنا، فضاءاتهم. وما مجموعة الأفكار والآراء التي يحملونها حول مختلف القضايا والهواجس والأحداث التي تحيط بهم، من أشياء بسيطة مثل الحريات الفردية والقوانين العامة والحقوق المدنية، وصولا لأكبر القضايا كالتغيرات المناخية وموقع الدين من الدولة والقضية الجندرية وتوزيع الثروة العامة وشكل السلطة الحاكمة للبلدان وهوية مؤسسات وأجهزة الدولة ومستقبل التنمية والعدالة الاجتماعية... إلخ؟ هذه القضايا التي تنضح وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بمواقف ورؤى المتطرفين حولها، على قلتهم، وتفتقر إلى أي خطاب أو رأي لهؤلاء المعتدلين، على كثرتهم.

معتدلو بلدننا اليوم كتل مجتمعية دون أية ملامح أيديولوجية، تحديدا على مستوى الخطاب والوعي بالعالم والقضايا العامة والإيمان والثقة بالذات

المستوى الثاني من سؤال أين هم؟ يتقصد البحث عن السلوكيات الحياتية والسياسية والاجتماعية التي يمارسها هؤلاء "المعتدلون"، ردا على ما يحيط بهم من أحداث، وتفاعلا معه. هذه السلوكيات من المفترض أن تكون نقيضا لما يقوم به المتطرفون. فلو أخدنا حدثا مثل إبادة تنظيم "داعش" الإرهابي لعشرات الآلاف من أبناء الديانة الإيزيدية في محافظة نينوى (الموصل) العراقية، كنموذج معبر عن أعتى درجات التزمت والوحشية الآدمية التي يمكن أن تقوم بها جماعة متطرفة ما، يحضر السؤال الجارح: ما الذي فعله غير المتطرفين من أبناء تلك البيئة أثناء تلك الأحداث، وحتى بعدها، ما أشكال "لثم الجراح" التي قدموها مثلا للضحايا وذويهم وبيئتهم المحلية، أية أفكار وسلوكيات أقدموا عليها، للتبرؤ وإدانة ما فعله المتطرفون من أبناء مجتمعاتهم، وما هي الأدوات والفرص التي وفروها لقلب تلك الصفحة الدامية والأليمة، بالذات من خلال محاولة إغلاق جميع أبواب التطرف؟ مع الأسف لا جواب. 
بهذا المعنى، فإن هلامية الطبقات المجتمعية المعتدلة في بلداننا، ورخاوتها السياسية والسلوكية والتنظيمية، إنما هي النصف المكمل لقدرة المتطرفين على لعب أدوار بارزة في حياتنا المعاصرة. 
فمعتدلو بلداننا اليوم كتل مجتمعية دون أية ملامح أيديولوجية، تحديدا على مستوى الخطاب والوعي بالعالم والقضايا العامة والإيمان والثقة بالذات. هي كتل كبرى من بشر لا رغبة، وتاليا لا قدرة لديهم على الفاعلية العامة، يعيشون عفة ومتاركة تامة لكل ما هو سياسي وعام، فاقدين لكل أمل بإمكانية تغيير الأحوال وتحسنها عبر تحركاتهم. لأجل ذلك هم أناس خارج أية حسابات وتوازنات سياسية وأيديولوجية ومجتمعية، وفعليا يخدمون الأجندات المتطرفة، وإن بشكل موضوعي. 
خلال ربع القرن الأخير، تأتت "عزلة المعتدلين" هؤلاء في بلداننا من ثلاث منابت تأسيسية، تراكمت وتراكبت وصنعت التموضع الراهن. أضيفت بمجموعها لضعف الطبقة الوسطى وهشاشتها التقليدية في هذه البلدان. 

في نماذج لا تعد، تحولت البلدان إلى ساحات مصارعة رومانية، بين الأنظمة ومعارضيها، وبين هؤلاء الأخيرين وبعضهم البعض في مراحل لاحقة، المختلفين في كل شيء، المتطابقين في تطرفهم

فمع نهاية الحرب الباردة وانطفاء جذوة التنظيمات اليسارية، فقدت الأحزاب حماستها في تشكيل تلك البنى التنظيمية ذات الملامح الستالينية التقليدية. إذ لم يعد من أحد يؤمن بأن تنظيم مئات الآلاف من الأفراد ضمن شبكات حزبية أمرا ذا جدوى. فـ"هزيمة" التنظيمات السياسية اليسارية، بما كانت تشكله من "قدوة تنظيمية" لباقي التيارات السياسية، كانت بمعنى ما هزيمة لفكرة وسلوك "الانتظام والهيكلية السياسية لملايين الأفراد" نفسها. وتاليا أفقد الجماعات الأكثر اعتدالا القدرة على تأطير الذات أيديولوجياً وتشكيل الوعي والسلوك الذي من المفترض أن تمارسه. 
المنبت الآخر متأت من فظاعة الاستقطاب الذي استحدثته وقائع "الربيع العربي". ففي نماذج لا تعد، تحولت البلدان إلى ساحات مصارعة رومانية، بين الأنظمة ومعارضيها، وبين هؤلاء الأخيرين وبعضهم البعض في مراحل لاحقة، المختلفين في كل شيء، المتطابقين في تطرفهم. كانت تلك "المصارعة" من النوع الدموي العدمي الذي هشم كل قدرة لدى غير المتطرفين كي يندمجوا أو حتى يتفاعلوا مع أي من وقائعها، فهشموا وهمشوا، شيء اختصره خطاب المنتصرين السوريين خلال الشهور الماضية بعبارة "اللي بيحرر بيقرر".
أخيرا، فإن تحول المعتدلين إلى مادة سائلة شفافة، من غير ملامح أو تأثير، صادر عن سوء وعيها لذاتها، بفعل تأثيرات وسائل التواصل الاجتماعي. شيء شبيه لما فاض ماركس في شرحه عن قدرة الطبقات المسيطرة على تعكير وعي الطبقات المحرومة بذاتها وهويتها وموقعها، وتاليا سوء الإيمان بدورها. فوسائل التواصل الحديثة تصنع ملايين الأفراد، وتزيد كل يوم من غرور فردانيتهم المطلقة، وتعمل دون هوادة على منعهم من الاندراج في أي جهد جماعي، يتطلب بالضرورة التخلي عن الكثير من أوهام وإغراءات الفردانية.

font change