هل "تستسلم" إيران أم يصطدم ترمب بـ"عجز القوة"؟

لا يمكن لواشنطن القبول باتفاق لا يتناسب مع حجم الحشد العسكري في المنطقة

أ ف ب
أ ف ب
رجل يمر بجوار جدارية مرسومة على الجدران الخارجية للسفارة الأميركية السابقة في طهران، والتي يشار إليها، في أوساط الحكم الإيراني، باسم "وكر الجواسيس"، في 1 فبراير 2026.

هل "تستسلم" إيران أم يصطدم ترمب بـ"عجز القوة"؟

لا تنطوي أزمة دولية أو إقليمية حول العالم على هذا الكم من التعقيدات مثلما هي حال الأزمة الإيرانية المفتوحة على شتى الاحتمالات والسيناريوهات. هنا يضطر دونالد ترمب إلى التفكير مليا وتقليب الخيارات. هنا لا يستطيع الرئيس الأميركي أن يقول ما قاله بشأن الحرب الروسية-الأوكرانية عن أنه يستطيع تسوية المسألة خلال 24 ساعة، وإن لم يستطع تنفيذ ذلك فعليا. كذلك لا يستطيع أن يقول ما قاله خلال إبرام اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، عندما أعلن أنه استطاع في وقت قصير أن يحل أزمة عمرها ثلاثة آلاف سنة، وفق تقديره الذي لا يستند إلى أي منطق تاريخي.

وبالمقارنة أيضا فإن أزمة فنزويلا قد تبدو لترمب بمثابة نزهة ذات يوم مشمس في "الحديقة الخلفية" للبيت الأبيض، مع أن استنساخ عملية كاراكاس في طهران، والتي أدت عمليا إلى فصل رأس النظام عن جسده، هو أحد السيناريوهات المفترضة للتعامل الأميركي مع ملف إيران. لكن الأهم في ما يخص المقارنة بين الأزمتين هنا، هو أن العملية الأميركية في كاراكاس مطلع العام الحالي، عكست توجها أو أسلوبا أميركيا جديدا في التعامل مع الملفات حول العالم.

ترمب وإدارته لا يضعان أي عنوان "مثالي" لسياساتهم وتدخلاتهم العسكرية، بل إن هذه السياسات والتدخلات هي رد على "النمط الرسالي" للإدارات السابقة

وهنا قد يكون من سوء التقدير اعتبار أن الطريقة التي تمت بها العملية بقصد إحداث الصدمة والذهول على المسرح الدولي، وكأنها عرض تلفزيوني مثير ومشوق، تعكس أسلوب الرئيس ترمب في حبه للاستعراض والإثارة والمفاجأة، على طريقة "تلفزيون الواقع"، بل إن إثارة الصدمة بهذه الطريقة لا تقل عن كونها استراتيجية أميركية جديدة في التعامل مع الأزمات الدولية، وفي رسم ملامح النظام  الدولي الجديد، أو الحفاظ على موقع أميركا المتفوق فيه، في ظل التحدي الصيني الحقيقي للولايات المتحدة والذي لم يعد من الممكن فصل أي من سياساتها واستراتيجياتها عنه. وهذا تحد لن يكون لسنة أو سنتين أو عشر سنوات بل هو تحد سيستمر لقرن من الزمن ربما.

رويترز
طائرة من طراز إف/إيه-18إي سوبر هورنت وهي تشق طريقها إلى المدرج للهبوط على سطح حاملة الطائرات يو إس إس أبراهام لينكولن (سي في إن 72) في الخليج، في 23 نوفمبر 2019

وهذا ما ينطبق على الحالة الإيرانية بالنسبة للإدارة الأميركية وللرئيس ترمب شخصيا، سواء بالنسبة لمحاولة الحفاظ على نمط "الإدهاش" كما في الحالة الفنزويلية، أو في جعل أي تعامل مع إيران يصب في خانة احتواء الصعود الصيني حول العالم. وهنا تجدر الإشارة إلى الفارق بين دونالد ترمب وجورج دبليو بوش، وبين الزمنين الأميركيين اللذين يمثلانهما. فبوش ومعاونوه من المحافظين الجدد كانوا يضعون عنوانا "مثاليا"، ولو مواربا، لحملاتهم العسكرية في الشرق الأوسط ولاسيما في العراق، وهو نشر الديمقراطية والقيم الليبرالية، كإحدى نتائج سقوط الاتحاد السوفياتي و"نهاية التاريخ".

أما الآن فإن ترمب وإدارته لا يضعان أي عنوان "مثالي" لسياساتهم وتدخلاتهم العسكرية، بل إن هذه السياسات والتدخلات هي رد على "النمط الرسالي" للإدارات السابقة على اعتبار أنه أضعف الولايات المتحدة، أو أنه لم يساهم في تعزيز قوتها، ما أدى إلى تعزيز فرص الصين الاقتصادية والاستراتيجية. وهذا ما يستبعد مرة جديدة الاعتقاد بأن سياسات ترمب في ولايته الثانية تعكس أسلوبه الشخصي ورؤيته النفعية للعلاقات الدولية وللعالم، إذ هي في الأساس، وفي الشكل والمضمون، محاولة استلحاقية أو استدراكية للولايات المتحدة لاحتواء الصعود الصيني ومنع تراجع أو سقوط الهيمنة الأميركية حول العالم.

بين زمنين أميركيين

وهذا كله ليس فارقا في الأسلوب وحسب، بين ترمب وأسلافه، بل هو في العمق دليل على المتغيرات التي طرأت على الولايات المتحدة والعالم بين مطلع القرن والآن. ففي مطلع القرن كانت الولايات المتحدة تتصرف كقوة لا يضاهيها أحد ليس عسكريا وحسب بل واقتصاديا أيضا، أما الآن فالوضع مختلف تماما، في ظل التنافس التجاري والتكنولوجي الصيني-الأميركي والذي تبدو فيه الصين خصما شرسا وخطرا جدا.

إدارة ترمب لا يمكنها أن تكتفي باتفاق تقليدي مع إيران حتى لو قدمت الأخيرة تنازلات في الملف النووي وفي ملفي الصواريخ الباليستية والميليشيات

ولذلك فإن انتخاب ترمب لولاية ثانية كان نتيجة استشعار أميركي جمعي بهذا الخطر، وهو ما يلغي أي ترف أميركي لوضع عناوين براقة وللدفاع عن نظام دولي لم تعد قواعده الليبرالية تخدم مصالح واشنطن وقدرتها على التحرك "الحر"، بل على العكس تماما فهي قواعد تقيدها وتحصرها في المسار التقليدي للعلاقات الدولية الذي لم يعد يوفر لواشنطن أدوات كافية لمحاصرة خضومها وفي مقدمتهم  بكين.

وعليه فإن هذا التداخل المقصود والمنهجي بين الأسلوب الشخصي لترمب واستراتيجية إدارته أو حتى استراتيجية "الدولة العميقة" الأميركية بعد التحولات التي طرأت عليها مع بدء الولاية الثانية لترمب، هذا التداخل يواجه الآن اختباره الأخطر والأقسى في الملف الإيراني. فبعد أن حشد الجيش الأميركي أضخم ترسانة عسكرية في الشرق الأوسط استعدادا لشن هجوم ضد إيران، بدا أن سرعة التحرك الأميركي في فنزويلا غير قابلة للتكرار في طهران، وهو ما أظهر حتى الآن محدودية القوة الأميركية أمام الحسابات المعقدة المتصلة بالملف الإيراني، أو بمفردات أخرى. حيث أظهر، أو كاد، عجز القوة الأميركية أمام تحقيق أهداف سريعة و"حاسمة". والأهم بالنسبة لترمب أنه وبعدما رفع سقف التهديد للنظام الإيراني إلى أقصاه ووعد بدعم المتظاهرين ضده بدا وكأنه تراجع عن تنفيذ تهديداته ووعوده، حتى لو حاجج بأن إيران امتنعت عن إعدام نحو 800 متظاهر بفضله هو، مع أن أحدا لم يذكر هذا الرقم سواه!

اتفاق بحجم الحشد العسكري

أيا يكن من أمر فإنّ ترمب، وأمام هذا الحشد العسكري الأميركي الضخم والذي تحدث هو نفسه مرات عدة عن ضخامته، لا يمكنه- إذا امتنع عن تنفيذ ضربة "حاسمة" ضد إيران- إلا أن يحصل على اتفاق معها بحجم هذا الحشد العسكري، أولا لتبرير كلفته أمام الناخب الأميركي الذي سيتوجه إلى صناديق الاقتراع في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل في الانتخابات النصفية، وثانيا لأن حجم الاتفاق يقاس أيضا بحجم قوة الردع الأميركية لإيران. وهذه وظيفة أساسية للحشد العسكري الأميركي غير المسبوق في المنطقة، أي إن واشنطن أرادت من خلاله، أن ترفع مستوى ردعها لإيران إلى أقصاه بحيث تعطل قدرتها على الرد على المصالح والقواعد الأميركية في المنطقة، فضلا عن إضعاف قدراتها على استهداف إسرائيل وأذيتها، كما حصل خلال حرب الـ12 يوما في يونيو/حزيران الماضي.

لذلك فإن الكلام عن أن المفاوضات المزمع استئنافها بين واشنطن وطهران ستشمل الملفات نفسها التي انتهت إليها المفاوضات السابقة في يونيو الماضي، لا يبدو منسجما مع السياقات الداخلية والخارجية المرتبطة بالحدث الإيراني، وتحديدا لجهة الدينامية الأميركية الجديدة والتي عبرت عنها عملية كاراكاس في 3 يناير/كانون الثاني الماضي. وهذا يعني أن إدارة ترمب لا يمكنها أن تكتفي باتفاق تقليدي مع إيران حتى لو قدمت الأخيرة تنازلات في الملف النووي وفي ملفي الصواريخ الباليستية والميليشيات. فثمة ما يفترض أن يكون قد تغير في تعامل إيران مع الولايات المتحدة بعد أي اتفاق مفترض بين الطرفين.

وإذا لم يكن تغيير النظام أولوية لترمب وفريقه فهذا لا يعني أن ترمب يمكنه أن يحقق إنجازا، بحجم الحشد العسكري الأميركي في المنطقة، من دون حدوث تغيير معين داخل النظام الإيراني، سواء حدث ذلك مع ضربة عسكرية أو بفعلها أو من دونهما. والتغيير هنا مرتبط بالاتفاق نفسه، أي إن هذا الاتفاق المفترض هو نتيجة التغيير داخل النظام الإيراني أو إعلان له، أي أن يصبح النظام الإيراني مستعدا وقادرا على إبرام صفقة تعاملية مربحة مع الإدارة الأميركية.

تأجيل ترمب توجيه ضربة عسكرية لإيران وإعطاء فرصة لـ"الدبلوماسية" لا يعني أن الخيار العسكري رفع عن الطاولة في البيت الأبيض والبنتاغون، وإن كان هذا الخيار دونه حسابات معقدة ومعادلات دقيقة

وهنا نعود إلى الاستراتيجية الأميركية الرئيسة والقائمة على احتواء الصعود الصيني حول العالم، وهو ما ينطبق أيضا على إيران، بحيث إن أي اتفاق بينها وبين واشنطن يفترض بنظر الأخيرة أن يؤدي إلى احتواء الصين داخل إيران، وهذا يبدأ بالنفط ولا ينتهي بالغاز الذي تعتبر إيران ثاني أكبر احتياطي له في العالم، ناهيك بما يتوفر فيها من معادن نادرة.

ولا ننسى أن خروج ترمب من الاتفاق النووي مع إيران عام 2018 كان في جزء رئيس منه بسبب أنه يفتح إيران للأسواق الأوروبية أكثر منه للأسواق الأميركية، فكيف الحال الآن في عزّ الحروب التجارية والتنافس الاقتصادي التكنولوجي حول العالم وبالتحديد بين الولايات المتحدة والصين. هنا حجر الرحى في الملف الإيراني بالنسبة لترمب وفريقه، وهنا يقاس نجاحهم أو إخفاقهم في هذا الملف الذي ليس ملفا إقليميا بحتا بل دولي أيضا في ظل ارتباطاته الدولية ولاسيما بين الصين وروسيا والولايات المتحدة.

رويترز
عرضت صواريخ إيرانية في حديقة بمدينة طهران، إيران، في 31 يناير 2026.

بين ترمب وخامنئي

إلى هذه الأبعاد ثمة بعد شخصي لا يمكن إغفاله في مقاربة الضغط الأميركي الأقصى ضد إيران، وهو أن جزءا من هذا الصراع يجري بين رجلين من عالمين مختلفين كليا هما "المرشد" الإيراني علي خامنئي ودونالد ترمب. وقد نجح "المرشد" في تحدي "الرئيس" الأميركي بمجرد أن دفعه أكثر من مرة للرد عليه، وكان آخرها عندما قال إنه سيرى إن كان خامنئي قادرا على إشعال حرب إقليمية في حال هاجمت الولايات المتحدة إيران. فكلما "تورط" ترمب في الرد على خامنئي، أصبح ملزما أكثر لحسم الصراع معه، وهذا تحد للرئيس الأميركي الذي يتصرف كما لو أنه "سيد العالم" ولا يمكن لأحد أن يتحداه؛ وهذا تعقيد إضافي للصراع الدائر بين النظام الإيراني والإدارة الأميركية. فإما أن يصطدم ترمب بـ"عجز القوة" أمام تعقيدات الملف الإيراني والتي تمتد من شروط الداخل الأميركي إلى محاذير الحلفاء الإقليميين، فيبحث عن مخارج آمنة وعن صياغات كلامية للنزول عن الشجرة. وإما أن ينتهي الأمر بـ"استسلام" النظام الإيراني للشروط الأميركية بمجرد تقديم تنازل كبير في المفاوضات، فيبحث هو الآخر عن مخارج لفظية لا تفوته.

هذا من دون إغفال أن تأجيل ترمب توجيه ضربة عسكرية لإيران وإعطاء فرصة لـ"الدبلوماسية" لا يعني أن الخيار العسكري رفع عن الطاولة في البيت الأبيض والبنتاغون، وإن كان هذا الخيار دونه حسابات معقدة ومعادلات دقيقة، بين توجيه ضربة "حاسمة" وعدم الانجرار إلى حرب شاملة بخلاف وعد ترمب لناخبيه. وحتى الإيرانيون أنفسهم لا يستبعدون أن تعيد ضربة مماثلة المحتجين إلى الشارع، في ظل الاحتقان الداخلي والذي لن يستطيع النظام الإيراني احتواءه بالوسائل التقليدية ما دام لا يملك الحلول الاقتصادية اللازمة إلا إذا أبرم اتفاقا مع الولايات المتحدة. وهو ما دل عليه القمع الوحشي الذي استخدمه ضدّ المتظاهرين لإرعابهم بعد سقوط كل قنوات التفاوض الممكنة معهم، وهذا ليس أقل من قطيعة في مسار النظام الإيراني، بدأ خبراء غربيون يشبهونها بالقطيعة في مسار نظام حافظ الأسد بعد مجزرة حماة عام 1982، ذلك أيا تكن سيناريوهات الضغط والتدخل الأميركية، والتي لا تبدو هينة بطبيعة الحال، والأهم أنها ستشكل هي أيضا محطة مفصلية في ولاية ترمب الثانية.

font change


مقالات ذات صلة