أين تتجه ليبيا بعد مقتل سيف الإسلام القذافي؟

ثاني أكبر أبناء معمر القذافي

رويترز
رويترز
سيف الإسلام القذافي جالس داخل طائرة في الزنتان بتاريخ 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2011

أين تتجه ليبيا بعد مقتل سيف الإسلام القذافي؟

فوجئ الليبيون في الثالث من فبراير/شباط الجاري، بخبر مقتل سيف الإسلام القذافي نجل الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي في مدينة الزنتان غرب ليبيا، بعد إعلان المستشار السياسي لسيف القذافي، عبدالله عثمان، في منشور على "فيسبوك"، خبر مقتله، دون أن يكشف أي تفاصيل عن حادثة القتل أو الجهة المنفذة.

ونعى الفريق السياسي لسيف الإسلام القذافي ما وصفه بـ"المشروع الإصلاحي الوطني لسيف الإسلام"، معتبرين اغتياله اغتيالا لفرص السلام والاستقرار في البلاد.

وأكد مكتب النائب العام الليبي أن سيف الإسلام القذافي قُتل إثر إصابته بأعيرة نارية، وكلف النائب العام، الصديق الصور، المحققين باستيفاء المعلومات حول الواقعة.

توقيت مقتل سيف الإسلام القذافي، الذي يتزامن مع الذكرى 15 للثورة التي أطاحت بنظام أبيه، بدعم من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، جاء بعد إعلان مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس عن جمعه لكبار المسؤولين من غرب ليبيا وشرقها في العاصمة الفرنسية باريس الأسبوع الماضي، لإجراء مناقشات مثمرة حول الجهود الليبية الرامية إلى صياغة وحدة وطنية واستقرار طويل الأمد، بما يتماشى مع أجندة السلام الأوسع للرئيس ترمب.

هذا اللقاء الذي جمع مستشار رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية للأمن القومي إبراهيم الدبيبة، ونائب القائد العام للجيش الليبي في شرق ليبيا الفريق صدام حفتر، نجل المشير خليفة حفتر، وهو لقاء يرى البعض أنه سيكون بداية لتشكيل حكومة موحدة في المستقبل.

القذافي الابن، المولود عام 1972، مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهم تتعلق بالتحريض على ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في ليبيا عام 2011، عقب اندلاع احتجاجات ضد نظام حكم أبيه، بالإضافة إلى قيام محكمة ليبية أصدرت في 2015 حكماً غيابياً بالإعدام على سيف الإسلام بتهمة قمع الاحتجاجات خلال ثورة عام 2011 التي ساهمت في إنهاء حكم والده.

سيف الإسلام القذافي هو ثاني أكبر أبناء معمر القذافي، درس في النمسا والمملكة المتحدة، وتواصل مع دوائر صنع القرار في الدول الغربية، وقاد مشروع إعادة ليبيا إلى الساحة الدولية، عبر تقديم تنازلات للدول الغربية، لتسوية الملفات العالقة للنظام الليبي السابق.

داخليا، قاد سيف الإسلام مشروع المصالحة مع بعض المعارضين لنظام والده داخل البلاد وخارجها، بعد تقديم تعويضات مالية لعدد منهم، والإفراج عن العشرات من المعتقلين في قضايا سياسية وأمنية في إطار ما يعرف بمشروع "ليبيا الغد"، حيث قام سيف بمحاولة لفتح فرص جديدة أمام الشباب، وتوفير مساحات أكبر للتعبير، وإن لم يكن لها الأثر المرجو في ذلك الوقت.

بعد عام 2011، اختفى سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي، حتى عام 2021، ليترشح للانتخابات الرئاسية التي كانت مقررة في شهر ديسمبر/كانون الأول من ذلك العام، رغم إعلان عدد من الدول عدم قبولها بأي وجود للمطلوبين للعدالة الدولية في سدة حُكم ليبيا.

سيف الإسلام كان من أبرز المرشحين للرئاسة، في منافسة مع المشير خليفة حفتر ورئيس حكومة الوحدة الليبية عبد الحميد الدبيبة، ومثل الأمل لمناصري والده ونظامه، للعودة إلى الحكم عبر الانتخابات التي كان يمنعها نظامهم طوال أربعة عقود.

لا يمكن فصل ما حدث عن الاستقطاب الدولي والإقليمي في ليبيا، فالولايات المتحدة متمسكة بتوحيد طرفي الصراع الحقيقيين في ليبيا: معسكر المشير حفتر، ومعسكر عبد الحميد الدبيبة

ولكن سيف الإسلام، لم تكن لديه قوة عسكرية كبيرة على الأرض تحميه، وتكون له الدرع ضد أي محاولة لإقصائه من المشهد السياسي، عكس بعض المرشحين الذين يعتمدون على مناصرة قوى عسكرية واسعة من مدنهم وقبائلهم، في مشهد أقرب لعصور خلت، حيث يكون الاعتماد على القوة العسكرية قادرا على تحقيق المكاسب للفاعلين السياسيين.

مقتل سيف الإسلام يأتي ضمن سلسلة من عمليات الاغتيال والقتل التي طالت قادة عسكريين وأمنيين، حيث قتل العام الماضي رئيس "جهاز دعم الاستقرار" عبد الغني الككلي، خلال اشتباكات مسلحة، حول مناطق النفوذ والسيطرة في العاصمة الليبية، بالإضافة إلى مقتل قادة مجموعات مسلحة في مدن بغرب البلاد، لديهم ارتباطات بعمليات تهريب البشر والوقود، وقبل نهاية العام الماضي قضى رئيس الأركان العامة بحكومة الوحدة الليبية المعترف بها دوليا الفريق أول محمد الحداد، إثر تحطم طائرته في تركيا، التي كان في زيارة عمل رسمية إلى عاصمتها أنقرة، رفقة عدد من كبار القادة العسكريين الليبيين.

ما حدث طوال الأشهر الماضية، وضمن قراءة متأنية لتفاصيله، يبدو محاولة لتجهيز المسرح السياسي الليبي لمرحلة جديدة تضمن استقرارا أكبر، وتبعد كل الأسماء الخلافية، بحيث لا تعرقل أي مسار للاستقرار، وتكون متوافقة مع الطرح الجديد، في ظل توازن القوى بين شرق ليبيا وغربها.

رويترز
سيف الإسلام القذافي

ولا يمكن أيضا فصل ما حدث عن الاستقطاب الدولي والإقليمي في ليبيا، حيث أصبح جليا للعيان أن الولايات المتحدة متمسكة بتوحيد طرفي الصراع الحقيقيين في ليبيا: معسكر المشير خليفة حفتر في شرق ليبيا، ومعسكر رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة، ضمن صفقة لضمان الاستقرار في ليبيا عبر تقاسم السلطة السياسية والمنافع المتأتية منها.

وما يزيد من دفع هذا التوجه هو تعزيزه بتعاون اقتصادي كبير تشارك فيه شركات أميركية، فشهدنا خلال الأسابيع الماضية التوقيع على واحد من أكبر العقود الاستثمارية في ليبيا بقطاع النفط بقيمة تصل إلى 20 مليار دولار، تشارك فيه شركة "كونوكو-فيليبس" الأميركية مع شركة "توتال" الفرنسية، طوال السنوات القريبة المقبلة.

وإقليميا، تتمسك مصر الجارة الشرقية لليبيا، بدعم معسكر المشير خليفة حفتر وأبنائه، ضمن دعمها لما تصفه بالقوات النظامية العسكرية في مواجهة حالة التشظي في غرب البلاد، في حين تتمسك تركيا بدعم معسكر حكومة الوحدة الوطنية ورئيسها عبد الحميد الدبيبة، مع تمديدها لوجودها العسكري في البلاد حتى عام 2028، ضمن الاتفاقية الموقعة للتعاون والتدريب العسكري مع حكومة الوفاق السابقة في عام 2019.

سيف الإسلام الذي شَكّل أملا فى إحداث التغيير لليبيين خلال آخر سنوات حكم والده، لم يستطع أن يقدم النصيحة لنظام أبيه بضرورة احتواء الاحتجاجات الشعبية المطالبة بإنهاء حكمه، بعد أربعة عقود في السلطة، ولكنه قام بتهديد المتظاهرين، وأكد اصطفافه إلى جوار نظام أبيه، ما شكل صدمة لليبيين المطالبين بالتغيير ورحيل النظام، في حين دافع مقربون من سيف الإسلام عن موقفه هذا، باعتبار أن كثيرا من قادة الاحتجاجات في ثورة 17 فبراير/شباط، كانوا من بين المعارضين الذين احتواهم سيف الإسلام في مشروعه للتغيير من داخل النظام.

بعد غياب سيف الإسلام عن المشهد، ستكون الأطراف الفاعلة مطالبة بتحرك أسرع، لضمان الاستقرار في البلاد، وتحقيق الوحدة، من خلال حكومة جديدة، يتقاسم المناصب فيها طرفان فقط بدلا من ثلاثة أطراف

بمقتل سيف الإسلام، يفقد تيار أنصار النظام الليبي السابق، أبرز الوجوه التي كانت تحظى بإجماع كبير منهم، وهو ما سيخلق تحديا كبيرا أمامهم في اختيار من يخلفه، حتى وإن لم يكن يملك الإرث السياسي الذي يمتلكه سيف الإسلام ولا يحظى بالمكانة التاريخية في نظر مؤيديه.

أما مستقبل ليبيا، فقد حُدد منذ عام 2011، بأن يكون خاليا من حكم عائلة القذافي، وهذا ما لم يستوعبه سيف الإسلام القذافي ومن يؤيدونه، خصوصا وأن هناك رفضا لوجوده في الحكم من أطراف داخلية تمتلك القوة والنفوذ، ومن أطراف دولية استثمرت في لاعبين محليين جدد، ترى فيهم مستقبل ليبيا بشكلها الجديد بعيدا عن شعارات حِقبة السبعينات والثمانينات التي كانت تحلم بالوحدة العربية وتعادي الدول الغربية.

وبعد غياب سيف الإسلام عن المشهد، ستكون الأطراف الفاعلة مطالبة بتحرك أسرع، لضمان الاستقرار في البلاد، وتحقيق الوحدة، من خلال حكومة جديدة، يتقاسم المناصب فيها طرفان فقط، بدلا من ثلاثة أطراف، وهو ما سيُسهل أيضا للدول الكبرى التعامل مع أطراف واضحة ومسيطرة على الوضع في ليبيا.

ليبيا، التي لم تعرف طعم الاستقرار منذ اندلاع الاحتجاجات الشعبية ضد نظام الرئيس الراحل معمر القذافي، إلا في أوقات قليلة، تعيش اليوم انقساما سياسيا أدى إلى وجود حكومتين متنافستين، واحدة في غرب ليبيا برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وتتخذ من العاصمة الليبية طرابلس مقرا لها، ويدعمها المجلس الأعلى للدولة، وتحظى باعتراف دولي. فيما تتخذ الحكومة الأخرى من مدينة بنغازي مقرا لها، ويرأسها أسامة حمّاد، وتحظى بدعم من مجلس النواب، وتأييد من المشير خليفة حفتر.

font change