يبدو أن الانقسام السياسي وتشتت السلطة، أصبح جزءا من الحياة السياسية في ليبيا بعد عام 2014, حيث أدى عدم تسليم السلطة لمجلس النواب المنتخب من المؤتمر الوطني العام في ذلك الوقت لأسباب إجرائية، إلى حدوث شرخ في الدولة لم يلتئم بعد.
وهذا الانقسام تجدد منذ الساعات الأولى للعام الجديد، بعد إعلان المجلس الأعلى للدولة عن رفضه لتصريحات رئيس مجلس النواب عقيلة صالح بشأن المحكمة العليا في طرابلس، وانتقاده للسلطة القضائية، ليعيد المجلس الأعلى التأكيد على أن مجلس النواب هو سلطة تشريعية انتقالية، ولا يجوز له العمل على تغيير شكل السلطة القضائية.
في وقت أعلنت فيه الجمعية العمومية للمحكمة العليا رفض تصريحات رئيس مجلس النواب التي اعتبرتها محاولة من السلطة التشريعية لتشويه دور السلطة القضائية ورموزها، في وقت أعلنت فيه المحكمة الدستورية التي شكلها مجلس النواب عن رفضها للتصريحات المناهضة لبيانات مجلس النواب، وبذلك يدق مسمارا جديدا في نعش السلطة القضائية، وهو أمر لم يحدث منذ عام 2011.
زيادة حدة الانقسام لم تتوقف هنا، ليفتح ملف المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، بعد أن قام مجلس النواب باستكمال المقاعد الشاغرة في مجلس مفوضية الانتخابات، ويرد رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة بإعلان اختيار رئيس جديد لمفوضية الانتخابات و3 من أعضاء مجلس الإدارة بالمفوضية، على أساس "اتفاق أبو زنيقة" بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة بشأن تسمية شاغلي المناصب السيادية في عام 2021، في وقت أعلن فيه رئيس مجلس النواب أنه لا حاجة لتغيير رئيس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في الوقت الحالي.
وفي خضم الجدل بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة أصدر مجلس مفوضية الانتخابات الحالي، في بداية العام، بيانا، حول عدم إجراء استفتاء على مسودة الدستور في عام 2018، حيث أنحى باللائمة على المجلس الأعلى للدولة، لعدم موافقته على قانون الاستفتاء الذي أقره مجلس النواب، واتهم رئيس حكومة الوفاق السابقة بعدم توفير الميزانية المطلوبة لإنجاز الاستفتاء على مشروع الدستور.
بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، بعد هذا السجال بين المجلسين، أعربت عن قلقها البالغ إزاء ارتفاع وتيرة التصعيد بينهما، بشأن إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، والتي وضعتها البعثة الأممية، ضمن الخطوات التأسيسية في خارطة الطريق السياسية. واعتبرت البعثة أن هذا التصعيد يأتي في سياق استمرار العجز في التوصل إلى اتفاق بشأن المفوضية منذ إطلاق خارطة الطريق في أغسطس/آب 2025.
البعثة أكدت أيضا، أن مسألة مفوضية الانتخابات، ظلت جامدة رغم أهميتها، وأنه بدلا من بناء توافق في الآراء حول هذه المسألة، انخرط المجلسان في دوامة من التصعيد المتبادل، في مخاطرة بفتح فصل جديد من الخلاف والانقسام المؤسسي في البلاد التي تعيش حالة من الانقسام منذ سنوات، وحثت البعثة الأممية، مفوضية الانتخابات بالتزام الحياد في هذه الأزمة صوناً لنزاهتها.
وبهكذا قرارات وتصريحات، يمكن استنتاج أن الانقسام طال أيضا الهيئة المكلفة بتنظيم الانتخابات في ليبيا، ما يزيد من تعقيد المشهد الليبي المتوتر، ويجعل من فرص إنجاز أي انتخابات أمرا أقرب إلى المستحيل منه إلى الواقع.
فيما يتواصل الانقسام على المستوى الحكومي، بين حكومتين، الأولى في غرب ليبيا، ومعترف بها دوليا، برئاسة عبد الحميد الدبيبة الذي يرفض تسليم السلطة، لحكومة انتقالية جديدة، ويطالب بأن تجرى انتخابات عامة قبل خروجه من السلطة، وفي شرق البلاد تسيطر الحكومة الليبية المكلفة من مجلس النواب، ولكنّها لا تحظى باعتراف دولي.

