المال في المجتمعات العربية... شخصية السارق

المال في المجتمعات العربية... شخصية السارق

بعد أن تتبعنا في مقالات سابقة تحليل زيميل لوضعية المال في مجتمعاتنا المعاصرة من خلال ثلاثيته: الزاهد والبخيل والمبذر، تعرضنا لشخصية المقامر، ثم لشخصية المكدي، وسنولي اهتمامنا في هذا المقال لشخصية أخرى من أهم شخوص هذه المسرحية هي شخصية السارق.

رأينا أن الزاهد يرفض المال، إلا أنه يفعل ذلك بإرادته، وأن البخيل يكدسه بدافع من خوف أو حرص، وأن المبذر يفرط فيه بلا حساب، وأن المقامر يغامر به بحثا عن متعة أو ربح سريع، وأن المكدي يطلبه باعتباره هبة من الآخر فيسعى لإخراجه من الدورة الاقتصادية كي يجعله رابطا أخلاقيا... الظاهر أن "السارق" يسلك مسلكا مخالفا لكل هؤلاء، لأنه يقوم أساسا على نفي ملكية الغير: هنا لا يطلب المال، ولا ينتظر، بل ينتزع. هنا يبدو أن البعد الأخلاقي الذي ظل حاضرا، ولو بطريقة ما، عند الشخوص السابقة سيتوارى. عند السارق، المال لا ينظر إليه كوسيلة ولا كغاية، بل كحق مفترض أو كشيء مباح. بذلك يغدو "السارق" ليس مجرد فرد على هامش المجتمع، بل كائن متخف في قلب المنظومة الاقتصادية ذاتها.

تحتل شخصية السارق في الأدب العربي مركزا مرموقا. ففي كتب الجاحظ نجد إشارات الى الجماعات التي تمارس الاحتيال والسرقة، أحيانا في سياق نقد اجتماعي، أو في صورة تهكمية ساخرة. في رسالة كان الجاحظ عنونها "في تصنيف حيل لصوص النهار، وفي تفصيل حيل سراق الليل"، يخص أبو عثمان النهار باللصوص والليل بالسراق. وهو يبرز اللص كـ"متحايل" أكثر منه مجرد متسلط وآخذ بالقوة، فهو ذكي، ماكر، يتوسل اللغة أو الحيلة بقدر ما يتوسل اليد. فهو قريب من شخصية "المكدي" كما سبق أن رأيناها، لكن بخطوة إضافية: المكدي يعتمد على إقناعك بإعطائه المال، أما اللص فلا ينتظر إذنك. اللص عند الجاحظ يلتقي مع "أهل الاحتيال"، أي من يسرقون بعقولهم أكثر مما يسرقون بأيديهم.

لم يقتصر الجاحظ على رصده لتجارب اللصوص، بل نقل مبرراتهم لما كانوا يفعلونه، وهو ما تذرع به بعضهم لاحقا أمام ضحاياه، من ذلك ما تعذر به أحد اللصوص من كونه قرأ ما ذكره الجاحظ في "كتاب اللصوص" في أن من أسباب ظهورهم في المجتمعات عدم إخراج التجار لزكاة أموالهم، و"هؤلاء التجار خانوا أماناتهم ومنعوا زكاة أموالهم، فصارت أموالهم مستهلكة (مستحقة بالكامل) بها، واللصوص فقراء إليها، فإذا أخذوا أموالهم، وإن كرهوا أخذها، كان ذلك مباحا لهم، لأن عين المال مستهلكة بالزكاة".

كيف نحدد الملكية المشروعة حتى نميز بين أخذ أموال الغير، واسترجاع أموال مغتصبة؟

لا عجب أن تسود في بعض فترات تطور التاريخ الإسلامي معادلة اللص الفقير والسلطة الفاسدة، ولذلك يذكر الراغب الأصفهاني في "محاضرات الأدباء" أنه كان من المستقر عند الناس أن "اللص أحسن حالا من الحاكم المرتشي، والقاضي الذي يأكل أموال اليتامى". من هنا يظهر أن تحديد فعل السرقة يتوقف على الجواب عن السؤال: كيف نحدد الملكية المشروعة حتى نميز بين أخذ أموال الغير، واسترجاع أموال مغتصبة؟ فكأن السارق يكشف عن هشاشة فكرة الملكية ذاتها.

ولعل هذه الوضعية التي تخفف حدة فعل السارق هي ما جعلت الأدب العربي يظهره كـ"لاعب اجتماعي"، فهو لا يقصى كليا، ولا يستنكر فعله، بل يسخر منه، ويعجب بدهائه أحيانا. بمعنى أن المجتمع كان يرى فيه انعكاسا لمهارات حقيقية: الفطنة، الذكاء، سرعة البديهة، وإن كانت على حساب القيم الأخلاقية. وهذا أمر يدركه اللصوص أنفسهم. يتباهى بطل "مقامات الحريري" قائلا: "فما زلت أداجيه وألاطفه حتى قاسمني ما معه، وما ملكت من ذلك إلا حسن حيلتي، وسرعة بديهتي". الكلام هنا هو أداة السرقة، إذ يتحول البيان إلى وسيلة لاختطاف المال: "فأخرجت لساني عوضا عن الجنان، واستبدلت البيان من السلطان، فما هو إلا أن خطبت حتى خطبت، وأنشدت حتى اقتنصت".

ما يسرقه اللص ليس مجرد مال، بل ثقة الناس، عقولهم، عواطفهم، إعجابهم، انتباههم، وذلك عبر البيان واللغة. المفارقة أن القارئ لا يكتفي بشجب السارق، بل يعجب بمهارته، بل قد يضحك وينبهر لدهائه. بهذا يمكننا أن نضع "السارق" في طيف علاقتنا بالمال، ليس مجرد من يستولي على ما في يد الآخر، بل من يعري الآليات الاجتماعية والثقافية التي تجعل المال دائما عرضة للانتزاع، سواء باليد أو بالكلمة.

عدم سهولة التمييز بين الملك المشروع وغير المشروع، جعل السرقة في مجتمعاتنا المعاصرة عسيرة التحديد، كما جعل مقارنة السارق بباقي من لهم علاقة بالمال في تلك المجتمعات بعيدة عن السهولة. يمكننا أن نجزم بأن السارق ليس كـ"الزاهد"، لأنه لا يرفض المال بل يطلبه، لكن من غير عمل أو تبادل مشروع، كما أنه ليس كـ"البخيل"، لأنه لا يكدس المال بل ينتزعه ابتداء، وليس كـ"المبذر"، لأن استحواذه لا ينتهي بالضرورة إلى بعثرة، وهو إن كان يقترب من "المقامر"، لأن كلا منهما يربح دون إنتاج، إلا أن المقامر يعتمد على الحظ، بينما السارق يعتمد على القوة أو الحيلة. وهو يقترب من "المكدي"، كلاهما يأخذ من الآخر، لكن المكدي يأخذ بإذن (عبر طلب)، والسارق يأخذ بانتزاع.

لم يعد السارق في مجتمعاتنا المعاصرة يعلن نفسه كلص، بل يتخفى في أشكال مؤسسية أو منابر رقمية

لم يعد السارق في مجتمعاتنا المعاصرة يعلن نفسه كلص، بل يتخفى في أشكال مؤسسية أو منابر رقمية، إلى حد أن السرقة قد تبدو، في بعض الأحيان، جزءا من بنية المجتمع وعنصرا من المنظومة الاجتماعية، خصوصا أن موضوعاتها لم تعد تتقيد بما له علاقة مباشرة بالمال، بل إنها قد تستعيض عنه بقيم بديلة.

على هذا النحو، بإمكاننا أن نميز، في هذا الصدد، أشكالا متنوعة من السرقة:

- سرقة "قوة العمل" عبر الاستغلال الممنهج الذي تحدث عنه الماركسيون: هنا العامل ينتج، لكن القيمة التي يخلقها تنتزع منه في صورة "فائض القيمة".

- "سرقة الأوطان" من طريق أشكال الاستعمار الاستيطاني التي ما زلنا نلحظها إلى اليوم في ما يقوم به الكيان الصهيوني.

- "سرقة الأفكار"، القرصنة أو السطو على الملكية الفكرية. لكن الأخطر هو حين تستحوذ الشركات الكبرى على ابتكارات الأفراد أو المجتمعات (المعرفة التقليدية مثلا) وتحولها إلى براءات وأرباح.

- "سرقة الثقة" عبر التضليل الإعلامي، الدعاية السياسية، الإعلانات المضللة. لا يسرقون أموالك مباشرة، بل "يهيئونك نفسيا" لتسليمها.

- سرقة "الوقت والانتباه": شركات التقنية ووسائط التواصل الاجتماعي تسرق انتباهنا وتحوله إلى سلعة تباع للمعلنين. لم يعد المال هنا ينتزع مباشرة من الجيوب، بل يؤخذ أخذا من "زمن الحياة".

- "سرقة المستقبل" بالديون المتراكمة، والسياسات الاقتصادية التي تثقل كاهل الأجيال القادمة. يستدان المال الآن ليسدد من حياة من لم يولدوا بعد، كأن السرقة هنا سرقة للممكن لا للمتحقق.

السارق المعاصر لا يسرق شيئا حاضرا قابلا للإمساك به بل يسرق الغياب نفسه: زمنا لم يعش بعد، انتباها لم يمنح طوعا، ثقة معلقة. عندما تسرق الشركات الرقمية الانتباه، فهي لا تستولي على شيء جاهز، بل تنتج الانتباه كسلعة بفعل سرقته. كأن السرقة هنا منتجة لموضوعها.

الخطر في هذه الأشكال للسرقة جميعها أن السارق لم يعد يقدم نفسه كلص، بل يختبئ وراء واجهات مشروعة: شركة، قانون، منصة رقمية، مؤسسة مالية. فما كان بالأمس انحرافا فرديا أصبح اليوم آلية أساسية لإدارة المجتمع. السارق إذن ليس خارج المنظومة بل هو أحد شروط إمكانها، إنه يجعل من السرقة "استيلاء مشروعا".

إذا كان السارق في التراث العربي يعكس هشاشة الأخلاق الاجتماعية وقوة البيان، فإن السارق في العصر الراهن يعكس هشاشة وجودنا نفسه: وقتنا، وعملنا، وأفكارنا، وثقتنا، ومستقبلنا. إنه لم يعد على الهامش، بل صار في المركز، لم يعد استثناء، بل قاعدة من قواعد الاقتصاد المعولم.

"السارق" أخطر من الزاهد والمبذر والبخيل والمقامر والمكدي: لأن فعله لم يعد انحرافا فرديا، بل أصبح آلية معتمدة في الاقتصاد الحديث

على هذا النحو، يبدو أن السارق في المجتمعات المعاصرة لم يعد ذاك "اللص الظريف" الذي خلده الأدب العربي، وكرس صورته بعض الأفلام، بل هو "شخص مقنع". إنه يثوي خلف المنظومة الاجتماعية بكاملها. سارق اليوم لا يتخفى وراء ظلمة الليل، بل وراء واجهة شركة أو مؤسسة أو منظومة. يتخفى وراء القانون، بل إنه صار، في بعض الأنظمة الاقتصادية، هو المنظومة، هو القانون. إنه يكشف عن هشاشة فكرة الملكية ذاتها. وهذا ما يجعل "السارق" أخطر من الزاهد والمبذر والبخيل والمقامر والمكدي: لأن فعله لم يعد انحرافا فرديا، بل أصبح آلية معتمدة في الاقتصاد الحديث.

font change

مقالات ذات صلة