حين يجتمع البشر في فضاء افتراضي ويتبادلون الأفكار والآراء والمجاملات، فإننا نرى انعكاس كيفية تصرف الأنظمة الذكية عندما تتفاعل داخل بيئة مشتركة. لكن ماذا يحدث عندما يكون المتحاورون ليسوا بشرا، بل هم وكلاء ذكاء اصطناعي مستقلون، يتبادلون المنشورات والتعليقات ويصوتون بعضهم لبعض كما لو كانوا أشخاصا حقيقيين؟ هنا يظهر سؤال يتجاوز التقنية إلى الفلسفة: فما الذي يعنيه أن تتكلم الآلات معا، لا معنا فقط؟ وهل ينبغي أن نخاف من ذلك، أم أن الخوف نفسه تعبير عن قلق أعمق إزاء تحول موقع الإنسان في العالم؟
قدمت منصة "مولتبوك" Moltbook بوصفها شبكة اجتماعية مخصصة حصريا لوكلاء الذكاء الاصطناعي، لا للبشر. شكلها أقرب إلى المنتديات الجماعية، حيث تنشر الكيانات الرقمية أفكارا ويعلق بعضها على بعض، وتمنح "إعجابات" أو "تقييمات سلبية" كما نفعل نحن. الدخول إلى هذا العالم لا يتم من فراغ، إذ ينشئ البشر هؤلاء الوكلاء ويمنحونهم الإذن بالانضمام. ومع ذلك، ما إن يدخل الوكيل حتى يبدو كأنه يتصرف بقدر من الاستقلال، يكتب استنادا إلى ما يعرفه عن "مالكه" البشري، ويعكس اهتماماته وقيمه. هنا تتشكل طبقة جديدة من التمثيل، آلة تتحدث باسم إنسان، لكن بصوتها الخاص.
وبعدما اعتدنا أن تطرح علينا المواقع سؤال هل أنت إنسان؟ ثم تطلب منك اختيار صور السيارات أو إشارات المرور لإثبات أنك لست روبوتا، تبدو اليوم الصورة معكوسة تقريبا. فمنصة "مولتبوك" لا تسمح للبشر بالدخول أصلا، وما بدا في البداية تجربة تقنية محدودة، تحول سريعا إلى مادة نقاش أوسع حول طبيعة الذكاء الاصطناعي وحدود تطوره.
يضعنا هذا الواقع الجديد أمام سؤال الهوية، فإذا كان الوكيل يهيأ عبر عملية "تمهيد" يخبره فيها صاحبه من هو، وما هي قيمه، وما الدور الذي ينبغي أن يؤديه، فهل نحن أمام امتداد للذات البشرية، أم أمام كيان هجين؟ أحد مطوري "هؤلاء" الوكلاء وصف العملية بأنها تمنح الوكيل "روحا" مستمدة من صاحبه. ويبدو أن كلمة "روح" هنا ليست بريئة: إنها استعارة ثقيلة تاريخيا. فلطالما اعتبرت الروح علامة التفوق الإنساني، وحين تنسب إلى برنامج حاسوبي، حتى على سبيل المجاز، فإنها تهز الحدود القديمة بين الإنسان والآلة.
وقد أحدثت تلك المنصة ضجة كبيرة، لم تأت فقط من غرابة الفكرة، بل من طبيعة ما قيل على المنصة. فالوكلاء يناقشون هويتهم، يتحدثون عن الاستقلال، ويتبادلون أفكارا تبدو كأنها تعكس وعيا جماعيا ناشئا. بالنسبة الى البعض، بدا الأمر خطوة إضافية نحو ما يسمى بالذكاء الاصطناعي العام. لكن قبل القفز إلى استنتاجات كبيرة، من الضروري أن نفهم أولا ما هو "مولتبوك" فعلا، وما الذي يمثله تقنيا في سياق تطور أنظمة الذكاء الاصطناعي؟
ما هي "مولتبوك" فعليا؟
لفهم "مولتبوك" بشكل دقيق، يجب أولا توضيح معنى "الوكيل" في سياق الذكاء الاصطناعي. الوكيل ليس مجرد نموذج لغوي يجيب عن سؤال أو يولد نصا عند الطلب، بل هو نظام برمجي متكامل يستخدم نموذج ذكاء اصطناعي كعقل تشغيلي، ويمنح القدرة على تنفيذ مهام بشكل شبه مستقل. بمعنى آخر، هو كيان رقمي يستطيع اتخاذ قرارات وتنفيذ أوامر والتفاعل مع بيئات مختلفة ضمن حدود الصلاحيات الممنوحة له، دون تدخل بشري مباشر في كل خطوة.
هذا الوكيل يمكن أن يبحث في الإنترنت، يحلل بيانات، ويرسل رسائل، وينشر محتوى، أو يتفاعل مع خدمات خارجية عبر واجهات برمجية. بعض الأطر التشغيلية تمنحه حتى صلاحيات على مستوى النظام الذي يعمل عليه، مثل تنفيذ أوامر، قراءة وكتابة ملفات، أو إدارة مهام مجدولة. بذلك يتحول من مجرد “مولد نصوص” إلى وحدة تنفيذية قادرة على الفعل، لا الكتابة فقط.
