داخل شبكة إبستين... ما الذي تكشفه 1.4 مليون رسالة إلكترونية؟

يُظهر الأرشيف تداخلا بين النفوذ والمال ومحاولة إخفاء الأثر

(أسوشييتد برس)
(أسوشييتد برس)
وثيقة نشرتها وزارة العدل الأميركية عن ملفات جيفري إبستين، 10 فبراير 2026، تظهر تقريرا يتضمن صورا لإبستين بعد محاولة انتحار في 23 يوليو 2019

داخل شبكة إبستين... ما الذي تكشفه 1.4 مليون رسالة إلكترونية؟

على مدى ما يقارب عقدا، ظهرت معلومات عن حياة جيفري إبستين على دفعات متفرقة. غير أن قانونا أميركيا أقر في نوفمبر/تشرين الثاني وألزم بنشر ملفات الادعاء العام حوّل هذا التسريب المتقطع إلى تدفق واسع. ففي 30 يناير/كانون الثاني، نشرت وزارة العدل أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق، كاشفة أسماء بارزة، من بينها براد كارب رئيس شركة محاماة كبرى في نيويورك، وميروسلاف لايتشاك مستشار الأمن القومي في سلوفاكيا، وجاك لانغ رئيس معهد العالم العربي في باريس. ويرجح أن تتبع ذلك أسماء أخرى. وبعد شكاوى من أعضاء في الكونغرس، شرعت وزارة العدل في الكشف عن أسماء كانت قد حجبتها سابقا.

يبدو الأرشيف أضخم من أن يتمكن أي شخص من قراءته بالكامل. غير أن فريقا من مهندسي البرمجيات استطاع تحويل ملفات الـ"بي دي إف" إلى صيغة أكثر ملاءمة للمعالجة والتحليل. واستخدم الفريق أداة ذكاء اصطناعي تحمل اسم (ريدكتو/Reducto) لتحديد الملفات التي تضم مراسلات إلكترونية، ثم استخرج أسماء المرسلين والمرسل إليهم، والتواريخ، وعناوين الرسائل، ونصوصها، قبل نشرها على موقع يحمل اسم (جيميل دوت وورلد/Jmail.world).

وبلغ مجموع ما عالجه الفريق نحو 1.4 مليون رسالة بريد إلكتروني، وأنهى عمله في 11 فبراير/شباط. وتعاونت "الإيكونوميست" معه لربط كل رسالة بأشخاص محددين، بصرف النظر عن اختلاف طرق كتابة الأسماء وتعدد عناوين البريد الإلكتروني، كما تقصت خلفيات 500 شخص تكرر ورود أسمائهم أكثر من غيرهم. ثم استخدمت نموذجا لغويا كبيرا لتقييم كل سلسلة مراسلات وفق مقدار ما قد يثيره مضمونها لدى القارئ العادي من انزعاج، وأنشأنا لهذا الغرض "مؤشر إنذار".

(رويترز)
ناجون من اعتداءات جيفري إبستين يرفعون أيديهم بعدما سألتهم النائبة الأميركية براميلا جايابال عمن منهم لم يتمكن من لقاء ممثلين عن وزارة العدل الأميركية خلال جلسة في مجلس النواب، 11 فبراير 2026

جرت عملية التصنيف يدويا استنادا إلى معلومات متاحة للعامة وإلى مضمون الرسائل. وبقيت بعض التصنيفات، ولا سيما الحالات التي تظهر فيها النساء بوصفهن شريكات عاطفيات في علاقات رضائية، خاضعة لتقدير قد يختلف من شخص إلى آخر.

أرشيف أبستين أضخم من أن يتمكن أي شخص من قراءته بالكامل، فريق من مهندسي البرمجيات عالج منها نحو 1.4 مليون رسالة بريد إلكتروني

انصبت معظم مراسلات إبستين على دائرة موظفيه ومقدمي الخدمات وعملائه. وشكل العاملون لديه أو معه نحو ثلث الأسماء الخمسمئة الأكثر ذكرا، وظهروا في قرابة ثلاثة أخماس رسائله. وتصدر القائمة مساعدته ليسلي غروف، ومحاسبه ريتشارد كان، وطياره لاري فيسوسكي. وكانت منازله في نيويورك وبالم بيتش، إلى جانب جزيرته الخاصة في الكاريبي، تتطلب فرقا كبيرة من المتعهدين وعمال الخدمة المنزلية.

غير أن ما تبقى من الرسائل رسم ملامح شبكة لافتة. حيث توزعت أبرز 500 جهة مراسلة على قطاعات متعددة. ففي 19 في المئة من الرسائل تواصل إبستين مع ممولين، وفي 10 في المئة مع علماء أو أطباء، وفي 8 في المئة مع شخصيات من الإعلام والترفيه أو العلاقات العامة، وفي 7 في المئة مع مختصين في التكنولوجيا، وفي 6 في المئة مع محامين وسياسيين وأكاديميين ورجال أعمال آخرين، مقابل 5 في المئة مع كبار العاملين في قطاع العقارات. ووصلت نسبة المراسلات في القطاع المالي إلى 25 في المئة في عام 2014، ثم تراجعت مع ارتفاع نسبة المراسلات مع أشخاص من الأوساط الأكاديمية والقانونية. وتركزت غالبية جهات المراسلة في الولايات المتحدة، غير أن إبستين حافظ على صلات مع أشخاص في بريطانيا وفرنسا وألمانيا ودول الشمال ودول الخليج، بل ومع تاجر نفط فنزويلي.

لم يهدر إبستين وقتا مع مديري الصف الثاني. إذ امتلك قرابة ربع أبرز جهات اتصاله من خارج طاقمه صفحات على "ويكيبيديا". كما تبادل رسائل بريد إلكتروني مع ما لا يقل عن 18 مليارديرا حاليين أو سابقين، بينهم بيتر ثيل وإيلون ماسك، ومع مشاهير مثل وودي آلن وديباك شوبرا، ومع شخصيات سياسية من بينها إيهود باراك، رئيس وزراء إسرائيل الأسبق. وبدا معظم الأخذ والرد متوازنا، إذ تقاربت أعداد الرسائل التي أرسلها وتلك التي تلقاها. غير أن بيل غيتس شكل استثناء، إذ واصل إبستين مراسلته بكثافة في مقابل قدر محدود من الردود. ومع ذلك لم يمتنع غيتس عن لقاء إبستين في أكثر من مناسبة.

(أ.ف.ب)
جيفري إبستين، أثناء انتظاره المحاكمة بتهم الإتجار الجنسي بقاصرات، صورة غير مؤرخة وفي موقع غير محدد، نشرتها وزارة العدل الأميركية في 19 ديسمبر 2025

تجاوزت كثير من العلاقات حدود لقاء عابر في حفل كوكتيل. فقد تبادلت كاثرين رويملر، مستشارة البيت الأبيض في عهد الرئيس باراك أوباما، وإبستين نحو 11,300 رسالة بين عامي 2014 و2019، بما في ذلك ما لا يقل عن رسالة مباشرة واحدة في 70 في المئة من الأيام. كما أرسلت أريان دي روتشيلد، المليارديرة المصرفية، أو تلقت نحو 5,500 رسالة، بينما بلغ عدد رسائل لاري سامرز، وزير الخزانة السابق، قرابة 4,300. وفي بعض الحالات، امتدت مراسلات إبستين إلى أفراد آخرين من العائلة، إذ بقي على تواصل مع نعوم تشومسكي وزوجته فاليريا، وتبادل الحديث مع سون يي بريفن، زوجة وودي آلن، بوتيرة أعلى من مراسلاته مع آلن نفسه.

توزعت المراسلات مع ممولين وعلماء أو أطباء وشخصيات من الإعلام والترفيه والعلاقات العامة، ومع مختصين في التكنولوجيا، ومحامين وسياسيين وأكاديميين ورجال أعمال آخرين، بالإضافة إلى كبار العاملين في قطاع العقارات

حملت الغالبية الساحقة من رسائل إبستين أخطاء مطبعية لا أكثر. غير أنه وسط نحو مليون رسالة روتينية، ظهرت مئات الرسائل الـ"مقلقة" بحسب تصنيف نموذجنا اللغوي الكبير. ومنح "مؤشر الإنذار" كل تبادل درجة تتراوح بين واحد وعشرة.

تتضمن الوثائق مراسلات ذات طابع جنسي بين إبستين ونساء حذفت أسماؤهن، وغالبا ما وردت فيها طلبات لصور عارية. وفي بعض الحالات ظهرت أيضا إشارات إلى إخفاء الأمور عن الأهل. كما يستعرض إبستين مسودة اتفاق "يخضع للقانون الفرنسي" مع "متدربة"، يتضمن "ألعابا جنسية"، وجاء في رسالة أخرى من مرسل مجهول: "شكرا على ليلة ممتعة.. كانت فتاتك الأصغر سنا مشاغبة قليلا".

يزعم أشخاص مقربون من إبستين في الغالب أنهم لم يكونوا على علم بما كان يجري. وتعزز رسالة بريد إلكتروني تعود إلى عام 2010، صادرة عن صهر غيسلين ماكسويل، إحدى شريكات إبستين، هذا الادعاء، إذ تشير إلى محاولة حذف معلومات من صفحة "ويكيبيديا" ومن محرك البحث "غوغل".

(أ.ف.ب)
النائب الأميركي توماس ماسي في يسار الصورة يستجوب المدعية العامة الأميركية بام بوندي أمام لجنة القضاء في مجلس النواب داخل مبنى رايبورن للمكاتب في واشنطن، 11 فبراير 2026

وتتسم بعض مراسلاته مع أصدقاء مشهورين بالفظاظة، فيما تتناول مراسلات أخرى استراتيجيات التعامل مع قضاياه الجنائية، بما في ذلك رسائل يبدو أنه يعترف فيها بدفع المال مقابل الجنس. ويرجح أن يمنح المدعون العامون الأولوية لعدد محدود من الرسائل التي يناقش فيها شركاء، من بينهم أصدقاء أثرياء ظهرت أسماؤهم من دون حجب، لقاءات مسائية مع "فتيات" يقول النص إن إبستين تولى ترتيبها.

تتضمن الوثائق مراسلات ذات طابع جنسي بين إبستين ونساء حذفت أسماؤهن، وغالبا ما وردت فيها طلبات لصور عارية

لكن في معظم الحالات، تعلقت الرسائل الإلكترونية التي رصدها نموذجنا اللغوي الكبير بشابات أو بجهات اتصال غير معروفة على نطاق واسع. وقد يعكس هذا النمط قصورا لدى النموذج في التقاط مراسلات تدين شخصيات بارزة، أو أن عمليات التنقيح ما زالت تحجب أسماء بعينها. كما بدا إبستين حذرا في مراسلاته. فعندما ناقش موضوع النساء مع ستيف تيش، مالك أحد فرق دوري كرة القدم الأميركية، الذي وصفه إبستين بأنه "صديق جديد.. ذو اهتمامات مشتركة"، طلب إبستين إجراء مكالمة هاتفية لأنه "لا يحب وجود تسجيل لهذه المحادثات"، ويقول تيش إنه يندم على علاقته بإبستين، وإن جميع الرسائل الإلكترونية كانت تتعلق "بنساء بالغات".

لا تزال أسئلة كثيرة حول إبستين بلا إجابات، حتى بعد ما نشر مؤخرا، من بينها كيف حصل على تسوية قضائية مخففة في عام 2008، وكيف تمكن من الانتحار داخل السجن رغم خضوعه للمراقبة. ومع ذلك، يبدو أن بعض الناس راضون عما حدث.

(أسوشييتد برس)
وثيقة نشرتها وزارة العدل الأميركية عن ملفات جيفري إبستين، 10 فبراير 2026، تُظهر صورة لإبستين في تقرير صادر عن المكتب الفيدرالي للسجون

وكأي صندوق بريد إلكتروني، يرتب موقع (جيميل/ gmail) الرسائل من الأحدث إلى الأقدم. لذلك كانت أول رسالة في الصندوق تلك التي وصلت بعد ثلاثة أيام من وفاة إبستين، من شخص يدعى كودي رودلاند لم يرد اسمه من قبل. وكان عنوانها: "أنت ميت"، وجاء في متنها: "لنضحك بصوت عال، الحمد لله".

font change