في الثاني والعشرين من فبراير/شباط من كل عام، تستحضر الدولة السعودية تاريخها الممتد لأكثر من ثلاثة قرون، وتحديداً إلى عام 1727؛ حيث انطلقت النواة الأولى للكيان السياسي من الدرعية الواقعة شمال غربي الرياض.
يمثل هذا التاريخ متغيراً جوهرياً في دراسة نشأة الدول في شبه الجزيرة العربية، إذ شهد تبلور الملامح الأولى للمركزية السياسية في بيئة سادها التشتت لفترات طويلة. وتتجلى هذه الذكرى في الوقت الراهن عبر سلسلة من الفعاليات الثقافية والفنية والعروض العسكرية والموسيقية التي تشمل مختلف مدن المملكة. ومن منظور سوسيولوجي، يمكن توصيف هذه الأنشطة بوصفها أدوات معاصرة لإعادة إنتاج الذاكرة الجمعية وتعزيز القوة الناعمة للدولة الحديثة.
تشير الوثائق الرسمية إلى أن هذا الاحتفاء المؤسسي، الذي صدر بموجب أمر ملكي، يسعى في أبعاده التنظيمية إلى تأصيل الاعتزاز بالجذور البنيوية للدولة، وتعزيز الارتباط العضوي بين القاعدة الشعبية والمنظومة السياسية، والاحتفاء بنماذج الاستقرار والأمن التنظيمي التي أرستها الدولة.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا المسار لا يتصادم مع اليوم الوطني الذي يوثق إعلان التوحيد عام 1932 على يد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود- والذي اعتُمد كإجازة رسمية عام 2005 في عهد الملك عبد الله بن عبدالعزيز، بل يتكامل معه لإنتاج سردية وطنية كبرى تربط بين التأسيس التاريخي والمنجز الحديث. ويعكس هذا التكامل قدرة الدولة سياسيا على الجمع بين شرعية التأسيس التاريخي وشرعية التحديث وبناء المؤسسات.
السياق التاريخي... التحول من عام 1744 إلى 1727
استدعت هذه الخطوة تساؤلات جوهرية طرحها الباحثون والمراقبون للتحولات الإقليمية: لماذا جرى تثبيت عام 1727 كتاريخ للتأسيس بدلاً من عام 1744 الذي ظل حاضراً في معظم الأدبيات التاريخية؟

تكمن الإجابة التحليلية في الفهم الدقيق لطبيعة نشأة الدولة وتطورها المؤسسي، فما حدث في عام 1744، والمتمثل في "ميثاق الدرعية" كان في واقعه مبايعة من الشيخ محمد بن عبد الوهاب لأمير الدرعية الإمام محمد بن سعود بوصفه الحاكم الفعلي والقائم بشؤون الحكم لكن دولة بن سعود كانت قائمة بالفعل قبل بيعة الشيخ للأمير بأكثر من عقد.
انتقال الشيخ بن عبدالوهاب كان لجوءا نتيجة لاستقرار سياسي واقتصادي حققه الإمام محمد بن سعود قبل ذلك التاريخ بعقود. هذا الفهم العميق يمتد بها لقرابة ثلاثة قرون، مما يثبت أن شرعية الحكم السعودي استندت في المقام الأول إلى بناء الدولة وإدارة شؤون المجتمع وتأمين الاستقرار الداخلي. هذا التأصيل التاريخي ينتقل بنا بسلاسة لفهم الدلالات العميقة للشعار الرسمي ليوم التأسيس، وكيف يتقاطع هذا الإرث مع التطورات التنموية الحديثة التي يقودها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.
1727 كأساس للدولة
تؤكد القراءة الموضوعية أن تشكل الدرعية وتوطيد أركان الحكم فيها لم يكن حدثاً عارضاً، بل مثّل تتويجاً لسيرورة تاريخية ممتدة بدأت باستقرار بني حنيفة في منطقة اليمامة على ضفاف وادي حنيفة. هذا الاستقرار المبكر أوجد بنية زراعية واجتماعية مستقرة مهدت لاحقاً لظهور المراكز الحضرية في المنطقة. وتعود الإرهاصات الأولى لهذا الكيان السياسي ذي الملامح الهيكلية الموثقة إلى عام 1446 (850هـ)، حين أسس مانع بن ربيعة المريدي مدينة الدرعية.
وبعد نحو ثلاثة قرون من هذا التراكم والنمو التدريجي، وتحديداً في فبراير 1727 (منتصف عام 1139هـ)، تولى الإمام محمد بن سعود الحكم مستنداً إلى خبرة سياسية وإدارية متراكمة اكتسبها عبر العمل مع والده وجده. شهدت هذه المرحلة تحولاً نحو المركزية السياسية، حيث تم الإشراف على توسيع نطاق الدولة، وتأمين محيط الدرعية، وحماية مسارات الحج والتجارة، فضلاً عن مواجهة التحديات العسكرية القادمة من شرق الجزيرة العربية، والتعامل مع الأزمات الصحية الكبرى كالأوبئة.

تشير هذه الأنماط من الممارسة السياسية إلى وجود جهاز إداري يمتلك قدرة على إدارة الأزمات وتثبيت دعائم الاستقرار. وقد انعكس ذلك في تنظيم الأوضاع الاقتصادية وتطوير التحصينات الدفاعية (أسوار الدرعية)، مما حولها إلى مركز سياسي واقتصادي مستقل، وأرسى دعائم الدولة السعودية الأولى على أسس اجتماعية محلية سبقت التحالفات القبلية اللاحقة التي ساهمت في التوسع الجيوسياسي للدولة وفق الأعراف السياسية التي كانت سائدة في شبه الجزيرة العربية آنذاك.
ميثاق 1744 في سياقه التاريخي الصحيح
تستوجب القراءة الرصينة لتاريخ المنطقة تفكيك الخلط الشائع بين ميثاق الدرعية ولحظة التأسيس الفعلية للدولة ككيان سياسي مستقل. فالميثاق في جوهره كان تأكيداً على انضواء الشيخ تحت اللواء السياسي للأمير، ولم يمثل نقطة الانطلاق الأولى للكيان. ولتوضيح هذا التسلسل التاريخي وفق منهجية تحليلية، يمكن رصد المحطات التالية:
· تأسيس الدولة الأولى في عام 1727، والذي تمثل في توحيد الدرعية وبداية مرحلة الاستقرار السياسي والاجتماعي.
· ميثاق الدرعية في عام 1744، الذي جسد مبايعة الشيخ للأمير الحاكم، مما وفر رافداً أيديولوجياً لكيان سياسي كان قائماً بالفعل.
· نهاية الدولة الأولى في عام 1818 بسقوط الدرعية إثر حملات عسكرية استهدفت تقليص النفوذ الجيوسياسي للدولة الناشئة.
· عودة الدولة السعودية الثانية في عام 1824 وذلك بعد ست سنوات من نهاية الدولة الأولى.
· نهاية الدولة السعودية الثانية في عام 1891 نتيجة صراعات مع كيانات سياسية مجاورة.
· استعادة الرياض في عام 1902، وهي المرحلة التي مثلت انطلاقة مرحلة التوحيد الشامل وتشكيل مؤسسات الدولة السعودية الثالثة.
الأهمية الجيوسياسية وبناء السردية التاريخية
يتجاوز تصحيح الرواية التاريخية وتثبيت عام 1727 الأبعاد الأكاديمية المجردة ليشكل إعادة بناء بنيوية للذاكرة الوطنية والشرعية السياسية في مواجهة المتغيرات المعاصرة. ويمكن مقاربة هذا العمق الاستراتيجي من خلال أطروحات الفيلسوف بول ريكور، وتحديداً في كتابه "الزمن والسرد". حيث يطرح ريكور مقاربة تؤكد أن الزمن الإنساني لا يكتسب صفته التاريخية إلا حين يُنظم في قالب سردي، فالتاريخ وفق هذا المنظور ليس مجرد وقائع خام متناثرة، بل هو بناء يعتمد على الحبكة لربط الماضي بالحاضر، وصهر التعددية الحدثية في وحدة تجعل التاريخ قابلاً للفهم والتوظيف في بناء الهوية.
