قانون الخادع الجمالي

قانون الخادع الجمالي

في النظام الكوني العام تتكرر أنماط بعينها، سواء في الاقتصاد أو السياسة أو الموضة أو الفنون أو حتى في العادات الاجتماعية. وإذا عدنا إلى الوراء، فسنجد أن هذا التكرار لا يقتصر على الظواهر المعاصرة، بل يمتد إلى البنى العميقة للأسطورة لدى مختلف الحضارات. وقد لاحظ كلود ليفي شتراوس، في دراسته لأساطير الشعوب، أن ثمة تكرارا بنيويا واضحا يتجاوز الفروق الجغرافية والثقافية. وانتهى إلى أن التماثل البنيوي في الأساطير يكشف عن وحدة في آليات التفكير الإنساني، فالعقل بحكم بنيته، يعيد توليد أنماط متشابهة عبر الأزمنة والثقافات، وكأن بنية الأسطورة هي في الأساس صيغة من صيغ انتظام العقل الداخلي.

ومن أهم الأنماط المتكررة في الأساطير، نمط "الخادع" (Trickster)، وهنا لا نقصد بروزه كشخصية فقط، إنما كنمط يرتبط ظهوره دائما بلحظة اختلال الموازين، وتعذر الحلول، سنجده في حصان طروادة، عندما تعلو الحصون ولا تكون هناك إمكانية لدكها بالقوة، هنا يظهر قانون الخادع، وهو لا يظهر مصادفة، بل كنتيجة حتمية، بمعنى أن العقل البشري عندما يحاصر ويصطدم بالمحال، تعتمل داخله إرادة خاصة، تجعله يفكر في الحيلة. سنجد هذا في التراث العربي أيضا، في الأمثال والحكم، "من كان له حيلة فليحتل"، وفي السير الشعبية كذلك، كما في سيرة الزير سالم وأخيه كليب مع التبع اليماني، حين تنكر كليب في زي المهرج "قشمر"، واختبأ سالم وفرسان القبيلة في صناديق هدايا العروس.

من هنا يمكن ملاحظة أن العقل البشري، كلما اشتدت به الصعاب، لا يستدعي البطل بقدر ما ينتج وسيطا، ولا يدفع بالمحارب إلى الواجهة بشكل انتحاري بقدر ما يستدعي الخادع. فالخادع، وإن ظل على الهامش، لا يشبه البطل التقليدي الذي يحطم الأسوار بالقوة، لكنه رغم ذلك يمتلك ما هو أشد فاعلية، يمتلك القدرة على الالتفاف وإعادة ترتيب شروط اللعبة. إنه يعيد تشكيل موازين القوة، ويعبث بالقوانين التي تبدو ثابتة ومستقرة.

يمتلك الخادع القدرة على الالتفاف وإعادة ترتيب شروط اللعبة. إنه يعيد تشكيل موازين القوة ويعبث بالقوانين التي تبدو ثابتة ومستقرة

إذا نقلنا هذه البنية إلى تاريخ الفنون، وهنا نقصد النظرة الأفقية لتاريخ الأنواع الفنية، سنجد أن الفن يعيش داخل دورات مشابهة، فهناك لحظات ازدهار، ثم لحظات تصلب، حيث يتحول الشكل الناجح إلى قالب، وتتحول الجرأة إلى تقليد، والتقنية إلى قانون ثابت، وعند هذه النقطة، لا يعود الشكل قادرا على احتواء الزمن الجديد. في مثل هذه الأزمات، عند المفاصل الكبرى في تاريخ النوع الفني، أو على الأقل تاريخه داخل جغرافيا معينة، يظهر الخادع الجمالي، أو حصان طروادة الفن، الذي يلتف حول العوائق، ويعيد فتح الأفق عبر وسائل ملتوية، لكنها خلاقة ومولدة لإمكان جديد.

فميغيل دي ثيربانتس على سبيل المثال دخل إلى تقاليد الفروسية من عمقها، متوغلا في نسيجها الداخلي بحماسة غير محسوبة، وترك بطله دون كيخوته يتماهى مع مثال الفارس إلى درجة الإفراط. هذا التماهي المفرط تحول إلى أداة تفكيك دقيقة، فحين يدفع النموذج إلى حدوده القصوى، تبدأ بنيته في الانكشاف، ويغدو المثال نفسه سبب تعريته.

ومع استمرار هذا التصديق الحرفي لقيم الفروسية، تتصدع سرديتها من الداخل. السخرية تسري في تفاصيل البناء كله، في الأحداث، في الشخصيات، وفي اللغة التي يصر البطل على صوغها بقوالب فروسية متقادمة. ومع تراكم هذه القوالب، يتحول النموذج البطولي إلى مرآة تعكس تناقضه، ومن داخل هذا الانكشاف تتشكل ملامح الرواية الحديثة.

يمكن تسمية ذلك "قانون الخادع الجمالي". ففي اللحظات التي يفقد فيها الشكل قدرته على تجديد ذاته، تتدخل السخرية بوصفها آلية إنقاذ داخلية. وتصبح فعلا بنيويا يعيد ترتيب العلاقة بين الشكل ووعيه بنفسه. وحين يبلغ العمل الفني درجة من الوعي بتقنياته وأدواته، يبدأ الخادع عمله من داخلها، يفككها، يبالغ فيها، ويعيد تشكيلها بطريقة تكشف حدودها.

في هذه الحالة، يضاعف الفن نفسه، ويؤدي أدواره بوعي زائد، ويستمر في تمثيلها إلى أن تتحول المبالغة إلى فضيحة جمالية تكشف ما كان مستترا. يشبه الأمر شخصا يستغرق في أداء دور ما حتى تفضحه حركته ذاتها، فيتحول الأداء إلى كشف، والالتزام بالشكل إلى وسيلة خلخلة.

كأن الخادع الجمالي جهاز مناعة خاص وملهم، كأنه في جوهره الحل الحتمي، وما تكراره سوى دليل على حتميته

وكذلك حين كتب ياروسلاف هاشيك رواية "الجندي الطيب شفيك"، كان الأدب في حاجة ماسة إلى كائن يكشف عبث البطولة نفسها، كانت آخر همومه البطل بالمفهوم التقليدي. الخادع الفني يظهر من خلال حيلة الطاعة المفرطة والامتثال الحرفي. الحرب التي رفعت شعارات الشرف، أفرغت من معناها عبر سذاجة طروادية رائعة. الحروب لا تنتهي عسكريا، لكن انعكاسها يختبر أخلاقيا في الأدب واللغة والفن.

الأمر ذاته يتكرر كلما انغلق أفق التعبير. حين يصبح الخطاب جادا أكثر من اللازم، تأتي الكوميديا السوداء أو العبث، أو خادع الأحلام كما في السيريالية. وحين يتخشب المسرح في قواعده، يظهر عمل يكشف الخشبة نفسها. حين تتحول التقنية إلى طقس، يأتي خادع ليعريها.

إن الشكل الذي لا يقبل القانون الجمالي للخادع يتحول إلى عقيدة. والعقيدة الجمالية، مثل العقيدة الدينية، تموت حين تفقد قدرتها على مراجعة ذاتها، كأن الخادع الجمالي جهاز مناعة خاص وملهم، كأنه في جوهره الحل الحتمي، وما تكراره سوى دليل على حتميته.

وتتضح مفارقة الخادع في السخرية دائما، فالسخرية شرطه العميق. لأن الشكل الذي لا يختبر بالتهكم، لا يعرف حدوده. والحدود غير المعروفة تتحول إلى سجن. قد يبدو أن السخرية تهدم الهيبة. لكنها في الحقيقة تعيد توزيعها. تنزع القداسة الزائفة كي تحمي الجوهر. مثل طبيب يفتح الجرح ليمنع التعفن، آلام التهكم هنا وسيلة إنقاذ.

هذا القانون يتجلى في كل حقل جمالي. فعندما بلغ المنظور الكلاسيكي حد الاستهلاك، دخل الرسم طورا من التشظي وإعادة التشكل. وحين تزعزع يقين المسرح بالحبكة، انفتح على فراغه وبدأ في مساءلة أدواته. في كل مرحلة من هذه المراحل يظهر عمل يبدو عابثا بالقواعد، بينما هو في العمق يعيد صياغتها، ويمنحها تعريفا جديدا يفتح أفقا مختلفا للجمال، وكأن الجمال حين يصل إلى حافة الانسداد يختار الانعطاف بدلا من المواجهة، ويعمد إلى الحيلة عوضا عن بشاعة الكسر أو الموت.


عند قراءة تاريخ الفن بهذه العدسة، يتضح أن أكثر لحظاته خصوبة هي اللحظات التي مال فيها الجمال قليلا عن مساره المستقر

يمكن القول إن كل تجديد حقيقي ينطوي على أثر من الخادع، وعلى مسحة من اللعب الخطر، تلك الضحكة المزدوجة التي تكشف وهي تبني في آن واحد. وعند قراءة تاريخ الفن بهذه العدسة، يتضح أن أكثر لحظاته خصوبة هي اللحظات التي مال فيها الجمال قليلا عن مساره المستقر. هناك، في تلك الانعطافة الخفيفة (قانون الخادع)، يبدو العمل كأنه يعبث، بينما كان في الحقيقة يشق الطريق إلى التجديد.

font change