هل ينجح النظام الإيراني في إنقاذ نفسه؟

النظام الايراني الحالي وان افتقد الى التأييد الشعبي العارم، الا ان ركائزه ما زالت سليمة الى هذا الحد او ذاك

رويترز
رويترز
شخص يسير حاملاً العلم الإيراني خلال مظاهرة احتجاجية ضد إسرائيل والضربات الأميركية على إيران، في أعقاب اغتيال علي خامنئي، في صنعاء، اليمن، 1 مارس 2026

هل ينجح النظام الإيراني في إنقاذ نفسه؟

التعقيد المقصود للنظام السياسي في إيران يمنح المسؤولين هناك هامشا واسعا للمناورة وصوغ التسويات والحفاظ على مكاسب مختلف الأطراف في خريطة الحكم المتشابكة. ويبدو أن المؤسسة السياسية الإيرانية ستلجأ في الأيام المقبلة إلى كل ما يوفره النظام من فرص للعمل على ترميم النظام والحد من الخسائر التي تسبب بها الهجوم الأميركي–الإسرائيلي المشترك.

هناك أولا تعدد المجالس التي تهتم بتوجيه السلطة وإدارتها على المستويات التشريعية والرقابية والانتخابية. فمن "مجلس صيانة الدستور" إلى "مجلس خبراء القيادة" الى مجلس "تشخيص مصلحة النظام" تبدو الصلاحيات متداخلة وقابلة للنقاش والخلاف. مهمة المجلسين الاولين الرقابة على دستورية أعمال مجلس الشورى (البرلمان)، واختيار "المرشد" في حال وفاة الأخير أو استقالته. وفي موازاة هذين المجلسين هناك "مجلس تشخيص مصلحة النظام" وله دور تشريعي لتجاوز أي خلاف قد يظهر بين البرلمان وبين "مجلس صيانة الدستور".

بمزيج من التعيين من قبل "المرشد" والانتخاب الشعبي المباشر والاقتراح من أعضاء مجالس أخرى، يجري اختيار أعضاء المجالس تلك، لكن على نحو لا يترك المجال لأية خيوط أن تفلت من بين يدي "المرشد" الذي يشرف بدوره على مؤسسة كبيرة تضم مستشارين في الأمن والاقتصاد والشؤون الخارجية وغير ذلك.

"المجلس القيادي المؤقت"- الذي أعلن رئيس مجلس الأمن القومي علي لاريجاني أنه سيتولى إدارة البلاد إلى أن يجتمع "مجلس خبراء القيادة" لاختيار "مرشد" جديد- هو هيئة دستورية تضم رئيس الجمهورية ورئيس السلطة القضائية وفقيه يتولى تمثيل "مجلس صيانة الدستور". ووفق المناصب الحالية سيضم المجلس الرئيس مسعود بزشكيان باعتباره رئيس الجمهورية، وغلام حسين ​محسني ​أجئي وهو رئيس السلطة القضائية. وقد انتدب "مجلس صيانة الدستور" علي رضا أعرافي ليشارك في "مجلس القيادة المؤقت".

بذلك، يكون فرعا السلطة التنفيذية والقضائية قد تمثلا في "مجلس القيادة"، إضافة إلى المؤسسة الدينية بشخص أعرافي الذي سينقل في الوقت ذاته صوت السلطة التشريعية. ولا بد هنا من لفت الانتباه إلى أن النظام في إيران لا يتبع الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية وفق النموذج التقليدي الغربي حيث يبقى حق النقض مصانا في يد "المرشد" في كل الشؤون. يضاف الى ذلك ان اعرافي من ابرز المرشحين لتولي منصب الولي الفقيه في حال تمكنت السلطات الايرانية من انجاز الاجراءات اللازمة. وهو من المحسوبين على التيار المحافظ.

لا يبدو من التصريحات الأخيرة المنشورة للمسؤولين الإيرانيين أنهم سيُظهرون أي تراخٍ أو انفتاح في الشهور القليلة المقبلة على الأقل

ولا ريب في أن مشاكل عدة ستعترض عمل "المجلس القيادي". منها أن أمور التسيير اليومي للدولة محصورة منذ شهور في يد علي لاريجاني، الرجل الذي حاز ثقة "المرشد" السابق علي خامنئي بعدما تنقل بين مختلف أجهزة الدولة منذ انتصار الثورة الإيرانية في 1979، وشارك في الحرب العراقية–الإيرانية في صفوف "الحرس الثوري"، وظل على الخط المحافظ الموالي لخامنئي منذ أن كان الأخير يشغل منصب رئيس الجمهورية. ومن غير المعروف كيف ستدار العلاقات بين أطراف السلطة الجديدة وكيف سترسم الحدود في ما بينها.

ومن المشكلات التي سيواجهها المجلس الجديد أيضا، حقيقة أن عددا من أعضاء "صيانة الدستور" قد قتل في الهجمات الإسرائيلية–الأميركية في الوقت الذي لا يُعرف فيه مصير عدد آخر من الأعضاء. وسيخضع تعيين ممثلي أجهزة الدولة- التي عادة ما يتولى مسؤولوها المشاركة في أعمال "مجلس الصيانة"، مثل الجيش و"الحرس الثوري"- للإجراءات الداخلية، ما قد يؤخر بدء أعمال القيادة الجديدة.

في المقابل، تبدو المسألة هذه قابلة للتجاوز حيث اتخذت السلطات الإيرانية إجراءات وقائية ضد أي فراغ محتمل، وتعزز هذا التوجه بعد "حرب الاثني عشر يوما" بتعيين بدلاء لكل مسؤولي الصفين الأول والثاني في المواقع جميعها وبغض النظر عن حساسيتها، بما يضمن استمرار نشاط المؤسسات حتى لو سقط أكثر من مسؤول فيها.

أ.ف.ب
رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، بعد اجتماعه مع رئيس البرلمان اللبناني في بيروت، 13 أغسطس 2025

لكن ما يصعب التكهن بكيفية الخروج منه هو حال الانسداد الكامل في المجالين الاقتصادي والدبلوماسي. فمعروف ان احتجاجات الشهرين الماضيين سببها الانهيار القياسي للعملة الايرانية ما اعطى اشارة الى ان الاقتصاد لم يعد يحتمل المزيد من الضغوط وان الحكومة لم يعد لديها المزيد من الاوراق لتخرجها من أكمامها. وظهر ذلك في استقالة الحاكم السابق للمصرف المركزي الايراني محمد رضا فرزين. واستبدال المسؤولين في الصفوف الأولى ليس علاجا ناجعا في ظل ازمة بنيوية تتعاون في صناعتها العقوبات الدولية الخانقة وانعدام الرؤية المستقبلية والوظيفة الاقليمية والدولية للدور الايراني وسيطرة "الحرس الثوري" على جزء كبير من الاقتصاد.

من جهة ثانية، لا يبدو من التصريحات الأخيرة المنشورة للمسؤولين الإيرانيين أنهم سيُظهرون أي تراخٍ أو انفتاح في الشهور القليلة المقبلة على الأقل، وأن القبضة الأمنية التي واجهت مظاهرات الاحتجاج على تدهور الوضع المعيشي في يناير/كانون الثاني الماضي، ستكون أعنف في حال تحولت مظاهر الابتهاج بمقتل خامنئي التي شهدتها بعض شوارع المدن الإيرانية إلى مسعى للإطاحة بالسلطة، أو بدا أن هناك من يبدي استجابة لنداء الرئيس دونالد ترمب بإكمال ما بدأه الهجوم الجوي والصاروخي والاستيلاء على السلطة من خلال المظاهرات في الشارع. ذلك أن الحرب لم تتوقف بعد ولا زال النظام يقاتل أعداء الخارج، ومن غير المنطقي أن يبدو أي تساهل في الداخل قبل وقف إطلاق النار.

وغني عن البيان أن استهداف الغارات لمقرات الأجهزة الأمنية وقادتها يرمي إلى إضعاف كل محاولة لإحياء أدوات السيطرة والإخضاع التي اعتمد الحكم عليها في العقود السابقة. لكن ضرب أجهزة الأمن بهذه القسوة ليس ضمانة بعدم تشكل أدوات بديلة تعمل على إبقاء النظام واقفا على قدميه، سواء من "الباسيج" أو ما يشبهه. 

سيتعرض النظام لاختبارات قاسية تتناول قدرته على تقديم التنازلات والتخلي عن أسلوبه الدائم في التذاكي على خصوم الداخل والخارج والامتناع عن تقديم اقتراحات إصلاحية فارغة يعرف هو قبل غيره استحالة إقدامه عليها

مهما يكن من أمر، وفي الوقت الذي لا تتوقف فيه الغارات الإسرائيلية والأميركية على مقرات النظام وعُقد اتصالاته وسيطرته، سيكون من المجازفة الاعتقاد بأن النظام سيسقط بضربات جوية فحسب. فالاختراقات الأمنية التي أظهر اغتيال خامنئي (في مقره ولدى ترؤسه اجتماعا لكبار قادة الدولة)، أنها لم تعالَج منذ حرب يونيو/حزيران الأخيرة، أو أن الأميركيين والإسرائيليين تجاوزوا محاولات العلاج التي بذلتها الأجهزة الإيرانية، لا تكفي- على الرغم من فداحتها وخطرها- لإزاحة النظام الذي تغلغل في العقود الخمسة الماضية في المجتمع والهيئات الاقتصادية والذي لم يفقد كامل قاعدته الشعبية على الرغم من الضربات التي تلقاها في الداخل والخارج.

والغالب على الظن أن ثمة شبها سيظهر في عملية انتقال السلطة إلى "المرشد" الجديد، إذا قيد للنظام الحالي النجاة من الحرب ومن الضغوط الاقتصادية والسياسية الهائلة التي يتعرض لها. ذلك أن علي لاريجاني قد يكرر الدور الذي أداه الرئيس الراحل علي أكبر هاشمي الذي دفع بخامنئي إلى سدة الزعامة العليا على الرغم من معرفة الجميع أن خامنئي غير مؤهل وفق مواد الدستور لتولي المنصب. وهو ما قاله خامنئي ذاته في كلمته التي رفض فيها ترشيح نفسه ليكون "المرشد" بعد آية الله الخميني. قبل أن يعود ويقبل بالتزامن مع سلسلة طويلة من المناورات والتسويات والحلول الوسط مع المؤسسة الدينية ومراكز القوى التي كانت صاحبة سطوة في 1989 عند وفاة الخميني.

أ.ف.ب
إيرانيون ينعون وفاة المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، في ساحة في طهران، في الأول من مارس 2026

ولا مفر أيضا من جلاء الصورة وانقشاع دخان القصف واتضاح حصيلة ولو أولية للقتال الأخير وحساب الخسائر والأرباح التي سيتكبدها وسيجنيها كل من الأطراف المنخرطة في الجولة الحالية من القتال. وبديهي أن النظام سيتعرض لاختبارات قاسية تتناول قدرته على تقديم التنازلات والتخلي عن أسلوبه الدائم في التذاكي على خصوم الداخل والخارج والامتناع عن تقديم اقتراحات إصلاحية فارغة يعرف هو قبل غيره استحالة إقدامه عليها.

فالنظام الايراني الحالي وان افتقد الى التأييد الشعبي العارم، الا ان ركائزه ما زالت سليمة الى هذا الحد او ذاك ومنها قاعدته الشعبية في الاوساط الريفية والفقيرة والسمات العملية التي تتسم بها آلية التسيير اليومي لشؤون الدولة. اما القدرة على ابقاء الحرب لأمد طويل وخوض قتال على جبهات عدة ومن دون وجود امدادات عسكرية مفتوحة، فهي امور ستجعل لاريجاني ومن معه في القيادة الانتقالية يفكرون مليا في التوصل الى نوع من الهدنة ولو بشروط تفرض عليهم تخفيف اطباقهم على الحريات العامة.

ويضاف إلى كل ذلك أن احتمال سقوط النظام- الذي يدفع ترمب ونتنياهو في اتجاهه بقوة- لا يزال مفضلا عند صف طويل من الدول الغربية، فيما تمنع تحققه السريع جملة من العوامل الداخلية في انتظار نضوج الظروف.

font change

مقالات ذات صلة