كيف تفكر دول الخليج بعد حرب إيران؟

تسريع وتيرة التكامل العسكري لتشكيل منظومة ردع ذاتي

أ.ف.ب
أ.ف.ب
لقطة عامة لاجتماع مجلس التعاون الخليجي الخامس والأربعين في مدينة الكويت بتاريخ 1 ديسمبر 2024

كيف تفكر دول الخليج بعد حرب إيران؟

لا يمكن قراءة التصعيد الأمني الحالي في منطقة الخليج العربي بوصفه مجرد جولة عنف عابرة ضمن سلسلة الاشتباكات التقليدية التي اعتادت عليها المنطقة، بل يجب النظر إليه كاختبار هيكلي حقيقي لصمود البنية الأمنية الإقليمية بأكملها. إن منطقة الخليج تواجه اليوم جملة من التحديات الاستراتيجية المترابطة التي تتجاوز في ارتداداتها الحدود الجغرافية المباشرة، لتضرب في عمق أمن الطاقة العالمي، واستقرار الأسواق المالية، ومرونة سلاسل الإمداد الدولية. فلم يعد الخليج مجرد خزان للطاقة التقليدية، بل تحول إلى شريان لوجستي ومالي حيوي يربط اقتصادات الشرق والغرب، مما يجعل أي اهتزاز أمني فيه بمثابة أزمة مركبة تضرب الأسواق الناشئة في آسيا والمراكز الصناعية في أوروبا على حد سواء، وتضع النظام الاقتصادي العالمي بأسره أمام حالة من الانكشاف الاستراتيجي.

في قلب هذا المشهد المعقد، نلاحظ تحولا جذريا في وظيفة القواعد العسكرية الأجنبية المنتشرة في المنطقة. فبعد أن شكلت هذه القواعد لعقود طويلة مظلة ردع صلبة وفعالة تضمن الاستقرار وتحمي تدفق المصالح، أصبحت أهدافا محتملة في حرب استنزاف غير متماثلة. هذه الحرب الجديدة تعتمد بشكل أساسي على تكتيكات هجومية تستخدم أسراب الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية رخيصة التكلفة، وهي أسلحة تمتلك قدرة تكتيكية خطيرة على إرهاق الأنظمة الدفاعية المتقدمة التي تكلف خزائن الدول ملايين الدولارات لكل عملية اعتراض ناجحة.

على الصعيد الاقتصادي، تعتمد اقتصادات الخليج الحديثة بشكل متزايد على قطاعات حيوية تتسم بحساسية مفرطة تجاه الاستقرار الأمني

هذا التفاوت الهائل في التكلفة يغير معادلات الردع التقليدي، إذ يحول التفوق التكنولوجي الباهظ إلى عبء اقتصادي يسهل استنزافه. وأمام هذا الواقع المتغير، تجد عواصم الخليج نفسها أمام ضرورة ملحة لإعادة صياغة استراتيجياتها الأمنية والدفاعية؛ لأن استمرار هذه الأزمة ذات الطبيعة الاستنزافية لم يعد يهدد الاستقرار الأمني فحسب، بل يضع مسار التنمية الاقتصادية طويل الأمد ومشاريع التنويع الاقتصادي الكبرى أمام تحديات عميقة تتطلب استقلالية استراتيجية وحلولا تتجاوز فكرة الاعتماد الكلي على الحليف الخارجي.

أمن الخليج في ظل الأزمة الحالية

يرتبط أمن الخليج بشبكة معقدة من التحديات المترابطة التي تتجاوز المفهوم التقليدي للحروب، لتجمع بين التصعيد العسكري المباشر، والهجمات السيبرانية الخفية، والضغوط المستمرة على خطوط الملاحة البحرية الحيوية. فقد تحول مضيق هرمز، الذي يعبر من خلاله نحو 34 في المئة من تجارة النفط العالمية البحرية، إلى جانب ممرات البحر الأحمر الاستراتيجية، من مجرد شرايين للتجارة الدولية إلى أوراق ضغط جيوسياسية رئيسة تستخدمها أطراف الصراع لفرض شروطها. إن أي اضطراب أو إغلاق لهذه الممرات الحيوية، حتى لو اقتصر على أسابيع قليلة، كفيل بإحداث موجات من الصدمات المتتالية في قلب سلاسل الإمداد العالمية. هذا السيناريو لا يقتصر أثره على الجغرافيا الإقليمية، بل ينذر برفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية قد تتجاوز 120 دولارا للبرميل، مما سيؤدي حتما إلى إرهاق الاقتصادات الناشئة في آسيا وأوروبا، ويدفع بالاقتصاد العالمي نحو حالة من الانكشاف الاستراتيجي.

أ.ف.ب
سقوط مقذوف فوق دبي في 28 فبراير 2026

في الوقت نفسه، تبرز استراتيجية الاستنزاف كعامل حاسم في صياغة المشهد الأمني الجديد، حيث تلجأ الفصائل والكيانات المسلحة إلى إطلاق مقذوفات وطائرات مسيرة لا تتجاوز تكلفتها بضعة آلاف من الدولارات، بهدف إجبار المنظومات الدفاعية الخليجية المتقدمة على استنزاف صواريخ اعتراضية تكلف ملايين الدولارات لكل عملية تصدٍ. هذه المعادلة المختلة تحول التفوق التكنولوجي العسكري من ميزة استراتيجية مطلقة إلى عبء اقتصادي غير مستدام على المدى الطويل، وتضع صانع القرار الخليجي أمام معضلة حقيقية تتطلب التفكير لتطوير آليات ردع منخفضة التكلفة وعالية الفعالية في آن واحد.

على الصعيد الاقتصادي، تعتمد اقتصادات الخليج الحديثة بشكل متزايد على قطاعات حيوية تتسم بحساسية مفرطة تجاه الاستقرار الأمني. فالمراكز المالية والسياحية العالمية، والمشاريع التنموية العملاقة، ومحاور الطيران والنقل اللوجستي، بالإضافة إلى مساعي التنويع المالي والتجاري المتسارعة، جميعها قطاعات تعتمد بنيويا على تدفق رؤوس الأموال وحرية الحركة وثقة المستثمر. ولهذا، فإن أي تهديد أمني مستمر، حتى وإن كان غير مباشر أو يندرج ضمن حروب المنطقة الرمادية، يقلل بوضوح من جاذبية هذه الاقتصادات للاستثمارات الأجنبية المباشرة بنسبة وازنة، وذلك وفقا لتقييمات المخاطر الجيوسياسية المعتمدة لدى مؤسسات الاستثمار الدولية. هذا التراجع يمثل تحديا لخطط التحول الاقتصادي التي تعول عليها المنطقة لمرحلة ما بعد النفط.

الاقتصادات الخليجية تعتمد على استقرار يُقدر بمليارات الدولارات. ويُتوقع أن يؤدي أي تهديد مستمر لمضيق هرمز إلى خسارة تصديرية تصل إلى 50 مليار دولار أميركي شهريا للسعودية والإمارات مجتمعتين

تضيف التهديدات السيبرانية طبقة أخرى من التعقيد إلى هذه المعادلة الأمنية، حيث تشير تقارير الرصد الأولي منذ بدء التصعيد الأخير في 27 فبراير/شباط إلى تصاعد ملحوظ في الأنشطة الإلكترونية المشبوهة التي تستهدف شبكات البنية التحتية الحيوية. إن الخشية اليوم تكمن في استهداف الموانئ والمحطات النفطية بهجمات مبرمجة تهدف لتعطيل الإنتاج والتصدير بضغطة زر، وهو نمط من الحروب الهجينة الذي يمنح الفاعلين مساحة للإنكار وتجنب المساءلة المباشرة، مع تحقيق أهدافهم في إلحاق ضرر استراتيجي واقتصادي بالغ دون الحاجة لإعلان حرب رسمي.

أمن دول "مجلس التعاون الخليجي" الست

تقع دول "مجلس التعاون الخليجي" في قلب هذه العاصفة الأمنية، حيث يهدد التصعيد غير المسبوق التوازن الدقيق الذي حافظت عليه هذه العواصم لسنوات عبر اتفاق ضمني يحيّد أراضيها عن الصراعات المباشرة. إن تحول المواجهات الإقليمية إلى أزمات مفتوحة يضيّق مساحات المناورة الدبلوماسية، ويفرض على "المجلس" مواجهة واقع يهدد بنيته التحتية الحيوية. ومن أبرز التداعيات هنا، تغيّر دور القواعد العسكرية الأجنبية المنتشرة في المنطقة، إذ تحولت من مظلة تأمين إلى نقاط جذب للتوترات، مما يعرّض الموانئ والمطارات والمنشآت النفطية لمخاطر مباشرة.

أ.ف.ب
ناقلة النفط "سكايلايت" التي ترفع علم بالاو، والخاضعة للعقوبات الأميركية، وهي تشتعل فيها النيران بعد تعرضها لهجوم قبالة شبه جزيرة مسندم في سلطنة عُمان، في 1 مارس 2026

وقد طرحت "قمة المنامة 2025" مفهوم الأمن غير القابل للتجزئة كأساس لاستراتيجية جديدة، تنتقل من الحياد الآمن إلى تكتل أمني جماعي يعزّز التكامل العسكري والاقتصادي. وفي هذا الإطار، تقود السعودية جهود بناء درع دفاعي مشترك يشمل شبكات رادار متكاملة تغطي الحدود البرية والبحرية، بينما تستثمر الإمارات في تقنيات الدفاع السيبراني المتقدمة ومراكز الذكاء الاصطناعي للكشف المبكر عن الهجمات. وفي حين تعزّز قطر دورها الدبلوماسي كوسيط مستفيدة من قاعدتها الجوية كمركز اتصال، تحافظ الكويت وعمان على سياسة التوازن البرغماتي لحماية مصادرهما النفطية، وتعمل البحرين على تعزيز دفاعاتها الساحلية لسد الثغرات في مضيق هرمز.

هذه الجهود ليست اعتباطية، فالاقتصادات الخليجية تعتمد على استقرار يُقدر بمليارات الدولارات. ويُتوقع أن يؤدي أي تهديد مستمر لمضيق هرمز إلى خسارة تصديرية تصل إلى 50 مليار دولار أميركي شهريا للسعودية والإمارات مجتمعتين، مما يضرب خطط التنويع الاقتصادي. لذا، تُسرّع دول المجلس في تطوير خطوط أنابيب برية بديلة، مثل خط شرق-غرب السعودي الذي يصدر 5 ملايين برميل يوميًا عبر البحر الأحمر، مع تعزيز القدرات الدفاعية الذاتية لتقليل الاعتماد على الضمانات الخارجية التي أثبتت محدوديتها في السنوات الأخيرة.

السيناريوهات المحتملة حتى نهاية النصف الأول من 2026

حتى منتصف عام 2026، تتشكّل السيناريوهات حول ثلاثة مسارات رئيسة، مع ترجيح مسار المواجهة تحت عتبة الحرب كخيار أكثر احتمالية. وفي هذا المسار، يستمر الاستنزاف بالوكالة عبر هجمات سيبرانية ومسيّرات تستهدف خطوط الملاحة دون الانزلاق إلى صدام شامل، مما قد يرفع أسعار النفط إلى مستويات تتراوح بين 100 و120 دولارا للبرميل. ويرافق ذلك ارتفاع حاد في أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب على السفن المتجهة إلى الموانئ الخليجية، مما يُثقل كاهل الاقتصادات بتكاليف دفاعية ولوجستية إضافية قد تصل إلى 30 مليار دولار. وفي ظل هذا السيناريو، ستُكثّف دول "المجلس" اتصالاتها الخلفية لضمان عدم امتداد الشرارة إلى منشآتها الحيوية، مع تعزيز الدوريات البحرية المشتركة في مضيق هرمز.

تفرض الضرورة الجيوسياسية على دول الخليج تبني خيارات فورية وحاسمة، تبدأ بتسريع وتيرة التكامل العسكري بين الدول الست لتشكيل منظومة ردع ذاتي مستقلة

أما المسار الثاني، وهو التصعيد المحدود، فيظل احتمالا قائما بنسبة وازنة، ويشمل إغلاقا مؤقتا لمضيق هرمز لأسابيع نتيجة خطأ تكتيكي أو حسابي. هذا السيناريو كفيل بإيقاف نسبة مؤثرة من صادرات الخليج، ورفع الأسعار إلى حدود 150 دولارا، مما قد يؤدي إلى قفزات غير مسبوقة في بوليصات التأمين قد تتجاوز 1 في المئة من قيمة السفينة في الرحلة الواحدة. هذا الواقع سيُجبر السعودية والإمارات على الاعتماد الكلي على البدائل البرية، وهو ما قد يُعيق مشاريع التنمية بنسبة مؤثرة تتراوح بين 10 في المئة و15 في المئة.

ويأتي المسار الثالث، المتمثل في الاحتواء السريع، كاحتمال وارد عبر وساطة خليجية دولية ناجحة تُعيد انتظام الملاحة وتهدئ من روع أسواق التأمين العالمية. هذا المسار من شأنه أن يمنح دول الخليج فترة زمنية لترقية دفاعاتها الجوية، مستفيدة من خبراتها المتراكمة في مواجهة التهديدات غير المتماثلة التي طبعت المرحلة الماضية.

السيناريوهات المحتملة حتى نهاية عام 2026

بنهاية عام 2026، يتفرّع المشهد الاستراتيجي إلى مسارين متناقضين، تميل الكفة في أحدهما نحو تسوية إقليمية مرجّحة. في هذا السيناريو، تفرض حالة الإنهاك المتبادل اتفاقاً سياسياً يُحيّد الممرات المائية ويُقلّص نفوذ الفاعلين من غير الدول، مما يمهد الطريق لترتيبات أمنية جديدة تضمن استقرار تدفقات الطاقة. هذه التهدئة ستسمح بإعادة مشاريع التنمية الخليجية إلى مسارها الطبيعي بثقة أكبر، مدعومة بشراكات اقتصادية مُوسّعة مع الصين، التي ضخت استثمارات تقدر بنحو 50 مليار دولار في تطوير الموانئ والمراكز اللوجستية الخليجية، مما يعزز من دور المنطقة كحلقة وصل رئيسة في التجارة العالمية.

أ.ف.ب
يمرّ سائقون بسياراتهم أمام عمود دخان يتصاعد من غارة جوية إيرانية مزعومة في المنطقة الصناعية بالدوحة في الأول من مارس 2026

أما المسار الآخر، فيتمثل في الانفلات الاستراتيجي، حيث قد يؤدي خطأ في الحسابات أو تحول مفاجئ في التحالفات إلى توسع رقعة الصراع. هذا الانفلات من شأنه أن يُضعف الثقة في الضمانات الأمنية الأميركية التقليدية، ويخلق فراغاً جيوستراتيجياً تسعى روسيا لملئه عبر مكاسب قطاع الطاقة، بينما تعزز الصين نفوذها من خلال ثقلها الاقتصادي. إن هذا السيناريو قد يُعرّض موانئ الخليج لتهديدات أمنية مباشرة، مما سيجبر دول "مجلس التعاون" على تسريع وتيرة التكامل العسكري والاعتماد على الذات ككتلة أمنية مستقلة قادرة على حماية مصالحها السيادية بعيداً عن الاستقطابات الدولية.

خيارات استراتيجية ملحّة للخليج

أمام هذه التحديات المتسارعة، تفرض الضرورة الجيوسياسية على دول الخليج تبني خيارات فورية وحاسمة، تبدأ بتسريع وتيرة التكامل العسكري بين الدول الست لتشكيل منظومة ردع ذاتي مستقلة، وتطوير دفاعات تكنولوجية متقدمة لمواجهة تهديدات المسيّرات والهجمات السيبرانية، بالتوازي مع تعزيز دبلوماسية مرنة متعددة الأطراف. لقد أثبتت المعطيات الراهنة أن الاعتماد الحصري على الضمانات الأمنية الخارجية لم يعد كافيا لتأمين المصالح السيادية، مما يجعل بناء هندسة أمنية إقليمية جديدة واجبا استراتيجيا للحفاظ على الخليج كمركز ثقل اقتصادي وسياسي عالمي.

التوازن الدقيق بين إدارة الضرورات الدفاعية والالتزام بالمواقف الاستراتيجية التاريخية يمثل جوهر السياسة الخارجية الخليجية في عام 2026

وفي هذا الإطار، يتطلب التوازن الإقليمي إدارة معقدة للعلاقة مع القوى الفاعلة، حيث يتوقع أن تتسم العلاقة مع إيران بنهج الردع المشوب بالحذر، من خلال إبقاء قنوات التواصل مفتوحة لتقليل فرص الانزلاق نحو مواجهة شاملة، مع الحفاظ على سياسة احتواء لنفوذ الفاعلين من غير الدول.

أما في المسار المتعلق بإسرائيل، فتتجه البرغماتية عند الدول الخليجية التي تقيم علاقات مع تل أبيب نحو تعزيز الشراكات الأمنية الوظيفية، خاصة في مجالات الدفاع الجوي والسيبراني لمواجهة التهديدات المشتركة، مع مراعاة الحسابات السياسية الدقيقة التي تفرضها الحرب الحالية. وفي المقابل، يظل المعيار الثابت للدول التي لا تقيم علاقات معها هو التمسك بالموقف القائم الذي يطالب بحل عادل للقضية الفلسطينية، وهو الموقف السعودي المعلن منذ عام 1981 والذي تجدد الرياض إعلان تمسكها به في كل مناسبة كشرط أساسي لأي ترتيبات إقليمية شاملة.

إن هذا التوازن الدقيق بين إدارة الضرورات الدفاعية والالتزام بالمواقف الاستراتيجية التاريخية يمثل جوهر السياسة الخارجية الخليجية في عام 2026. والعواصم الخليجية تمتلك اليوم القدرة والإمكانات لتحويل هذه الأزمة إلى فرصة تاريخية لتحقيق استقلال استراتيجي، شريطة التنسيق السريع والحاسم الذي يضمن حماية مسار التنمية المستدام ويؤكد سيادة المنطقة في ظل التحولات الكبرى.

font change