عن الشعوب التي تخسر الحرب وإسرائيل التي تربح

التصرف وكأن الصراع يتحدد ويحسم بالصراع العسكري

عن الشعوب التي تخسر الحرب وإسرائيل التي تربح

استمع إلى المقال دقيقة

لم تكن الحرب الإسرائيلية-الأميركية-الإيرانية مفاجئة لأي طرف، فكل المعطيات كانت تؤكد الولوج إليها أو الوقوع في شراكها، خاصة بعد عملية "طوفان الأقصى" (أواخر 2023)، التي أنهت حقبة الاستثمار الأميركي (والإسرائيلي) بالسياسات التي انتهجها النظام الإيراني في الشرق الأوسط، التي جعلته الطرف الأكثر فعالية في الإقليم لعقدين من الزمن. وللتذكير فقد حصل ذلك منذ الغزو الأميركي للعراق (2003)، وتسليمه للميليشيات العراقية، التي تشتغل كأذرع إقليمية لإيران، ما نجم عنه في المحصلة، تصدع بنى الدولة والمجتمع في بلدان المشرق العربي، في العراق وسوريا ولبنان (مع اليمن)، وإبقاء دول الخليج تحت طائلة الابتزاز والتهديد، ما خدم إسرائيل أكثر مما أضر بها في كلتا الحالتين.

مشكلة النظام في إيران، الذي هيمن على البلد منذ قرابة خمسة عقود، أنه يتصرف بوصفه سلطة وميليشيا، وليس بوصفه دولة، باعتبار أن على رأس أولوياته الدفاع عن سلطته وأيديولوجيته وشعاراته أو ادعاءاته، وليس الدفاع عن البلد، وصون مصالح الشعب والاقتصاد والعمران والتاريخ، والعلاقة مع دول الجوار والعالم، وهذا ديدن الأنظمة التسلطية، التي لا تبالي بأي شيء آخر سوى سلطتها، أو تماهي وتختصر الشعب والدولة في ذاتها. لنلاحظ مثلا أن النظام الإيراني ذهب إلى الحرب مع لاءاته الثلاث، أن لا تنازل عن حيازة قوة نووية، ولا عن الترسانة من الأسلحة الباليستية، ولا عن استمرار الدعم للميليشيات التابعة له، ولا سيما "حزب الله" في لبنان.

الأمر هنا لا يتعلق بحق إيران في امتلاك ما يمكّنها من الدفاع عن نفسها، فهذا شأن آخر، وإنما في أن النظام الإيراني لم يكن بريئا إذ فعل كل شيء، طوال العقدين السابقين، لإثارة الشبهة حول سياساته، وعزل ذاته، واستعداء من يفترض أنهم جواره، أو عمقه التاريخي والحضاري، ما أدى إلى زعزعة الاستقرار السياسي والمجتمعي والأمني في العراق وسوريا ولبنان واليمن، من دون أن يؤثر ولو بذات الدرجة على إسرائيل. ما تقدم لم يعد مجرد تحليل، ولا محاولة لإسباغ رؤية ذاتية، إذ البيّنة أن تلك السياسات أضعفت وحدة تلك البلدان، المجتمعية والسياسية، وجعلتها أضعف من أي فترة مضت إزاء إسرائيل، التي باتت بمثابة قوة عظمى وحيدة في المشرق العربي، وصولا لإيران.

الذهاب إلى المربع الذي تتفوق فيه إسرائيل، المدعومة من الولايات المتحدة، يجر مزيدا من التدمير والقتل والتشريد، وإشاعة الإحباط واليأس

ملاحظة أخرى بالمقارنة مع روسيا، التي غزت أجزاء من أرض أوكرانيا، فقد ظلت طوال ثلاثة أعوام تحافظ على وتيرة معينة في حربها مع أوكرانيا، وحتى الصين لم تتحدّ الولايات المتحدة في مسألة تايوان، وهذان الأمران لم تلاحظهما القيادة الإيرانية في عنجهيتها.

ففي تلك الحرب قام النظام الإيراني منذ اليوم الأول، باستهداف البلدان العربية المجاورة بالقصف (المملكة العربية السعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت وعمان)، مع مضيق هرمز، الحيوي للتجارة العالمية، بل وورط "حزب الله" بالقصف، بدلا من أن تركز استهدافها على الطرفين الإسرائيلي والأميركي (الموجود في قواعده البحرية والعائمة)، الأمر الذي وسع دائرة الحرب، وأسبغ مزيدا من التغطية على السياسات الحربية الإسرائيلية والأميركية.

القصد أن النظام الإيراني في تلك الحرب تصرف كميليشيا بعقلية انتحارية، تنبع من روح قدرية، وعاطفية وإرادوية، كأنه يكرر تجربة "حماس" في يوم "الطوفان"، الذي تحول معه قطاع غزة إلى جحيم ثم إلى خرابة، وتجربة "حزب الله"، التي نجم عنها اليوم نزوح مئات الألوف من جنوبي لبنان، مع محاولة إسرائيل تحويل أجزاء من الجنوب إلى منطقة عازلة، وكل ذلك لا صلة له بالمقاومة، ولا بتعزيز صمود الشعب اللبناني أو الفلسطيني. ذلك أن النتيجة، أي نتيجة الحرب كجيش لجيش، والذهاب إلى المربع الذي تتفوق فيه إسرائيل، المدعومة من الولايات المتحدة، يجر مزيدا من التدمير والقتل والتشريد، وإشاعة الإحباط واليأس.

مشكلة النظام الإيراني وبعض الفصائل، التصرف وكأن الصراع مع إسرائيل يتحدد ويحسم، وفقا للمعطيات الدولية والإقليمية الراهنة بالصراع العسكري

الحرب الانتحارية التي ذهب أو استدرج، إليها النظام الإيراني الذي فضل ذاته على شعبه وبلده، لم تثبت الشعارات، أو الادعاءات، أو الأوهام التي روّج لها طوال العقدين الماضيين، فقد بينت خواءها أولا، فيما يخص مقولات انهيار إسرائيل والولايات المتحدة، التي تكشفت عن مجرد مبالغة بالذات، واستخفاف بالعدو، وانفصام عن الواقع، مع مقولات مثل أن إسرائيل أوهن من خيوط العنكبوت، وبالإمكان محوها في ساعات أو في أيام أو بكبسة زر.

ثانيا، انكشاف عدم واقعية الحديث عن قوة تجمع "بريكس"، وتراجع مكانة الولايات المتحدة إزاء الأقطاب الآخرين، إذ لا الصين ولا روسيا فعلت شيئا عمليا للحد من الهجمة الحربية على إيران (ولا إزاء ما حصل في فنزويلا).

ثالثا، ظهر أن المعطيات الدولية والإقليمية اليوم، وتبعا لوقائع الحرب، قد نقلت مطالب الولايات المتحدة من مجرد تخلي إيران عن أسلحتها وتقليم أظافرها، وتحجيم نفوذها الإقليمي، إلى العمل من أجل إسقاط النظام القائم فيها جملة وتفصيلا، أي إن النظام بات مهددا ليس بخسارة نفوذه في الإقليم فقط، وإنما بخسارة وجوده كسلطة في إيران أيضا، ومشكلة قادة إيران أنهم لم يدرسوا نتائج حرب الـ12 يوما (في يونيو/حزيران الماضي)، مع ادعائهم بالانتصار، على غرار انتصارات "حماس" في غزة، و"حزب الله" في لبنان.

أخيرا، مشكلة النظام الإيراني وبعض الفصائل، التصرف وكأن الصراع مع إسرائيل يتحدد ويحسم، وفقا للمعطيات الدولية والإقليمية الراهنة بالصراع العسكري، وهي نظرة سطحية وخائبة، أولا، لأن هذه القوى لا تمتلك وسائل وأدوات الحسم العسكري أساسا. وثانيا، لأن إسرائيل تتفوق في هذا المربع بالذات، بالتسليح والتكنولوجيا وبالقدرة الاقتصادية والدعم الأميركي غير المحدود. وثالثا، بسبب عدم إدراك حقيقة أن إسرائيل، الصغيرة لا تتفوق، ولا تكسب فقط بالحرب، وإنما هي تتفوق بطريقة إدارتها لأوضاعها، أي بنمط إدارتها للدولة والمجتمع والموارد، وبسبب تقدمها الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي ونظامها السياسي، وهي الأمور التي ظلت تفتقد لها القوى الدولتية والميليشياوية، التي امتطت فكرة الصراع العسكري ضد إسرائيل. وهذا يفسر، بين مسائل أخرى، أننا كشعوب نخسر، وأن إسرائيل الصغيرة- المصطنعة والاستعمارية والعنصرية والعدوانية- تربح.

font change