حين حصدت الكاتبة الكورية الجنوبية هان كانغ جائزة نوبل للآداب عن عمر يناهز 53 عاما، كانت أول كاتبة كورية تفوز بهذه الجائزة، وكان القارئ العالمي سبق وتعرف إليها من خلال روايتها "النباتية" الحائزة "مان بوكر" الدولية عام 2016. وفي بيان إعلان فوزها، قالت الأكاديمية السويدية، إن الجائزة منحت تقديرا "لكتاباتها الشعرية المكثفة التي تواجه الصدمات التاريخية وتكشف هشاشة الحياة البشرية"، متحدثة عن أسلوب شعري تجريدي جعلها من المبتكرين في عالم النثر المعاصر.
هذه الإشارة إلى "الشعرية" لتبرير فوز كانغ بأعرق جائزة أدبية، ليست توصيفا عابرا، بقدر ما هي مفتاح جوهري لقراءة مشروعها كاملا. حتى في أكثر رواياتها اشتغالا على التاريخ والعنف، تكتب كانغ دوما من موقع خاص وحميم، انطلاقا من الجسد نفسه، أحيانا بوصفه موضوعا للسرد، وأحيانا باعتباره وسيطا حسيا للمعنى.
في "النباتية"، يتحول امتناع البطلة عن أكل اللحوم إلى تمرد صامت على عنف يومي، ثم إلى رغبة في التلاشي داخل الطبيعة، كأن الجسد يسعى إلى الانعتاق من شروطه البشرية. التدرج من الواقعي إلى شبه الأسطوري، يتم عبر لغة مقتصدة، شفافة، ومشحونة بإيحاءات كثيفة مثل لغة القصائد.
أما في "الكتاب الأبيض"، فتتخلى كانغ عن الحبكة التقليدية لصالح متواليات سردية قصيرة ومكثفة، تتجاور كأنها مقاطع شعرية، لتروي موت أختها بعد ساعتين من ولادتها. البياض، الثلج، الصمت، عناصر مهيمنة، كاستعارات للفقد والحداد والذاكرة، والألم الذي ينتج منها ويبقى في الجسد.
جوهر الشعر
في خطابها إلى الأكاديمية السويدية، الصادر بالفرنسية بعنوان "الخيط والضوء" عن "غراسيه"، تحدثت الكاتبة عن هذا الموقع الحميم الذي تكتب منه: "عندما أكتب، أستعمل جسدي. أستعمل كل التفاصيل الحسية: البصر، السمع، الشم، التذوق، الحنان، الدفء، البرد والألم، إحساس قلبي الذي يخفق بسرعة وجسدي الذي يحتاج إلى الطعام والماء، المشي والجري، إحساس الرياح والمطر والثلج على جلدي، وفعل إمساك اليد".
حتى وإن بدا هذا الخطاب صالحا لأي نوع من الممارسات الفنية، خاصة الكتابة الروائية، فإن ارتباطه بالتجربة الشعرية واضح. تتحدث كانغ عن جوهر الشعر، عن هذا التوظيف للحواس، عن تحويل الجسد نفسه وحاجاته ورغباته، إلى أداة فنية، ووعاء أساس للتجربة الشعورية.
في هذا السياق، يبدو صدور الترجمة الفرنسية لديوان "هذه المساءات الموضبة في الدرج" Ces soirs rangés dans mon tiroir، وهو الديوان الوحيد لـ هان كانغ، عن دار "غراسيه" عام 2025، بعد صدوره بالكورية عام 2013، مناسبة لتوسيع معرفتنا بجانب أقل تداولا من تجربة الكاتبة، ولا سيما بما يبدو أنه أحد المنابع الحسية التي تتغذى منها رواياتها.
منذ الصفحات الأولى للديوان، يدخل القارئ في جو يذكر بالسبلين البودليري، أو بما يسميه الكوريون الـ"هان"، ذلك الشعور المركب الذي يمتزج فيه الحزن بالقلق الوجودي وبإحساس دائم بعدم الاكتمال.



