إحياء تراث المتصوف اليمني أحمد بن علوان

إرثه الروحاني والأدبي أبقى من القصص المثارة حوله

لينا جردات
لينا جردات

إحياء تراث المتصوف اليمني أحمد بن علوان

في بعض مناطق اليمن ظل اسم الولي أحمد بن علوان محل تقديس لا نظير له، فإذا أصيب طفل بمرض دعت أمه ابن علوان أن يشفيه، ووعدت أو "نذرت" بتقديم أغلى ما عندها إذا استجيب دعاؤها، وفي أوقات المصائب كان من السهل أن تسمع استغاثة "يا ابن علوان غارتك". وقد بقيت هذه الاعتقادات راسخة قبل اتساع المعارف العصرية وتكاثر الجماعات الدينية التي اعتبرت هذا السلوك شركا بالله.

وإذا كان هذا الجانب في الاعتقاد تراجع كثيرا في العقود الأخيرة، إلا أن الحكايات و"الكرامات" التي تصل إلى مستوى الأساطير لا تزال تُروى عن ابن علوان الذي يُعد من أشهر المتصوفة في اليمن، وهي قصص ظلت تحجب سيرته الحقيقية وكتبه حتى قام عدد من الباحثين بالاهتمام بمنجزه الفكري ونشره خلال العقود الماضية، وأبرزهم عبد العزيز سلطان المنصوب الذي حقق كل ما حصل عليه من أعمال ابن علوان ونشرها على نطاق واسع، كما سبق له أن حقق الكثير من كتب محيي الدين بن العربي مثل "الفتوحات المكية"، إلى جانب أعمال المتصوفة اليمنيين السودي والبرعي والمقطري.

الطريقة العلوانية

عادة ما يقال إن الفلسفة تقدم بالفلسفة، ويمكن القول أيضا إن التعريف بأهل التصوف لا يكون كاملا دون استعارة لغتهم. لذا فإن أحمد بن علوان عُرف بـ"الباهوت"، يبدأ اسمه بصفة "العارف بالله" وينتهي بعبارة "قدس الله روحه"، وهي عبارات شائعة عند المتصوفة. وتبعا لهذه اللغة، يقدمه محقق كتبه، الذي يتصل به عبر نسب عائلي قديم جعله، ربما، يسلك المنهج نفسه، فيقول: "هو القطب الرباني والغوث الصمداني، تاج الأصفياء، نقطة بيكار الأولياء، بحر الحقائق الربانية، ومعدن الحقائق العرفانية، مولانا وسيدنا وبركتنا وعمدتنا، صفي الدين أحمد بن علوان".

توصف طريقة ابن علوان في التصوف بـ"الطريقة العلوانية" التي استطاعت أن تكون الخلفية الروحية والنفسية لجميع أتباع الطرق الصوفية من أبناء اليمن

لا يُعرف تاريخ ميلاد ابن علوان، لكن وفاته كانت في يوم 20 رجب سنة 665 هجرية (الموافق 22 أبريل/ نيسان 1267). وباستثناء ذكر اسم أمه ومكان قبرها، فإن المراجع لا تذكر شيئا آخر عنها، وكان أبوه كاتبا لآخر ملوك الدولة الأيوبية في اليمن، فيما ظل هو على علاقة بالدولة الرسولية مع توجيهه بعض الانتقاد اليها بقصائد يحثها على الاهتمام بالفقراء وانصاف المظلومين: "عار عليك عمارات مشيدة/ وللرعية دور كلها دمن".

وصار قبره بجوار المسجد الذي يحمل اسمه في قرية يفرس في جبل حبشي بمحافظة تعز اليمنية، موضع مزار لكل مريديه، مع تعرضه أحيانا لبعض التخريب من المتشددين وسلطات أئمة اليمن قبل 1962. تأثر ابن علوان بالطريقة القادرية، نسبة إلى عبد القادر الجيلاني، ومن أبرز شيوخه عمر بن المسن المعروف بالطيار وشمس الشموس أبي الغيث بن جميل الذي يحتل مكانة مهمة بين المتصوفة العرب.

غلاف "التوحيد الأعظم"

ويصف المنصوب طريقة ابن علوان في التصوف بـ"الطريقة العلوانية" التي استطاعت، حسب قوله "أن تكون الخلفية الروحية والنفسية لجميع أتباع الطرق الصوفية من أبناء اليمن، حتى إنها أصبحت سياجا منيعا ينضوي تحت لوائه أبناء هذه الطرق مثلهم في ذلك مثل أبنائها المباشرين دونما تفرقة". هنا يذكر تزايد اتساع الطرق الصوفية في اليمن، مثل الطريقة الشاذلية على يد علي بن عمر الشاذلي ثم عبدالله بن عمر المسن وحسان بن سنان.

قصر التصوف، حسب عبارة ابن علوان بُني "من جوهرين أحدهما كمال التقوى، والآخر حسن السخاء". أما منهج التصوف "الذي هو الفقر" فيعرفه بالقول "إن الفقر صفة، وإن الصفة معرفة، وإن المعرفة أدب وإن من لا أدب له لا معرفة له، ومن لا معرفة له لا صفة له، ومن لا صفة له لا فقر له. فالصفة هي القيام بالأخلاق المحمدية الشرعية ظاهرا، والمعرفة هي القيام بالآداب المحمدية الحقيقية باطنا".

كرامات المؤمن

قد لا تبدو بعض "الكرامات" التي يذكرها محقق كتب ابن علوان، والتي وردت في الكتب أو تداولها الناس، مقنعة للقارئ لمنحاها الأسطوري أو لما اندرج في تصنيفه في باب الخرافة، لكن المنصوب وهو يورد "كرامات" ابن علوان، طلب من القارئ أن يقابل الحديث عن "الكرامات" برحابة صدر، منوها إلى "أن الفاعل على أي حال هو الله"، وبالتالي "لا يصح لنا أن نحجر أمرا قد أراده الله لأي من عباده". وكأنه يقول للقارئ إذا كنت تؤمن بالله وبقدرته فإنه لا يعجز أن يحقق ما أراده في الناس.

مع هذا، فالذي يبقى من ابن علوان هو إرثه الروحاني والأدبي الذي هو أهم بكثير من تلك القصص المثثرة للجدل بين المصدقين والمنكرين.

توليد المعاني

بدا ابن علوان في كتبه الثلاثة التي حققها عبد العزيز سلطان المنصوب، "التوحيد الأعظم" و"كتاب الفتوح" و"المهرجان"، منشغلا بهواجس الصفاء الإيمانية وكأنها الخلاص الوحيد من كل مفاسد الحياة، وذلك بلغة شعرية، سواء اتخذت شكل النثر أو القصيدة البيتية المتعددة الأوزان.

الكتاب الأول يمثل، كما يقول المنصوب، "إضافة جديدة للفكر الإسلامي باعتباره يعالج قضية التوحيد التي شغلت وما زالت تشغل حيزا كبيرا من الفكر الإنساني عموما"، وميزته "أنه لم يكن مكررا في منهجه وتناوله لهذا الموضوع الحساس، وإنما أسهم بالجديد من حيث الأسلوب والمدخل والطريقة والنتائج". لذا فإن الكتاب لا يقتصر "على الأمور الدينية"، وسيلفت نظر المهتمين بالدراسات الأدبية.

غلاف "المهرجان"

نجد ابن علوان على طريقة المتصوفة ينحو إلى توليد المعاني عبر مترادفات الكلمات، كما في هذه الفقرة من كتاب "المهرجان": "إن خير ما أكسبك النهار استظهار ما أظهر الظاهر من الظواهر، وإن خير ما أكسبك الليل استبطان ما أبطن الباطن من البواطن. فإذا أشرق نهارك فكن مع الظاهر لا مع ما أظهر من الظواهر، وإذا أظلم ليلك فكن مع الباطن لا مع ما أبطن من البواطن. فإذا كنت على ذلك في نهارك، جعل لك حظا من ثواب صيام الصائمين وإن لم تصم. وإذا كنت على ذلك في ليلك، جعل لك حظا من ثواب قيام القائمين وإن لم تقم".

تتشكل هواجس ابن علوان بأشكال شعرية، ينظمها أحيانا حسب الأوزان التقليدية، وأحيانا تبدو صورة لجلسات "سماع" ورقصات المتصوفة بالطرق اليمنية المتفردة

في "كتاب الفتوح" تتشكل هواجس بن علوان بأشكال شعرية، ينظمها أحيانا حسب الأوزان التقليدية، وأحيانا تبدو صورة لجلسات "سماع" ورقصات المتصوفة بالطرق اليمنية المتفردة. أدى هذا النوع من الكتابة إلى اهتمام الشاعر عبد العزيز المقالح، فكتب في مقدمة هذا الكتاب: "لم يقف تأثير شعراء المتصوفة عند حدود اللغة الشعرية، وإنما تعداها إلى الشكل الشعري نفسه، فقد ضاق بهم عمود الشعر كما ضاقت بهم عباراته. وكان شاعرنا بن علوان واحدا من الخارجين على مفهوم الوحدة البيتية في القصيدة العربية المتمثلة في وحدة البحر ووحدة القافية. ويمكن القول، في حدود المعرفة السائدة عن الشعر اليمني في العصرين القديم والوسيط، إن ابن علوان هو أول من كتب المبيتات والمخمسات والمربعات في اليمن قبل أن يتلقفها عنه الشعر (الحميني) أو (العامي)".

غلاف "كتاب الفتوح"

ضم "كتاب الفتوح" الكثير من قصائد ابن علوان التي اشتهرت في مجالس السماع الصوفية في اليمن، ومنها القصيدة الشهيرة التي يغنيها الفنان أيوب طارش ومطلعها:

"أحبابنا بجيرون/ إني بكم لمفتون/ باكي العيون محزون/ مجنون غير مجنون/ سكران ليس أدري/ من غشوتي وسكري/ أحن ملء صدري/ إلى الحمائم الجون".

هكذا، تمثل الكتب الثلاثة بما تحويه من نصوص وملاحق ورسائل، إضافة إلى المقدمات التعريفية والسيرية لابن علون، مرجعا مهما للباحثين في حياة هذا المتصوف الشهير ولدارسي الفكر الصوفي في اليمن وفي الثقافة العربية والإنسانية عامة.

font change

مقالات ذات صلة