كيف غيرت وسائل التواصل الاجتماعي شكل موائد الرحمن في سوريا؟

إشكالية أخلاقية تطرحها التبرعات الرقمية

Yasin AKGUL / AFP
Yasin AKGUL / AFP
سكان يتدافعون للحصول على طعام وملابس وأدوات منزلية من شاحنة مساعدات في سامنداغ بجنوب هاتاي، 16 فبراير 2023، بعد عشرة أيام من الزلزال المدمر الذي ضرب الحدود التركية السورية

كيف غيرت وسائل التواصل الاجتماعي شكل موائد الرحمن في سوريا؟

أياد صغيرة تمسك بقوة وجبة إفطار منتظرة، وعيون خائفة اتسعت حدقاتها تحت وطأة الفقر، وأجساد نحيلة تأوي تحت صفيح حديد تتسرب من ثقوبه مياه الأمطار: هذا ملمح من ملامح المشهد الذي تفتتح به بعض حسابات وسائل التواصل الاجتماعي في الموسم الرمضاني من كل عام، في تناوب محموم ومنافسة على استقطاب المتابعين ونيل "اللايكات" والمتابعات.

لكن، بالرغم من قسوة المشهد وكثرة استدعائه خلف كاميرات المؤثرين والمؤثرات في استهلاك مكرور، فإن هذه المنصات تحولت بالفعل إلى فضاءات اجتماعية بديلة لممارسة التكافل الاجتماعي والتضامن الإنساني، ولا سيما في بلد مثل سوريا، خارج من سنوات طويلة من الحرب أنهكت قواه الاجتماعية والاقتصادية، وإن كانت هذه المنصات غيرت مفهوم الصدقة أو التبرع من السرية إلى العلانية.

من السرية إلى العلانية

في السنوات الأخيرة، ومع تدهور الأوضاع الاقتصادية في سوريا جراء الحرب الطويلة فيها، مارست وسائل التواصل الاجتماعي دورا خاصا في شهر رمضان، إذ تحولت هذه المنصات إلى "موائد رحمن رقمية" بغية الوصول إلى العائلات المحتاجة، فتغيرت أدوات العمل الخيري الذي تغير معها مفهوم الصدقة. فبعدما كان تقليديا يمارس سرا تطبيقا لمقولة "متى صنعت صدقة، فلا تعرف شمالك ما تفعل يمينك"، صار يمارس على مرأى شاشات الهواتف الذكية في تحول واضح للقيم الاجتماعية ومحاولة أوسع وأضمن للتأثير الجماهيري.

في هذا السياق، يوضح الباحث في علم الاجتماع الدكتور طلال مصطفى لـ"المجلة"، التحولات الملحوظة التي ظهرت بعد الثورة السورية، يقول: "قبل عام 2011 كانت موائد الرحمن تنظم في المساجد أو في الأحياء بشكل جماعي وتعتمد على تبرعات محلية تقدم غالبا بسرية، وكان الهدف الأساس منها إطعام الصائمين العابرين أو الفقراء في الأحياء الشعبية، لكن مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، تحولت هذه المبادارت إلى مشاريع إغاثية".

ساهم هذا التحول في تغيير مفهوم التبرع من الكتمان إلى الجهر، ليصبح الإعلان عن التبرعات جزءا من آلية جمع التمويل وبناء الثقة بين المحتاج والمتبرع

ويرى مصطفى أنه بدلا من الاقتصار على موائد ثابتة، ظهرت مبادرات تقوم على إعداد وجبات جاهزة ومغلفة وتوزيعها مباشرة على العائلات المحتاجة في منازلها، أو عبر حملات تمويل جماعي تعلن على المنصات الرقمية، ليعكس هذا التحول محاولة مقاومة الفقر المتزايد نتيجة الحرب وتوسيع نطاق الوصول إلى المحتاجين، بل إنه ساهم في تغيير مفهوم التبرع من الكتمان إلى الجهر، ليصبح الإعلان عن التبرعات جزءا من آلية جمع التمويل وبناء الثقة بين المحتاج والمتبرع".

من الصعوبة إنكار أن منصات التواصل الاجتماعي كانت حقل تجارب من الدرجة الأولى لفحص مفعول الشهرة ومستويات "الترند"، وقد انسحب هذا الأمر على المبادرات الخيرية، باعتبارها الطريقة الأسلس للتسويق الشخصي من باب التبرع. ذلك أن الصورة التي تعاين لغة جسد الفقراء قادرة على إيصال آلاف المشاعر والتأثير في المتلقين، فكانت ثقافة "المؤثرين" ذات تأثير على حجم التبرعات كونهم يمتلكون قاعدة جماهيرية كبيرة. يعقب الباحث الاجتماعي بالقول: "عندما يطلق مؤثر حملة خيرية، فأنها تتحول إلى موجة تضامن رقمية، وقد تزيد حجم التبرعات بشكل ملحوظ خلال فترة قصيرة، لكن في المقابل، أدت هذه الظاهرة إلى تحويل بعض المبادرات الخيرية إلى ترند موسمي، حيث يتنافس بعض صناع المحتوى على الظهور بمظهر الفاعل الخيري، وهذا يخلق مفارقة بين البعد الإنساني الحقيقي ومنطق صناعة المحتوى القائم على المشاهدات والتفاعل".

OMAR HAJ KADOUR / AFP
مشهد جوي لتجمع جماهيري حول مائدة إفطار جماعية نظمتها جمعية خيرية في الساحة المقابلة للجامع الكبير في معرة النعمان بمحافظة إدلب شمال غرب سوريا، 2 مارس 2025

 بعد تحول المنصات الرقمية إلى فضاءات للعمل الخيري والتنظيم المجتمعي كواحد من أهم التحولات الاجتماعية التي ظهرت في شهر رمضان، ظهر مفهوم "التبرع الصغير"، وهو نمط يقوم على مساهمات مالية محدودة يقدمها عدد كبير من الأفراد عبر المنصات الرقمية، بحيث تتحول المبالغ الصغيرة، بفعل التراكم، إلى موارد مؤثرة قادرة على دعم المبادرات الإنسانية وتوسيع نطاقها، كما رافقها التبرع العابر للمحافظات والحدود الجغرافية، فلم تعد حكرا على أبناء الحي أو المدينة، بل عملت على إشراك المتبرعين بمبادرات خيرية في أماكن بعيدة لا تربطهم معرفة مباشرة بها، مما عزز هذا النمط من العطاء.

الإشكالية الأخلاقية

تضع عدسة الكاميرا المتلقي أمام مأزق إنساني مأسوي، إذ تحيل الفقراء داخل إطار الصورة إلى مادة مثيرة للشفقة والتعرية العاطفية، وتدعو ضمنيا إلى حالة بكاء جماعي. فكلما كانت الصورة أكثر موغلة في القسوة، ازداد تأثيرها في حشد التبرعات، لكنها في الوقت ذاته تمس كرامة الفقير وحقه في الخصوصية وتنتهك إنسانيته. فالتعويل هنا على الألم الناجم من العوز يولد ألما مضاعفا موثقا بالصوت والصورة والبث المباشر لا يمكن محو أثره، فتتحول الصورة إلى أداة لتسجيل ضيق العيش واستعراض معاناة الآخرين، لا سيما عندما تركز على تفاصيل الوجوه ولغة الجسد والأصوات المرتجفة وعيون الأطفال المحرومين. ومن هنا تبرز الإشكالية الأخلاقية للتصوير.

AP Photo/Omar Sanadiki
سكان يجلسون إلى مائدة الإفطار التي نظمتها منظمة "حسنة" الإنسانية الإسلامية لأهالي حي جوبر المدمر بفعل الحرب السورية، دمشق، 1 مارس 2025

يقول مصطفى لـ"المجلة: "ساعد التصوير في جذب الانتباه الى قضايا الفقر وتدهور المعيشة لدى فئات واسعة من السوريين، والحصول على دعم مالي، إلا أنه يثير إشكاليات أخلاقية وثقافية مهمة، ففي الثقافة الإسلامية يرتبط العمل بالخيري بالستر وحفظ قيمة المحتاج، وعندما تصور وجوه المحتاجين وتكشف عن هوياتهم أمام الجمهور، فإن ذلك يتحول إلى استثمار المعاناة لأغراض إعلامية، ومن هنا يظهر التوتر بين منطقين، منطق التوثيق والشفافية الذي يطلبه المتبرعون ومنطق الكرامة الإنسانية".

من هنا يظهر التوتر بين منطقين، منطق التوثيق والشفافية الذي يطلبه المتبرعون ومنطق الكرامة الإنسانية

ويرى الباحث الاجتماعي أن المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورا في تعزيز التكافل الاجتماعي، لا سيما في ظل تراجع قدرة المؤسسات الرسمية وضعف البنية الاقتصادية نتيجة الحرب، حيث سمحت المنصات الرقمية بربط المتبرعين بالمحتاجين بشكل مباشر، وخلقت شبكات دعم مرنة وسريعة خاصة مع المتبرعين في الخارج.

Zein Al RIFAI / AFP
الأختان السوريتان نور وعلاء، المعروفتان بنشر مقاطع باللغة الإنكليزية على وسائل التواصل عن قصف النظام لمدينة جوبر في الغوطة الشرقية، تلتقطان صورة سيلفي بعد وصولهما إلى قلعة المضيق شمال غرب حماة عقب إجلائهما من عربين، 30 مارس 2018

يتابع مصطفى حديثه لـ"المجلة": "بالرغم من الدور المهم الذي مارسته وسائل التواصل الاجتماعي، غير أنه يصعب اعتبارها بديلا من دور الدولة أو المؤسسات الخيرية ذات الكيانات المنظمة والتمويل الكبير، إذ تبقى في إطار المبادرات الفردية المرهونة بالقدرات المادية للأفراد أكثر من اعتمادها على سياسات اجتماعية مستدامة".

مبادرات فردية

كان الزلزال الذي وقع في سوريا وتركيا في فبراير/ شباط 2023، الحدث المأسوي الذي دفع الشابة يارا عاصي للاستعانة بالحائط الأزرق في "فيسبوك" عبر منشور تطلب فيه الوصول إلى أسماء العائلات المنكوبة ليصل منشورها إلى آلاف المتابعين وأصحاب الأيادي البيضاء، لتنطلق بعدها بمهمتها الإنسانية كوسيط خير والمساهمة في الوصول إلى العوائل الفقيرة في شهر رمضان. تقول لـ"المجلة": "غيرت واقعة الزلزال مفهوم التبرع وأصبح علانيا بسبب قدرة وسائل التواصل الاجتماعي لتصوير حجم معاناة الناس، والوصول إلى العائلات المنكوبة وتأمين أدنى مستلزمات الحياة، لا سيما الطعام وحليب الأطفال والدواء".

Rami al SAYED / AFP
تلاميذ يشاركون في أنشطة بدنية خارج حافلة حُولت إلى صف متنقل في مخيم نزوح في جنديرس بريف حلب الشمالي الغربي، 23 مارس 2023

تلزم الشابة نفسها بقاعدة أخلاقية ثابتة، وهي عدم نشر أسماء المحتاجين وإخفاء وجوههم في مقاطع الفيديو، إيمانا منها بأن العمل الإنساني يفقد قيمته عند فضح المحتاجين وتجنبا للوقوع في فخ "الترند" والبحث عن الشهرة على حساب كرامات الناس: "الأمر عائد لأخلاقيات الوسيط  وبديهيات العمل الإنساني الموصى به، هناك الكثير من  يقتات على وجع الفقراء لإشباع هدف الشهرة والاحتيال، لكن المبادرات الإنسانية لا تكتب لها الاستمرارية ما لم تتمتع بالصدقية".

Zein Al RIFAI / AFP
الأختان السوريتان نور وعلاء، المعروفتان بنشر مقاطع باللغة الإنكليزية على وسائل التواصل عن قصف النظام لمدينة جوبر في الغوطة الشرقية، تلتقطان صورة مع لاجئين بعد وصولهما إلى قلعة المضيق شمال غرب حماة

من موائد الإفطار والمطابخ  إلى السلل الغذائية، بدأت سالي حسون عملها الإنساني الذي تجد فيه صعوبات كبيرة، أبرزها كسب الثقة والصدقية بين المستفيدين، إذ تجد في وسائل التواصل الاجتماعي الطريقة الأسرع والأسهل للوصول إلى أكبر شريحة من الفقراء بوصفها أداة من أدوات توثيق التبرعات وخلق عدوى إيجابية بين المتبرعين. تقول لـ"المجلة": "نشر الحالات على وسائل التواصل الاجتماعي يخلق حالة تنافسية إيجابية بين المتبرعين، ويفتح الباب أمام التبرع بمبالغ مالية صغيرة حتى لو بقيمة دولار واحد، ليست حكرا على المبالغ الضخمة".

نشر الحالات على وسائل التواصل الاجتماعي يخلق حالة تنافسية إيجابية بين المتبرعين، ويفتح الباب أمام التبرع بمبالغ مالية صغيرة

وترى الشابة أنه في بعض الحالات تصبح الصورة وسيلة ضرورية للتوثيق وإثبات وصول المساعدات إلى مستحقيها، كما تستخدم لضمان الشفافية والحد من احتمالات السرقة أو التلاعب بالتبرعات، خاصة حين تكون الأولوية الاستجابة للحالة الإنسانية أكثر من اعتبارات حماية الخصوصية.

font change