تبذل أجهزة الأمن السورية جهودا مكثفة، لتفكيك خلايا تتبع للميليشيات الإيرانية على الأراضي السورية شملت اعتقال أكثر من 25 شخصا في شهر مارس/آذار، مع استمرار عمليات ضبط الحدود، حيث تم اعتراض أكثر من 10 عمليات تهريب مقاتلين وأسلحة، عبر الحدود مع العراق ولبنان.
ويأتي تركيز الحكومة على الخلايا الموجودة على أراضيها، بالإضافة إلى ضبط الحدود في سياق تعزيز موقف دمشق الرافض لاستخدام أراضيها في الحرب الدائرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. كما أن الحكومة السورية تتحرك بشكل كثيف، لمنع قيام خلايا الميليشيات الإيرانية باستهداف مراكز الحكومة أو مواقع خدمية في سوريا، في حال امتد أمد الحرب التي تحاول إيران توريط منطقة الشرق الأوسط فيها، لتخفيف الضغط عن نفسها، وزيادة الضغط السياسي على واشنطن.
لأول مرّة منذ عقود، خسرت إيران الأراضي السورية كورقة استراتيجية في سياق صراعها مع إسرائيل من جهة، وفي سياق خطتها التوسعية في منطقة الشرق الأوسط، فالأراضي السورية لم تُستخدم كجغرافيا موالية لإيران خلال الحرب الحالية، والتي تحاول إيران توسيع رقعتها الجغرافية، لتشمل كامل منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي. كما خسرت إيران خطّ الإمداد الجغرافي التقليدي، الذي استخدمته لعقود في تعزيز قدرات وإمكانات "حزب الله" اللبناني، وهي خسارة ألقت بظلالها على إمكانات "حزب الله" العسكرية من جهة، وعلى قدرة إيران تعقيد المشهد في الشرق الأوسط، في ظلّ تلاشي قدرتها على شنّ هجمات على إسرائيل من سوريا.
الواقع الجديد للجغرافيا السورية جعل إيران وميليشياتها ينظرون إلى سوريا والحكومة كعدو، وحليف للولايات المتحدة، فقام "حزب الله" باستهداف الأراضي السورية منتصف شهر مارس مثل منطقة سرغايا بريف دمشق، ليتبعها بعد أقل من أسبوعين قيام الميليشيات التابعة لإيران في العراق، باستهداف قاعدة خراب الجير في منطقة رميلان بريف الحسكة، والتي كانت قاعدة للقوات الأميركية التي انسحبت منها في وقت سابق خلال الأسابيع الماضية. يضاف إلى ذلك إرسال إيران تهديدات مبطنة لسوريا عبر وكالة "فارس" الموالية لـ"الحرس"، حيث نشرت الوكالة يوم الخميس في 26 مارس أن الأمن الإيراني حدد فنادق في العاصمة السورية دمشق، إضافة للقصر الجمهوري، يسكنها- بحسب ادعاء الوكالة والأمن الإيراني- خبراء ومستشارون من الولايات المتحدة الأميركية، وبريطانيا، وإسرائيل، في إشارة إلى أن هذه المواقع هي هدف إيراني في سياق التهديدات التي تطلقها طهران منذ بداية الحرب في 28 فبراير/شباط الماضي، وبأنها ستستهدف أي مكان توجد فيه مصالح وشخصيات تتبع للولايات المتحدة.
وعزز مقتل كثير من قادة إيران، من بينهم "المرشد الأعلى" علي خامنئي، وتركيز واشنطن وإسرائيل على استهداف من بقي منهم، من عمليات التخفي التي يجريها هؤلاء القادة، وقادة المجموعات التابعة لها في العراق ولبنان، وهو ما يجعل من عمليات التواصل بين المركز والفروع أمرا صعبا، وتتحول دائرة صنع القرار من مسار أحادي المصدر، إلى مسار لا مركزي يخلق فوضى في عمليات اتخاذ القرار عند الميليشيات، وعناصرها في كل من العراق، ولبنان، وبقايا الخلايا في سوريا، وهو ما يسبب في طياته خطورة أمنية على الحكومات، من حيث عدم القدرة على التنبؤ بطبيعة العمليات، التي يمكن أن تقوم بها هذه الميليشيات بهدف الانتقام أو زعزعة الأمن.
وبالتوازي مع تعزيز الحكومة السورية قدراتها العسكرية على الحدود المتصلة بكل من العراق ولبنان، وتكثيف اتصالاتها مع حكومتي البلدين، تتحرك داخليا على مستوى تفكيك الخلايا التي تنشط في سوريا وتتبع لإيران وميليشياتها. وبحسب معلومات "المجلة" فإن جهازي الداخلية والاستخبارات، يركّزان بشكل رئيس على تحليل المعلومات التي لديهما، حول أماكن وتوزع وقدرات الخلايا، التي تتم ملاحقتها، كما قام جهاز الأمن الداخلي بالتنسيق مع جهاز الاستخبارات، باعتقال أكثر من 25 شخصا خلال الأسبوعين الماضيين، ممن ما زالت لديهم صلة بـ"حزب الله" والميليشيات الإيرانية في العراق. الاعتقالات تركزت في المنطقة الشرقية، وفي ريف دمشق الجنوبي. كما صادرت كميات أسلحة كانت بحوزة بعض هؤلاء، في حين تستمر عمليات التحقيق معهم لمعرفة أماكن توزع العناصر الآخرين، وقدراتهم ونواياهم خصوصا أن بعض من تم اعتقالهم يعملون على تجنيد خلايا للميليشيات الإيرانية مقابل مبالغ شهرية.
الخطر الذي تقيّمه الحكومة ليس خطر الصواريخ الإيرانية أو وكلاء طهران في العراق ولبنان فحسب، بل خطر قيام عناصر يتبعون لهذه الميليشيات باستهداف مراكز حكومية أو خدمية في الأراضي السورية، انطلاقا من مسافة قريبة عبر الدرونات أو المتفجرات، سيّما أن الميليشيات الإيرانية و"حزب الله" ما زال لديهم بعض الأسلحة التي لم تصل إليها الحكومة بعد، وباعتبار أن محاولة تهريبها إلى لبنان والعراق صعبة وخطرة، فيمكن استخدامها داخل الأراضي السورية.

