"القيصر" السوري فريد المذهان لـ "المجلة": بصمة الأسد كانت على كل صورة... وهكذا التقيت نورالدين الأتاسي في سجن المزة

يتحدث عن قراره الانشقاق في 2013 وتهريب آلاف الصور لادانة النظام واصدار الكونغرس لـ "قانون قيصر" في 2019، ولقاءاته في سجن المزة بشخصيات تاريخية بينهم الرئيس نور الدين الأتاسي

رويترز/المجلة
رويترز/المجلة
فريد المذهان

"القيصر" السوري فريد المذهان لـ "المجلة": بصمة الأسد كانت على كل صورة... وهكذا التقيت نورالدين الأتاسي في سجن المزة

لم يكن فريد المذهان، الذي يعرف بـ "قيصر السوري"، يبحث عن بطولة في المشهد السياسي. كان موظفا عسكريا، يؤدي عمله في قسم الأدلة القضائية بالشرطة العسكرية بدمشق، يصور ويوثق الجرائم الجنائية بناء على استدعائهم من قبل النيابة العامة العسكرية، إلى أن اكتشف بعد اندلاع الثورة في 2011، أن ما بين يديه ليس مجرد أرشيف رسمي، بل سجلّ كامل لجريمة ممنهجة. عشرات آلاف الصور لجثث معتقلين قضوا تحت التعذيب، وجوه تحولت إلى أرقام، وأجساد أنهكها التعذيب والتجويع الممنهج.

يستعيد تلك المرحلة في حديثه مع "المجلة" قائلا: "كل صورة، وكل شهادة، وكل جثة موثّقة، كانت تقول بوضوح: هذا ما فعله النظام الأسدي بنا في أقبية سجونه ومعتقلاته. بصمة الأسد كانت على كل صورة". لم يكن يتحدث عن وقائع بعيدة عنه، بل عن يوميات عاشها لساعات طويلة بين ملفات وأدراج مغلقة. ويضيف: "كنت أنظر إلى الصور بين يديّ كل يوم... وجوه مثقلة بالألم والقهر وأرقام بلا أسماء، أجساد أنهكها التعذيب الوحشي... أدركت أن الحقيقة لا يجوز أن تبقى حبيسة الجدران".

قرار الانشقاق والخروج من سوريا عام 2013 مع عشرات الآلاف من الصور لم يكن لحظة اندفاع، بل حصيلة صراع داخلي طويل. يقول: "كان قرار خروجي من سوريا من أصعب القرارات التي اتخذتها في حياتي"، قبل أن يشرح المفارقة الأخلاقية التي حسمت أمره: "لم يكن خروجي هروبا من خطر، بل كان واجبا دينيا وإنسانيا وأخلاقيا لا مجال للتراجع عنه".

بالنسبة إليه، لم يعد السؤال: هل أنجو؟ بل: هل تبقى الحقيقة حية؟ ولهذا يؤكد: "صار الخوف على حياتي أصغر من الخوف على الحقيقة نفسها".

بهذا الدافع، خاطر بحياته وحياة أهله وكل من ساعده لتهريب ما يقارب 45 ألف صورة إلى خارج البلاد، فيما عُرف لاحقا باسم "ملف قيصر". تلك الصور تحولت إلى وثيقة اتهام دولية، استند إليها تقرير محققين في جرائم الحرب عام 2014، وأصبحت لاحقا ركيزة أساسية في الدفع نحو إقرار "قانون قيصر لحماية المدنيين" في الولايات المتحدة عام 2019. عن تلك اللحظة يقول: "كانت لحظة حملت شعورا عميقا بالإنجاز، بعدما تحوّل جهد سنوات طويلة وتضحيات جسيمة إلى وثيقة إنسانية وحقوقية معترف بها دوليا".

لكن الرجل الذي ناضل لإقرار القانون، عاد بعد سقوط الأسد نهاية عام 2024 ليطالب بإلغائه. قد يبدو الأمر تناقضا للوهلة الأولى، إلا أنه يراه استمرارية للهدف ذاته، ذلك ان "الأسباب التي فُرضت من أجلها العقوبات قد زالت"، مضيفا أن الإبقاء عليها "لن يخدم المواطن السوري، ولن يساهم في إعادة بناء البلاد". بالنسبة إليه، كان القانون وسيلة ضغط لتحقيق العدالة، لا غاية بحد ذاته، وحين تغيّر الواقع السياسي، تغيّر الموقف بما يخدم "وطننا العزيز وشعبنا السوري الذي يستحق أن يعيش بسلام".

غير أن جذور حساسيته تجاه معاناة المعتقلين تعود إلى ما قبل الثورة. بين عامي 1989 و2000، فقد عمل ممرضا عسكريا في مستوصف سجن المزة العسكري، حيث احتكّ يوميا بمعتقلين سياسيين بارزين. يصف تلك المرحلة بأنها "من أكثر المراحل تأثيرا في حياتي"، لأنها وضعته في مواجهة مباشرة مع الألم الإنساني المجرد من الشعارات. هناك التقى شخصيات سياسية من حقبة السبعينات، بينهم الرئيس السوري الأسبق نور الدين الأتاسي، الذي اعتُقل بعد انقلاب حافظ الأسد في 1970. يقول: "اطلعت على حجم المعاناة الجسدية والنفسية التي عاشها المعتقلون، وعن صبرهم وصمودهم رغم قسوة الظروف". ويضيف: "كانت تجربة إنسانية عميقة جعلتني أواجه التاريخ من خلال وجوه حيّة تختزن الألم والقهر والإرادة".

في روايته، لا يفصل "قيصر" بين الإنسانية والسياسة. فالمعاناة التي شاهدها في سجن المزة العسكري، ثم في صور المعتقلين بعد 2011، شكّلت قناعته بأن توثيق الجريمة ليس عملا تقنيا فحسب، بل موقف أخلاقي. لذلك يؤكد أن خروجه من البلاد "لم يكن هروبا، بل رسالة وفاء ومحبة لشعبٍ يستحق أن يعيش بسلام وكرامة".

وبين الخوف الذي رافقه في لحظة العبور الأولى، والإيمان بأن "لا يُدفن الضحايا مرتين: مرة تحت التراب، ومرة في النسيان"، تتلخص حكاية رجل قرر أن يتحول من شاهد صامت داخل منظومة مغلقة، إلى صوتٍ يهزّ ضمير العالم.

وهنا نص الحوار:

* ألغى الكونغرس الأميركي "قانون قيصر" نهاية العام الماضي. ماذا كان شعورك عندما سمعت بأنه قد ألغي؟

- كان إلغاء "قانون قيصر لحماية المدنيين" متوقَّعا في ظل التقارب الإيجابي بين الحكومة السورية الجديدة والولايات المتحدة الأميركية بعد سقوط نظام الأسد نهاية 2024. وعندما سمعتُ بموافقة الكونغرس الأميركي على إلغائه، شعرتُ بالرضا والارتياح، لأن رفع العقوبات جاء كخطوة طبيعية بعد زوال الأسباب التي فُرضت من أجله، والمتمثلة بسقوط نظام بشار الأسد الفاشي.

ويبعث إلغاء هذا القانون على الأمل والتفاؤل، لأنه يفتح المجال أمام السوريين للبدء بإعادة بناء وطنهم وحياتهم، بعيدا عن عقوبات استهدفت النظام البائد الذي دمر البلاد وقتل وهجّر العباد. كما يهيّئ مناخا أفضل لعودة الاستثمارات العربية والأجنبية، وهو ما ينعكس مباشرة بشكل إيجابي على حياة الناس من خلال تحسّن سعر صرف الليرة السورية، وخلق فرص عمل واسعة، ولا سيما للشباب، ومنح السوريين فرصة حقيقية للتعافي وبناء مستقبل كريم يليق بتضحياتهم.

* أنت عملت وضحيت وناضلت كي يقر القانون ثم طالبت بإلغائه... لماذا؟

- لقد ناضلنا وعملنا لسنوات طويلة، بالتعاون مع عدد من المنظمات الإنسانية والحقوقية في واشنطن، من أجل إقرار "قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين"، وقد أقر في نهاية 2019. وكان الهدف واضحا ومحددا. إدانة أجهزة نظام الأسد بارتكاب جرائم ضد الإنسانية بحق المعتقلين، وحماية الشعب السوري من بطش النظام الأسدي، وإنصاف الضحايا والمعتقلين.

الإبقاء على "قانون قيصر" في ظل هذا الواقع الجديد لن يخدم المواطن السوري، ولن يساهم في إعادة بناء البلاد أو تعافيها

كما سعى القانون إلى تجفيف منابع السلاح والدعم المقدَّم للنظام من حلفائه الروس والإيرانيين، الذين يُعدّون شركاء له في قتل وتهجير الشعب السوري، إضافة إلى عزل النظام سياسيا واقتصاديا، والضغط عليه للجلوس إلى طاولة المفاوضات مع المعارضة السورية بهدف التوصل إلى حل سياسي سلمي ينهي المأساة السورية.

لقد كان "قانون قيصر" وسيلة لتحقيق العدالة وممارسة الضغط السياسي على الأسد لتغيير سلوكه الإجرامي.

* واليوم؟

- اليوم، وبعد زوال نظام بشار الأسد المجرم، فإن الأسباب التي فُرضت من أجلها العقوبات قد زالت. وبالتالي، فإن الإبقاء على القانون في ظل هذا الواقع الجديد لن يخدم المواطن السوري، ولن يساهم في إعادة بناء البلاد أو تعافيها.

رويترز
فريد المذهان أو "قيصر" الذي يرتدي سترة زرقاء، يدلي بشهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأميركي، بواشنطن في 31 يوليو 2014

من هنا، فإن مطالبتنا بإلغاء "قانون قيصر" لا تُعدّ تناقضا مع الموقف السابق، بل هي امتداد طبيعي للهدف نفسه: خدمة وطننا العزيز وخدمة شعبنا السوري الذي يستحق أن يعيش بسلام، وتحقيق العدالة المنشودة وفتح الباب أمام التعافي وإعادة الإعمار، وبناء مستقبل يليق بتضحيات السوريين .

* لو عدنا بالذاكرة إلى مرحلة إصدار القانون قبل سنوات. ما أهم المراحل التي تتذكرها؟

- إذا عدنا بالذاكرة إلى مرحلة إصدار "قانون قيصر" قبل سنوات، تبرز أمامنا محطات مفصلية مهمة لا تُنسى.

بدأت القصة من داخل سوريا، حيث جرى جمع الصور والوثائق التي تُدين أجهزة الأمن السورية بارتكاب جرائم ضد الإنسانية بحق المعتقلين، وكشفت هذه المستندات والصور بشكل واضح لا لبس فيه أساليب التعذيب الوحشية التي مورست ضد الضحايا. والتي ظهرت من خلال "ملف قيصر".

لم يكن خروجي هروبا من خطر، ولا بحثا عن نجاة شخصية، بل كان واجبا دينيا وإنسانيا وأخلاقيا لا مجال للتراجع عنه

ثم جاءت المرحلة الثانية التي لا تقل خطرا، حين خاطرنا بأرواحنا لتهريب عشرات الآلاف من الصور إلى خارج البلاد بمساعدة صديقي سامي.

هذه الصور التي عُرفت لاحقا باسم "ملف قيصر"، التي شكّلت دليلا مباشرا وقاطعا على الفظائع التي ارتكبها النظام البائد بحق المعتقلين الأبرياء، والتي لا يمكن إنكارها أو الطعن في مصداقيتها.

* كيف جرى التأكد من صحتها؟

- في يناير/كانون الأول 2014، أصدر فريق من المحققين الدوليين في جرائم الحرب تقريرا يؤكد مصداقية "صور قيصر"، وضمت أكثر من 45 ألف صورة تعود لأكثر من 11 ألف جثة لضحايا التعذيب داخل المعتقلات والسجون الأسدية بين 2011 و2013 التي قمت بتهريبها من أرشيف قسم الأدلة القضائية. وجرى تحليل عيّنة من 5500 صورة لنحو 1300 جثة، وجدوا أن 42 في المئة من الجثث مصابة بالهزال الشديد نتيجة سياسة التجويع، بدت الكدمات على 20 في المئة منها بعضها ادى الى كسور، إضافة إلى تقرحات وحروق في منطقة القدمين وقصبة الساق.

سانا/أ.ف.ب
الرئيس السوري أحمد الشرع يلتقي بفريد المذهان، المعروف أيضاً باسم "قيصر"، في باريس، على هامش زيارته الرسمية في 7 مايو 2025

* تم التواصل مع منظمات وجمعيات حقوقية؟

- بعد ذلك بدأ العمل الجاد بالتواصل مع المنظمات الحقوقية والإنسانية في الولايات المتحدة، عن طريق ودعم الاستاذ معاذ مصطفى ومساعدة الأستاذ محمد علاء لكي أتمكن من الوصول إلى الكونغرس الأميركي برفقة الدكتور عماد الدين رشيد، للإدلاء بشهادتي الأولى أمام الكونغرس الأميركي للكشف عن هويتي والتحدث عن طبيعة عملي بقسم الأدلة القضائية بالشرطة العسكرية بدمشق، ولكشف وشرح حجم الجرائم المرتكبة التي شاهدتها بحق الشعب السوري، وخصوصا المعتقلين.

ثم أعقبت هذه المرحلة مراحل مهمة والتي امتدت لسنوات طويلة تم خلالها لقاءات وجلسات استماع وعروض مفصلة للصور والوثائق أمام أعضاء الكونغرس ومجلس الشيوخ الأميركي ووزارة الدفاع ووزارة الخارجية الأميركية، بهدف إقناع صناع القرار بضرورة التحرك لوقف آلة القمع والقتل الأسدية في سوريا.

ومع تثبيت الوقائع انطلقت مرحلة صياغة "قانون قيصر" على يد المشرعين الأميركيين المؤيدين والمتعاطفين مع القضية السورية، حيث جرى تحديد العقوبات المفروضة على النظام الأسدي البائد وحلفائه، لا سيما روسيا وإيران، مع التأكيد والحرص على أن تكون هذه العقوبات أداة ضغط سياسي واقتصادي على النظام الأسدي، لا على المواطنين السوريين، مع استثناء المواد الغذائية والطبية والإغاثية من قائمة العقوبات.

* وجرت جلسات بالكونغرس؟

- نعم، جاءت أخيرا لحظة القراءة النهائية في الكونغرس وإقرار القانون رسميا في ديسمبر/كانون الأول 2019، وهي لحظة حملت شعورا عميقا بالإنجاز والنصر، بعدما تحوّل جهد سنوات طويلة وتضحيات جسيمة إلى وثيقة إنسانية وحقوقية معترف بها دوليا.

وبعد الإقرار، انطلقت حملة توعية دولية لحث دول العالم الحر على الالتزام بالعقوبات وتوسيع دائرة الضغط على النظام البائد، بهدف دفعه إلى تغيير سلوكه الإجرامي وقبوله الحل السلمي الذي يحقن دماء السوريين. وكانت هذه المرحلة ضرورية لضمان أن لا يبقى "قانون قيصر" مجرد نص قانوني، بل أداة فعلية للضغط والمساءلة والتغيير.

* هل لك أن تروي مرة أخرى، أعرف أنك تحدثت كثيرا عن الأمر سابقا، لماذا قررت أن تخرج من سوريا كي تنقل الصور؟

- كان قرار خروجي من سوريا من أصعب القرارات التي اتخذتها في حياتي؛ أن أترك وطني وأغادره.

لم يكن خروجي هروبا من خطر، ولا بحثا عن نجاة شخصية، بل كان واجبا دينيا وإنسانيا وأخلاقيا لا مجال للتراجع عنه. فكل صورة، وكل شهادة، وكل جثة موثّقة، كانت تقول بوضوح: هذا ما فعله النظام الأسدي بنا في أقبية سجونه ومعتقلاته. بصمة الأسد كانت على كل صورة.

كنت أنظر إلى الصور بين يدي لساعات طويلة: وجوه مثقلة بالألم والقهر وأرقام بلا أسماء، أجساد أنهكها التعذيب الوحشي، وملامح منكسرة تقول بوضوح إن أصحابها لم يُقتلوا مرة واحدة، بل قُتلوا كل يوم ألف مرة

لو اخترت البقاء في الداخل، لما كان الخطر يهدد حياتي وحياة أهلي فقط، بل كان الخطر الأكبر أن تُطمس هذه الأدلة، وأن تختفي الحقائق عن أعين العالم، وأن تبقى الجرائم بلا شاهد ولا محاسبة. كنت أدرك أن خروجي يعني مواجهة المجهول والمجازفة بحياتي من أجل الحقيقة، لكن كان لدي يقين راسخ: يجب أن يعرف كل حرّ وشريف ما يجري في سوريا من ظلم وقمع وقتل، وأن تُنقل الحقيقة كما هي إلى العالم الذي يدّعي الدفاع عن الحرية والديمقراطية.

فكان لا بد من إخراج الصور، ومنح الضحايا صوتا لا يمكن تجاهله، وتقديم دليل لا يمكن إنكاره أمام المجتمع الدولي.

* هل كنت خائفا وقتذاك؟

- كل خطوة عبرتها خارج الحدود كانت مثقلة بالخوف والقلق، لكن هذا الخوف كان يتراجع أمام إحساسي العميق بالمسؤولية تجاه كل من تعرّض للتعذيب والسجن والقتل على يد النظام الأسدي المجرم.

فريد المذهان

غادرت سوريا وأنا أحمل جزءا منها معي، ليصبح الألم شهادة، وتتحول المعاناة إلى طريق نحو العدالة، حتى لا تذهب دماء الأبرياء سدى.

واليوم، حين أرى أثر تلك الصور في مسارات القانون الدولي والمحاسبة، وحين أرى وطنا يعيش في ظل حكومة وُلدت من رحم الثورة، أدرك أهمية ما عملناه على مدار سنوات، وأدرك أن تلك المخاطرة كانت ضرورية، وأن الخروج من الوطن لم يكن هروبا، بل رسالة وفاء ومحبة لشعبٍ يستحق أن يعيش بسلام وكرامة.

* ما اللحظة التي دفعتك إلى اتخاذ ذلك القرار؟

- كانت لحظة واحدة… لكنها كانت كافية لتغيّر كل شيء. لم تأتِ فجأة، بل جاءت نتيجة تراكم طويل من لحظات إنسانية لا تُحتمل. كنت أنظر إلى الصور بين يدي والتي أعمل عليها كل يوم لساعات طويلة: وجوه مثقلة بالألم والقهر وأرقام بلا أسماء، أجساد أنهكها التعذيب الوحشي، وملامح منكسرة تقول بوضوح إن أصحابها لم يُقتلوا مرة واحدة، بل قُتلوا كل يوم ألف مرة.

فرض القانون عقوبات اقتصادية مباشرة على النظام الأسدي وحلفائه، ما قلّص قدرته على إدارة الموارد وأضعف بنيته الإدارية والأمنية والعسكرية

في تلك اللحظة أدركت أن الخطر لم يعد في أن أبقى أو أغادر، بل في أن تبقى هذه الحقيقة حبيسة الجدران والخزائن.

كانت اللحظة الحاسمة حين سألت نفسي بصدق: ماذا لو تمت تصفيتي وتصفية كل من يعمل معي على هذا الملف الإنساني؟ ماذا لو ضاعت هذه الصور ولم يرها أحد؟ ماذا لو صمت العالم لأن الدليل لم يصل؟ عندها فهمت أن البقاء لم يعد خيارا أخلاقيا.

صار الخوف على حياتي أصغر من الخوف على الحقيقة نفسها.

وأدركت أن دوري لم يعد داخل سوريا فحسب، بل خارجها، حيث يمكن لهذه الصور أن تتحول من ألمٍ صامت إلى شهادة تهزّ الضمير العالمي، وربما تُسهم في تغيير الواقع المؤلم للمعتقلين الأبرياء.

كان الانشقاق والخروج هو الطريق الوحيد كي لا يُدفن الضحايا مرتين: مرة تحت التراب، ومرة في النسيان.

أ.ف.ب
خلال الاستماع إلى شهادة "قيصر" أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، في 31 يوليو 2014 في واشنطن

* يعتقد كثيرون أن "قانون قيصر" كان أحد أسباب سقوط نظام الأسد. هل توافق على هذا الرأي؟ كيف ذلك؟

- بالفعل، يُعدّ "قانون قيصر لحماية المدنيين" أحد الأسباب المهمة التي ساهمت في إضعاف نظام الأسد المجرم، إلى جانب تراكم ضغوط سياسية واقتصادية وعسكرية وشعبية.

فرض القانون عقوبات اقتصادية مباشرة على النظام الأسدي وحلفائه، ما قلّص قدرته على إدارة الموارد وأضعف بنيته الإدارية والأمنية والعسكرية، وأرسل رسالة واضحة للمجتمع الدولي بأن الجرائم المرتكبة بحق الشعب السوري لن تمر دون مساءلة وعقاب، مما زاد من عزلة النظام البائد وقلّص هامش حركته السياسية والدبلوماسية والاقتصادية.

بين عامي 1989 و2000 عملتُ كممرض عسكري في مستوصف سجن المزة العسكري. كنت على تواصل مباشر مع المعتقلين، أستمع إلى شكاواهم الصحية، وأقدّم لهم ما يتوفر من علاج

كما منح القانون صوتا دوليا للضحايا مما سهّل تبني دول أخرى مواقف مماثلة، مضاعفا بذلك الضغوط المفروضة عليه، وأعاد للشعب السوري بعض الأمل بأن العالم بات يدرك حقيقة ما يجري في سوريا، وأن شرعية النظام الأسدي قد سقطت تماما، وأنه لم يعد فوق المساءلة والمحاسبة.

خلاصة القول إن "قانون قيصر" ساهم في إضعاف أسس النظام الاقتصادية والسياسية، وجعله أكثر هشاشة أمام عوامل الانهيار الأخرى، التي تكاملت في النهاية وأسهمت في سقوطه المدوي والمذل على أيدي أحرار سوريا الأبطال.

* مع الوضع الجديد في سوريا والحكومة الجديدة، كيف ترى مستقبل البلاد سياسيا واقتصاديا؟

يمرّ الوطن اليوم بمرحلة مفصلية تمثل فرصة تاريخية للتغيير وإعادة البناء على أسس صحيحة. فزوال النظام البائد يتيح للشعب استعادة مؤسساته وحقوقه، ويمنح الدولة فرصة حقيقية لتأسيس مرحلة جديدة تقوم على العدالة والشفافية وصون حقوق المواطنين.

إن نجاح هذه المرحلة يتطلب إرادة جادة، إلى جانب آليات واضحة للمساءلة والمحاسبة، لضمان عدم تكرار أخطاء الماضي لبناء وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع.

أما على الصعيد الاقتصادي، فتُعدّ عودة الاستثمارات العربية والأجنبية ركيزة أساسية لتحريك عجلة الإنتاج، وتنشيط الاقتصاد، وتخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين. ورغم التحديات القائمة، فإن الإدارة الحكيمة والعمل الجاد من قبل الحكومة، إلى جانب تضافر جهود الشعب، كفيلان بتحويل هذه المرحلة إلى نقطة انطلاق حقيقية نحو مستقبل أكثر استقرارا وازدهارا، تُقدَّم فيه مصلحة الوطن على كل اعتبار.

* قبل اندلاع الثورة في 2011 اشتغلت لأكثر من عشر سنوات في سجن المزة العسكري. من أهم الشخصيات السياسية الذين التقيت بهم؟ 

- بين عامي 1989 و2000 عملتُ كممرض عسكري في مستوصف سجن المزة العسكري التابع للشرطة العسكرية، كانت من أكثر المراحل تأثيرا في حياتي . وبحكم عملي كنت على تواصل مباشر مع المعتقلين، أستمع إلى شكاواهم الصحية، وأدوّن حالاتهم، وأقدّم لهم ما يتوفر من علاج.

فمن خلال تعرفي عليهم اطلعت على حجم المعاناة الجسدية والنفسية التي عاشوها داخل السجن ، وعن صبرهم وصمودهم رغم قسوة الظروف وطول سنوات الاعتقال.

*من هم أبرز الشخصيات؟

  -خلال تلك الفترة التقيتُ بعددٍ من المعتقلين السياسيين والقياديين الذين  اعتقلوا بعد الإنقلاب العسكري الذي قاده المجرم حافظ الأسد عام 1970. وكان من بينهم الرئيس السوري الأسبق نور الدين الأتاسي، وصلاح جديد الذي تقلد مناصب  عسكرية وحزبية كبيرة، ووزير الداخلية  محمد عيد عشاوي، ومحمد رباح الطويل، ورئيس الأركان أحمد سويداني، إضافة إلى عدد من أعضاء القيادتين القطرية والقومية.

كما التقيت أيضا بمعارضين سياسيين جرى اعتقالهم في مراحل لاحقة، عُرفوا  بمواقفهم العلنية والحادّة في معارضة سياسات حافظ الأسد الإستبدادية. وكانت تلك السنوات بالنسبة لي تجربة إنسانية عميقة، جعلتني أواجه التاريخ من خلال وجوه حيّة تختزن الألم والقهر و الإرادة الصلبة التي تمسكوا بها في وجه القمع الوحشي الذي انتهجه نظام حافظ الأسد الديكتاتوري ضد معارضيه السياسيين.

font change

مقالات ذات صلة