بعد أربعين يوماً من القتال، توصّلت إيران والولايات المتحدة إلى اتفاق على وقف لإطلاق النار لأسبوعين. بيد أن الفجوة العميقة التي لا تزال تفصل بين الطرفين تجعل من هذا الوقف أرضاً هشّة؛ فهو أقرب إلى هدنة لاستعادة الأنفاس منه إلى تسوية ذات جوهر، لا تمنح الطرفين سوى فسحة قصيرة قبل أن تُستأنف المواجهة.
وعلى الرغم من أن الجولة التفاوضية التي رعتها باكستان لإحدى وعشرين ساعة أُسدل عليها الستار دون اتفاق- وهو ما لم يفاجئ أحداً- ومغادرة نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس إسلام آباد معلناً أن واشنطن قدّمت "عرضها الأخير والأفضل"، فإن هذا المسار أتاح لباكستان أن تخرج برصيد دبلوماسي لا يُستهان به.
وفي المقابل، يبدو أن ثمة مبالغة في نسب الفضل إلى الصين، سواء من جانب ترمب أو باكستان. فالحديث عن اتصال صيني حاسم أقنع طهران بالقبول بوقف إطلاق النار ينطوي على تضخيم واضح للدور الصيني. صحيح أن بكين تُرحّب بالاستقرار في المنطقة، لكنها لا تبدي استعداداً حقيقياً لترجمة ذلك إلى التزامات ملموسة.
وقد لجأ السفير الإيراني لدى الصين عبد الرضا رحماني فضلي مراراً إلى المطالبة بتحرّك مشترك تقوده بكين وموسكو ومجلس الأمن والقوى الإقليمية لصون السلام. غير أن المتحدثة باسم الخارجية الصينية ماو نينغ كانت تتحاشى في كل مرة الإجابة المباشرة.
وقد أطلق ترمب تحذيرات للصين من عواقب وخيمة إن هي أقدمت على تسليح إيران، مهدداً بفرض رسوم جمركية بنسبة 50 في المئة على البضائع الصينية. غير أن هذا الاتهام يفتقر إلى ما يدعمه. فالافتراض بأن بكين قد تنحاز إلى طرف في نزاع خارجي يكشف أيضاً عن إساءة فهم لطبيعة التنافس الصيني-الأميركي، فضلاً عما بات واضحاً من شُح الخبرات المتخصصة في الشأن الصيني داخل إدارة ترمب وتراجع مستواها.
وعلى الرغم من أن الطائرات المسيّرة والصواريخ تُشكّل العمود الفقري للمنظومة الدفاعية الإيرانية، وأن الصين تتمتع بتفوق تقني ملموس في هذين المجالين، فإن بكين أحجمت عن نقل أي تكنولوجيا ذات صلة إلى طهران. ومع تآكل الأوراق الإيرانية وضيق هامش المناورة أمام طهران، تحوّلت إلى استهداف البنية التحتية المدنية في دول الجوار العربي بصورة ممنهجة، في ما يبدو أنه رهان على تعطيل إمدادات الطاقة العالمية وإرغام المجتمع الدولي على التدخل لإيقاف الحرب.
وهذا المسار يضع بكين في موقف بالغ الحرج. فهذه الهجمات تنسف سنوات من العمل الدبلوماسي الصيني الصبور الذي رمى إلى إعادة بناء جسور العلاقة بين إيران ومحيطها العربي، كما تمسّ مصالح اقتصادية صينية راسخة في تلك الدول، يتمركز ثقلها في قطاع الطاقة.
