في تاريخ الدول، لا تأتي اللحظات الفاصلة دائما على هيئة انتصارات صاخبة أو أزمات معلنة، بل قد تحضر على شكل تباطؤ صامت، أو في صورة أرقام تتحرك ببطء، أو تتلبس في شعور عام بأن الأمور لم تتقدم بالسرعة التي كان الناس يأملونها، وهذه اللحظات لا تعني بالضرورة الفشل، لكنها تعني أن الدولة دخلت مرحلة جديدة، مرحلة يصبح فيها الزمن نفسه عاملا في السياسة، لا مجرد إطار للأحداث.
وهكذا يمكن قراءة استطلاع الرأي العام الذي صدر بعد عام ونصف العام على تشكيل الحكومة الأردنية الحالية، لأن الاستطلاع في ظاهره مجموعة أرقام عن الثقة وتقييم الأداء، لكنه في جوهره انعكاس لمرحلة استثنائية مرت بها الدولة، مرحلة لم تُختبر فيها هذه الحكومة في ظروف عادية، بل في بيئة إقليمية مضطربة، وفي سياق حرب مفتوحة على احتمالات غير محسوبة النتائج، وفي اقتصاد عالمي يعاني من ارتدادات الصراع.
القراءة السريعة للأرقام قد توحي بتراجع في المزاج العام، وربما بتباطؤ في التفاؤل، لكن القراءة السياسية الأعمق تكشف صورة أكثر توازنا، لأن الأرقام نفسها تقول إن الثقة لم تتعرض للانهيار، بل تغيّر معيارها. فبعد عام ونصف العام على تشكيل هذه الحكومة برئاسة الدكتور جعفر حسان، ما زال نحو ثلثي الأردنيين تقريبا يعتقدون أنها قادرة على تحمل مسؤوليات المرحلة، وما زال مستوى الثقة برئيس الوزراء أعلى من مستوى الثقة بالفريق الوزاري، وهو نمط يتكرر في معظم الحكومات، ويعكس طبيعة التقييم الشعبي الذي يحمّل رئيس الفريق التنفيذي المسؤولية المباشرة، لكنه لا يذهب إلى حد سحب الثقة منه.

