"شيعة العراق"... العسكر والعسكرة

يخالف المسار والنموذج الذي يُقدمه "الفضاء الشيعي" العراقي تلك القاعدة المنطقية

"شيعة العراق"... العسكر والعسكرة

استمع إلى المقال دقيقة

يُقدم "المحفل السياسي" الشيعي في العراق نموذجاً استثنائياً عن علاقة المجتمعات ونُخبها السياسية بالتنظيمات المسلحة، بشكل يختلف تماماً عما جرى عليه العرف في ذاك السياق. فالمجتمعات الأهلية/ السياسية التي تشكل الغالبية السكانية وتستحوذ على أدوات الهيمنة السياسية والاقتصادية والرمزية، عادة ما تنجذب للجيوش النظامية، لأنها تصبح أداتها للإمساك بالدولة وفرض هويتها وإرادتها العامة على باقي المكونات. فيما تميل الجماعات الأهلية الأقل عدداً والأكثر هامشية نحو التنظيمات المسلحة من خارج الدولة، وغالباً الخارجة عليها، التي عادة ما تكون على شكل ميليشيات عقائدية ومناطقية، متمردة ورافضة لهيمنة أجهزة ومؤسسات وسياسات واستراتيجية الدولة، التي تراها أدوات لإرادة الأغلبية السكانية وسطوتها السياسية على الفضاء العام.

منذ قرابة ربع قرن، يخالف المسار والنموذج الذي يُقدمه "الفضاء الشيعي" العراقي تلك القاعدة المنطقية. إذ وفي وقت كان وما يزال الجيش العراقي قابلاً لأن يُهيمَن عليه تنظيمياً وعقائدياً ورمزياً من قِبل هذه الجهة، وهو كذلك بحكم الوقائع ولعبة التحاصص العراقية، وأن تكون تلك الهيمنة أداة "الفضاء الشيعي" للاستحكام بعصب الدولة العراقية، تجده منجرفا باستماتة نحو تشكيل تنظيمات مسلحة من خارج مؤسسات الدولة وخارجة عليها، تنظيمياً وسياسياً وعقائدياً.

يكاد هذا النموذج في علم الاجتماع السياسي العراقي أن يكون معاكساً تماماً لما قامت عليه تجربة موارنة لبنان خلال تاريخهم الحديث، بالذات بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، الذين وصفهم الكاتب اللبناني حازم صاغية في واحدة من مقالاته بكونهم جماعة أهلية "تحبذ العسكر/ الجيش" بقوة، لأنهم يعتبرون الجيش أداة الدولة لحفظ حقوقهم ومكانتهم في الكل اللبناني، لكنهم أيضاً جماعة "نابذة للعسكرة"، سواء كانت على شكل ميليشيا أو سطوة عسكرية، لأنها تمس مجموع الحريات العامة والسلوكيات المدنية والحقوق السياسية التي شيدوا حسبها تجربتهم في الدولة اللبنانية، رغم أقليتهم الديموغرافية.

استثنائية نموذج "الشيعة العراقيين" في علاقتهم الغريبة مع ثنائية العسكر/ الجيش والعسكرة/ الميليشيات تتأتى من ثلاث بنى يُشيدونها بشكل مكثف ويومي في الحياة العامة العراقية منذ ربع قرن وحتى الآن، هي بالضبط سلوكيات ونوازع الجماعات الأقلوية المتمردة على الدولة، لا أفعال التنظيمات السياسية والأيديولوجية المعبرة عن الجماعات الأهلية الغالبة، كما هُم شيعة العراق.

التشكيلات الأهلية التي تشغل مكانة "الأكثرية السكانية" عادة ما تنزاح لأكبر قدر من التجريد الفوقي في خطابها "العسكري" وعلاقتها مع الجماعات الأخرى "الأقلوية"

إذ ثمة فائض في خلق وتثوير وعسكرة سائلة ومستدامة في كل البُنى والممارسات المجتمعية، وعبر كل الأدوات المادية والثقافية والرمزية والإعلامية، في سلوك يبدو وكأنه محاولة لخلق استعداد مستدام لدى هذه البنى، لتكون جاهزة لخوض الحروب المفتوحة وتقديم سيل من القرابين. فعسكرة الفضاء المجتمعي وهياكل الفعل العام بالنسبة لهم هو شيء من التمارين اليومية، التي تجهز المجتمع لمبارزة وجودية مفترضة، رغم كل أدوات الأمان التي بحوزة هذه الجماعات، من أغلبية ديموغرافية وهيمنة سياسية وسطوة مفتوحة على الحكومة والجيش وأجهزة الأمن كلها، ومع غياب كامل لأي صراع مسلح مع أية دولة أخرى. 
التفصيل الثاني يتعلق بالمستوى المريع من التناقض بين الانخراط والهيمنة على مؤسسات الدولة، بالذات الجيش والأجهزة الأمنية والحكومة، وبين النبذ والاستهزاء و"التحقير" الذي تمارسه ضد هذه المؤسسات نفسها. ففي المستوى الأول ثمة تصالح "شكلي" مع الحكومة والجيش، كونهما من مصادر تسليح قوى "الفضاء الشيعي" ورواتبه وأدوات التغطية على عدم شرعيته، لكنها في الآن عينه تُظهر جموحاً في تعرية تلك المؤسسات من مكانتها وجدارتها وحتى شرعيتها، في سلوك لا يُمكن العثور عليه إلا لدى الجماعات الأهلية الأقلوية المتعرضة لنكران ومحق مستدام من قِبل الدولة، كما أكراد تركيا مثلاً. 
 البُعد الأخير يرتبط بعلاقة هذه "الجماعة الشيعية" بباقي المكونات الأهلية العراقية عسكرياً. فالتشكيلات الأهلية التي تشغل مكانة "الأكثرية السكانية" عادة ما تنزاح لأكبر قدر من التجريد الفوقي في خطابها "العسكري" وعلاقتها مع الجماعات الأخرى "الأقلوية"، مستخدمة أدوات وتعابير مثل الحقوق المدنية والمساواة في المواطنة والمصير المشترك، للتغطية على سيطرتها الموضوعية على الحياة العامة وبنى الأجهزة الأمنية وعقيدة الجيش وتنظيماته، وبغية عدم دفع الجماعات الأخرى نحو تشكيل رؤى وأيديولوجيات وتنظيمات وحتى ميليشيات خارج المؤسسات والأجهزة المُسيطر عليها من قِبل تلك الجماعة الغالبة. لكن الحالة العراقية تُقدم نموذجاً مبايناً لذلك تماماً، إذ لا تترك حالة العسكرة "الشيعية" منفذاً أو مناسبة إلا وتعبر عن هويتها الفرعية وتمركزها حول سرديتها التاريخية وخصوصيتها الثقافية والرمزية والمناطقية ضمن الكل العراقي، دون أي انتباه لما قد يفعله ذلك بالمكونات الأهلية الأخرى في البلاد. 
مجموع تلك الممارسات والاستراتيجيات المتراكمة على أرض الوقائع العراقية، منذ ربع قرن وحتى الآن، ومدى ما فيها من تناقض، تقول أشياء كثيرة، على رأسها شدة فاعلية العامل والهيمنة الخارجية في خلق هذا التناقض الفادح، بين الوله بالعسكرة ونبذ كل عسكري شرعي. والحديث دوماً عن "الشيعية السياسية" في العراق، وليس عن الشيعة العراقيين كجماعة أهلية أو مُعتقد ديني.

font change