الروبوتات.. سلاح أوكرانيا الجديد

لا تخاف ولا تعرف التعب

 Grace Russell
Grace Russell

الروبوتات.. سلاح أوكرانيا الجديد

في سابقة تعكس كيف تغيرت طبيعة الحروب في عصر التكنولوجيا، بدأت أوكرانيا تعتمد بشكل متزايد على الروبوتات والآلات الذكية لتنفيذ مهام قتالية بدلا من الجنود. هذا التحول لم يعد مجرد فكرة من أفلام الخيال العلمي، بل واقع يحدث الآن على الأرض، حيث تدخل الآلات إلى أخطر مناطق القتال، وتنفذ عمليات كانت حتى وقت قريب حكرا على البشر، في محاولة لحماية الأرواح وتحقيق تفوق عسكري بوسائل غير تقليدية.

لم يعد الحديث عن الروبوتات العسكرية في أوكرانيا مجرد هامش في تغطية الحرب، بل تحول إلى مؤشر واضح الى مرحلة جديدة تسعى كييف من خلالها إلى إعادة صوغ مفهوم القتال ذاته. هذا التوجه عبر عنه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي عندما أعلن عبر منصة "إكس" أن قوات بلاده نجحت، وفق روايته، في السيطرة على موقع معاد باستخدام أنظمة أرضية غير مأهولة وطائرات مسيرة فقط، دون إشراك قوات المشاة ودون تكبد أي خسائر بشرية.

لم يقدم زيلينسكي هذا الحدث كإنجاز تكتيكي محدود، بل سعى إلى توسيع دلالته، معتبرا أن "المستقبل أصبح حاضرا بالفعل على خطوط المواجهة" وأن أوكرانيا تساهم في صناعته. وفي الإطار نفسه، أشار إلى أن منظومات مثل "راتيل"، و"ترميت"، و"أردال"، و"لينكس"، و"زميي"، و"بروتيكتور"، و"فوليا"، نفذت أكثر من 22 ألف مهمة خلال ثلاثة أشهر فقط. الرسالة هنا لم تكن تقنية فحسب، بل حملت بعدا سياسيا واضحا، مفاده أن أوكرانيا لا تكتفي بالتكيف مع ظروف الحرب، بل تسعى إلى تقديم نموذج جديد قائم على القتال غير المأهول.

عناصر حاسمة

تدفع أوكرانيا بالروبوتات والأنظمة غير المأهولة إلى قلب ساحة القتال، في محاولة لتقليل الخسائر البشرية وتعويض الفارق العددي مع القوات الروسية. لم يعد الجنود وحدهم من يقتحمون المواقع أو يواجهون الخطر المباشر، بل أصبحت الآلات — التي تدار من بعد — جزءا أساسيا من العمليات العسكرية اليومية، في تطور يصفه خبراء بأنه قد يرسم ملامح "حروب المستقبل".

حين يشير زيلنسكي إلى هذه المنظومات، فهو لا يتحدث عن سلاح واحد بعينه، بل عن منظومة متكاملة من الروبوتات الأرضية غير المأهولة التي تؤدي أدوارا متعددة على خط الجبهة

تمثلت إحدى أبرز هذه اللحظات في عملية ميدانية استسلم خلالها جنود روس لروبوتات أرضية وطائرات مسيرة أوكرانية، دون وجود أي جندي بشري في موقع الاشتباك. العملية، التي نفذت بواسطة وحدة NC13 التابعة للواء الهجوم الثالث، اعتبرت سابقة لافتة، إذ تمت خلالها السيطرة على موقع عسكري وأسر جنود دون إطلاق رصاصة واحدة. ورغم صعوبة التحقق من كونها الأولى من نوعها عالميا، فإنها تعكس مدى التقدم الذي وصلت إليه أوكرانيا في دمج التكنولوجيا بالعمليات القتالية.

منذ بداية الحرب، فرضت الطائرات المسيرة نفسها كعنصر حاسم في المعركة، حيث أصبحت سماء الجبهة مكتظة بها، مما جعل تحرك الجنود على الأرض أكثر خطورة من أي وقت مضى. هذا الواقع دفع الجيش الأوكراني إلى تطوير واستخدام الروبوتات الأرضية، وهي مركبات تعمل بالعجلات أو الجنزير ويتم التحكم بها من بعد. في البداية، اقتصر استخدامها على إخلاء الجرحى ونقل الإمدادات، لكن دورها تطور سريعا ليشمل تنفيذ هجمات مباشرة ومهام استطلاع متقدمة.

REUTERS
جندي من كتيبة "Alter Ego" للأنظمة الروبوتية الأرضية، التابعة للواء "خولودني يار" الآلي المنفصل الثالث والتسعين في القوات المسلحة الأوكرانية، يجري اختبارا لمركبة غير مأهولة محملة الذخائر تمهيدا لمهمة إيصالها إلى خطوط المواجهة

تتميز هذه الروبوتات بقدرتها على العمل في ظروف صعبة لا تتحملها المركبات التقليدية، كما أنها أصعب في الرصد والاستهداف مقارنة بالآليات الكبيرة. إضافة إلى ذلك، يمكنها حمل تجهيزات قتالية ثقيلة والعمل لفترات أطول بفضل عمر بطارياتها الممتد. وفي إحدى الحالات اللافتة، تمكن روبوت أرضي مزود رشاشا من صد تقدم روسي لمدة 45 يوما، مع الحاجة فقط إلى صيانة خفيفة وشحن دوري.

روبوتات مخصصة

حين يشير زيلنسكي إلى هذه المنظومات، فهو لا يتحدث عن سلاح واحد بعينه، بل عن منظومة متكاملة من الروبوتات الأرضية غير المأهولة التي تؤدي أدوارا متعددة على خط الجبهة. فبعضها مخصص للإمداد وإخلاء الجرحى، وأخرى تستخدم في الاستطلاع أو تحمل تجهيزات قتالية، بينما يمكن تكييف عدد منها وفقا لطبيعة المهمة. وهنا تكمن أهميتها الحقيقية، ليس فقط في قدرات كل منصة بشكل منفصل، بل في محاولة أوكرانيا بناء "طبقة أرضية" غير مأهولة، تكمل الدور الذي تؤديه الطائرات المسيرة في السماء.

تعد منصة "راتيل" من أكثر الأنظمة مرونة وقربا من خطوط الاشتباك. فقد ارتبطت بعض نسخها بمهام نقل الذخائر وإخلاء المصابين، فيما تشير تقارير أخرى إلى إمكان استخدامها كمنصة تحمل شحنات تفجيرية أو كنقطة إطلاق متحركة للطائرات المسيرة. القيمة الميدانية لهذه المنصة تتمثل في تقليل المخاطر التي يتعرض لها الجنود، خاصة في اللحظات الأولى من الاقتراب من المواقع المعادية أو أثناء تنفيذ المهام العالية الخطورة.

هذه القدرة لا تعني الاستغناء عن المشاة، إذ تبقى السيطرة على الأرض وإدارة القتال تحت النيران مجالات يصعب فيها استبدال الإنسان بالكامل

في المقابل، يبدو "ترميت" أكثر وضوحا من حيث تعدد وظائفه، إذ يمثل منصة مجنزرة قادرة على أداء مهام الإمداد، والاستطلاع، والإخلاء الطبي، وحتى زرع الألغام ونقل المعدات. هذا التنوع يجعله أشبه بعنصر دعم لوجستي روبوتي على الجبهة، يتيح للوحدات القتالية التحرك والعمل بكفاءة أعلى دون الحاجة إلى تعريض الأفراد للخطر في كل مرة تحتاج فيها إلى الإمدادات أو إخلاء المصابين.

أما "أردال" فيرتبط بشكل أساس بمهام الإنقاذ والإخلاء الطبي، وهو دور قد يبدو أقل صخبا مقارنة بالأنظمة الهجومية، لكنه يحمل أهمية حيوية في واقع القتال الحالي. فإخلاء الجرحى أصبح من أخطر مراحل العمليات العسكرية، ووجود روبوت قادر على دخول مناطق مكشوفة وسحب المصابين بدلا من إرسال فرق بشرية يمكن أن يحدث فرقا ملموسا في تقليل الخسائر البشرية.

أما "لينكس" أو "ريز ماكس" فينتمي أيضا إلى فئة المنصات المتعددة المهام، حيث يمكن توظيفه في النقل أو إخلاء المصابين، مع قابلية واضحة للتكيف وفق احتياجات الجبهة. هذه المرونة ليست تفصيلا تقنيا عابرا، بل تعكس جوهر المقاربة الأوكرانية، التي لا تقوم على تخصيص منصة لكل مهمة، بل على تطوير أنظمة يمكن إعادة توظيفها بسرعة بحسب تطورات المعركة وضغوطها.

وبالنسبة لمنظومة "زميي" فهي تمثل نموذجا مزدوج الاستخدام. إذ تتوافر منها نسخة لوجستية منخفضة البصمة الصوتية، مخصصة للنقل والإخلاء، إلى جانب نسخة قتالية أكثر تطورا مثل "زميي درويد 12.7" وهي منصة تجمع بين الاستطلاع والقدرة النيرانية عبر تزويدها رشاشا ثقيلا. هذا التنوع يعكس توجها واضحا لدى أوكرانيا نحو امتلاك روبوتات لا تقتصر على الدعم، بل تمتد لتشمل أدوارا قتالية مباشرة في بيئات عالية الخطورة.

ينطلق البعد العسكري لهذه الروبوتات من ساحة القتال، وتسعى أوكرانيا إلى توسيعه ليصبح أداة نفوذ تتجاوز الجبهة

في المقابل، يأتي "بروتيكتور" ضمن الفئة الثقيلة من هذه الأنظمة، حيث تتسع مهامه لتشمل نقل الذخيرة والمعدات، وإخلاء الجرحى، إضافة إلى العمل كمنصة لمعدات الحرب الإلكترونية والاستطلاع، بل وحتى كنقطة تثبيت لأنظمة سلاح روبوتية. هنا تتطور فكرة الروبوت من مجرد مركبة صغيرة تعمل قرب الخطوط الأمامية، إلى وحدة دعم غير مأهولة قادرة على تحمل جزء معتبر من العبئين اللوجستي والقتالي.

AFP
جنود أوكرانيون يختبرون أنظمة روبوتية قتالية برية في ميدان للتدريب بمنطقة زابوريجيا، وسط الغزو الروسي لأوكرانيا

أما "فوليا" فلا تزال المعلومات المتاحة عنها محدودة نسبيا في المصادر المفتوحة مقارنة بغيرها من المنظومات، لكن إدراجها ضمن القائمة التي أعلنها الرئيس الأوكراني يشير إلى أنها جزء من المنظومة الأوسع التي تراهن عليها كييف. وفي هذا السياق، يبقى من الضروري التمييز بين ما هو مؤكد رسميا وما لا يزال في نطاق المعلومات الجزئية أو غير المكتملة.

تحول مؤسسي

لكن هل يعني ذلك أن أوكرانيا حققت اختراقا استراتيجيا كاملا؟ الأدق أنها حققت تقدما مهما، لكنه يظل في الإطار التكتيكي والتشغيلي أكثر من كونه تحولا شاملا في مسار الحرب. فتنفيذ أكثر من 22 ألف مهمة خلال ثلاثة أشهر، إلى جانب أول عملية سيطرة على موقع باستخدام روبوتات وطائرات مسيرة فقط، يؤكد أن هذه الأنظمة تجاوزت مرحلة التجربة وأصبحت جزءا من القتال اليومي.

لكن هذه القدرة لا تعني الاستغناء عن المشاة، إذ تبقى السيطرة على الأرض وإدارة القتال تحت النيران مجالات يصعب فيها استبدال الإنسان بالكامل.

الأهم هو التحول المؤسسي داخل الجيش. فقد أعلنت وزارة الدفاع الأوكرانية خططا للتعاقد على 25 ألف روبوت أرضي في النصف الأول من 2026، وهو ما يتجاوز إجمالي تعاقدات 2025. هذا الرقم يعكس انتقال كييف من التعامل مع الروبوتات كنجاح إعلامي إلى اعتبارها قدرة عملياتية أساسية، خاصة مع تزايد خطورة الحركة على الجبهة بسبب الاستطلاع المكثف والطائرات الانتحارية والمدفعية الدقيقة.

هذه المؤشرات لا تعني فقط رغبة كييف في بيع السلاح، بل تعكس سعيها لتسويق "خبرة الحرب" نفسها بعد تحويلها إلى نموذج صناعي متكامل وشراكات استراتيجية طويلة المدى

تتحول الروبوتات إلى وسيلة لتقليل الخسائر وتسريع الإمداد وإخلاء الجرحى وتنفيذ المهام الخطرة. لذلك، لا تكمن قيمتها في حسم المعركة مباشرة، بل في إعادة تشكيل منطق الاستنزاف، عبر خفض تكلفة العمليات الأخطر وإطالة قدرة القوات على الصمود. وهذا ما يفسر التوسع في استخدامها، ليس لأنها حققت نصرا نهائيا، بل لأنها أثبتت جدواها بما يكفي لتصبح جزءا من بنية الحرب الحديثة.

إذا كان البعد العسكري لهذه الروبوتات ينطلق من ساحة القتال، فإن أوكرانيا تسعى اليوم إلى توسيعه ليصبح أداة نفوذ تتجاوز الجبهة. فهي لم تعد تقدم هذه التكنولوجيا كاستجابة اضطرارية للحرب، بل كخبرة قتالية قابلة للتصدير، وشراكة أمنية يمكن البناء عليها، وصناعة دفاعية تحمل أبعادا سياسية واقتصادية.

خبرة الحرب

هذا التوجه ظهر بوضوح في تصريحات الرئيس الأوكراني، الذي تحدث عن اتفاقات طويلة الأمد مع دول مثل السعودية والإمارات وقطر، إضافة إلى اهتمام من دول عدة في الشرق الأوسط. كما أشار إلى مشاريع مشتركة تشمل إنتاج الطائرات المسيرة، وإنشاء خطوط تصنيع داخل أوكرانيا وخارجها، إلى جانب تعاون أوروبي مع دول مثل ألمانيا وإيطاليا والنروج والسويد وهولندا، وتوقع توسيع الشراكات لتشمل بريطانيا وفرنسا.

هذه المؤشرات لا تعني فقط رغبة كييف في بيع السلاح، بل تعكس سعيها لتسويق "خبرة الحرب" نفسها بعد تحويلها إلى نموذج صناعي متكامل وشراكات استراتيجية طويلة المدى. فالأمر هنا يتعلق بإعادة تموضع أوكرانيا من دولة تعتمد على الدعم الخارجي إلى دولة تقدم حلولا أمنية وتكنولوجية يحتاجها الآخرون.

ويعود هذا التحول إلى طبيعة الحرب ذاتها، التي منحت أوكرانيا خبرة ميدانية مكثفة يصعب تكرارها في بيئات أخرى، خاصة في مواجهة الطائرات المسيرة والهجمات المركبة والقتال تحت مراقبة مستمرة. لذلك، لا تكمن قيمة التجربة الأوكرانية في تطوير منصات بعينها فقط، بل في تراكم معرفة عملية يمكن تحويلها إلى صناعة دفاعية وشبكة تعاون دولي واسعة.

من هذه الزاوية يمكن فهم البعد المتعلق بكل من الولايات المتحدة وروسيا. فواشنطن لا تبدو قلقة من أوكرانيا بقدر ما تراقب ما تنتجه الحرب هناك من دروس عملية. إذ إن مبادرة "ريبلكاتور" التي أطلقتها الولايات المتحدة الأميركية تقوم أساسا على نشر أعداد كبيرة من الأنظمة غير المأهولة المنخفضة التكلفة لبناء قوة أكثر مرونة، وقد توسعت لاحقا لتشمل مواجهة الطائرات المسيرة الصغيرة. لذلك تنظر الولايات المتحدة إلى التجربة الأوكرانية باعتبارها مختبرا ميدانيا يعزز مسارا كانت قد بدأت فيه بالفعل.

AFP
جندي أوكراني من اللواء الآلي المنفصل الثلاثين يعد مركبة أرضية روبوتية غير مأهولة، مسلحة بقاذفة قنابل من طراز Mk 19، تمهيدا لاختبارها في موقع غير معلن في منطقة دونيتسك

أما بالنسبة لروسيا، فالصورة أكثر تعقيدا، لأن ترسيخ هذا النموذج يمنح أوكرانيا وسيلة لتقليل تأثير الفارق البشري، ورفع تكلفة الاستنزاف على موسكو، وتعزيز قدرتها على الاستمرار في حرب طويلة.

والآن، يبدو أن أوكرانيا لا تسعى إلى أن تعرف فقط كساحة قتال، بل كمختبر ومنتج وشريك في تشكيل الجيل الجديد من الحروب غير المأهولة. حتى إن لم تصل هذه الروبوتات إلى مرحلة الحسم، فإنها تكشف تحولا مهما، فلم تعد الحرب صراعا على الأرض فقط، بل أيضا على القدرة على تحويل ضغط الميدان إلى نموذج عسكري وصناعي جديد.

font change

مقالات ذات صلة