معرض باريسي يستذكر أنماط الرقيق في حوض المتوسطhttps://www.majalla.com/node/330725/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D9%88%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9/%D9%85%D8%B9%D8%B1%D8%B6-%D8%A8%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%B3%D9%8A-%D9%8A%D8%B3%D8%AA%D8%B0%D9%83%D8%B1-%D8%A3%D9%86%D9%85%D8%A7%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%82%D9%8A%D9%82-%D9%81%D9%8A-%D8%AD%D9%88%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D9%88%D8%B3%D8%B7
بينت معظم المراجع والمعارض التاريخية أن الأصول العرقية كانت أبرز أسباب العبودية، لكن معرض "العبودية في حوض المتوسط" في القرنين السابع عشر والثامن عشر يكشف لنا أن هناك أسبابا دينية كانت وراء انتشار العبودية في تلك الفترة.
في المعرض الذي يقام حاليا في معهد العالم العربي بباريس ويستمر إلى 19 يوليو/ تموز المقبل، نجد أدوات ووسائل متنوعة وذكريات ووثائق بلغات مختلفة تؤكد أن مسلمين ومسيحيين عاشوا تجربة العبودية المريرة في منطقة البحر الأبيض المتوسط. وإذا كان تاريخ الرق في المنطقة يعود إلى العصور القديمة ولأسباب كثيرة، فإنه في العصر الحديث قام على أساس ديني، فأسفر "عن أسر أكثر من مليوني شخص على يد قراصنة مسيحيين ومسلمين، وبيعهم في أسواق الرقيق"، حسب أدبيات المعرض.
أصوات منسية
يكشف المعرض عن تأثير هذا الشكل من العبودية على جوانب من الثقافة والفنون في أوروبا، فيعرض آلات موسيقية ورسوما وكتابات تجمع بين المشتغلين بالرقيق والعبيد آنذاك، ومن خلالها نتعرف الى معاناة الأسرى وكفاحهم في سبيل العيش واسترداد حريتهم.
يجمع المعرض، على قول آن- كلير لوجاندر، رئيسة معهد العالم العربي بباريس، "بين الجدة والطابع التربوي"، كما يجمع "مصائر رجال ونساء عاشوا في حالة استعباد، وهي أصوات منسية من تاريخنا المشترك". وترى أن المعرض أقيم "بفضل بحث دؤوب وإعارات من مؤسسات متعددة، تكشف مجموعة غنية من الأرشيفات والوثائق والقطع الأثرية والأعمال الفنية النادرة عن قصص عديدة: رسومات ومطبوعات، أسلحة ومنحوتات بحرية، تمائم مؤثرة ورسائل كتبها أسرى مسيحيون ومسلمون... كانوا بحارة وعمالا وحرفيين ومترجمين وموسيقيين، وأحيانا حتى نماذج (موديلات) للفنانين. هذه الإنسانية المستعبدة تروي ماضيا مؤلما لكنه أساس في تاريخ بحرنا الأبيض المتوسط".
في مقدمة كتبها الباحثون شاكور، و م. مارتان و م. أولدي، وج. فايس، نوهوا إلى أنه وفي إطار منطق المواجهة، قامت قوى مسلمة بتمويل قراصنة، يطلق عليهم "قراصنة البربر"، ليستولوا "على السفن والسكان المسيحيين، من رجال ونساء وأطفال، لبيعهم في الموانئ الكبرى في الجزائر وتونس أو طرابلس. ومن ناحية أخرى، تستولي أساطيل فرسان مالطا وغيرها من القوى الأوروبية على سفن وسكان مسلمين ويهود من المغرب العربي وبلاد الشام، وتستعبدهم على السواحل الإسبانية والفرنسية والإيطالية والمالطية".
بقدر ما يفزعنا سلوك الاستعباد الفظيع باعتباره مرآة لذلك الزمن، نجد أنفسنا أمام تشكلات معاصرة لهيمنة تبدو متناسلة من تلك الروح الاستعبادية
ولاحظوا أن معظم هؤلاء من الرجال والنساء من مختلف الديانات كان يمكن أن "يظلوا أسرى لسنوات طويلة، بل طوال حياتهم، إذا لم يتم فداؤهم أو تبادلهم أو إطلاق سراحهم نتيجة عمليات بحرية أو ديبلوماسية. أو يتمكن بعضهم من الهرب، ويحاول آخرون التمرد، لكن غالبا ما يعاد القبض عليهم ويتعرضون لعقوبات قاسية".
ويتحدث الباحثون عن مسار أقل شهرة "وهو أسر المسلمين القادمين من المغرب العربي وبلاد الشام في جنوب أوروبا".
رسامون وسحرة
يظهر المعرض بعض رسومات فرنسيين وإيطاليين كانوا يستخدمون العبيد المسلمين كنماذج، أو "موديلات"، لرسوماتهم ومنحوتاتهم، مثل الفنان بيار بوجيه. ومن بين هذه الأعمال رسم تخطيطي بعنوان "عبد مسلم" لشارل لو برون، الرسام في بلاط لويس الرابع عشر، وكذلك رسومات الفنان والفارس التوسكاني إغناسيو فابروني (1642- 1693)، الذي عرف بميله إلى التوثيق التصويري من خلال عمله في هيئة بحرية عسكرية، فأظهر جوانب من حياة العبيد اليومية بمختلف دياناتهم، وأعمال مستوحاة من منحوتات "الأربعة المغاربة" للنصب الشهير في ليفورنو الإيطالية الذي أنجزه بيترو تاكا (1577- 1643)، ويمثل أربعة أسرى برونزيين مكبلين بالسلاسل، استوحى تصميمها من نماذج واقعية في سجن العبيد في المدينة، وهما شاب أسود يلقب بمور جيانو أو علي مرجان (Ali Morgiano) ورجل مسن من مدينة سلا في المغرب يدعى على السلاوي (Ali Salettino) وعلي مليوكو (Ali Melioco) ورجل رابع هويته مجهولة بملامح أفريقية. وإذا كان الهدف من عمل هذه التماثيل هو اظهار الهيمنة المسيحية على العبيد المسلمين، إلا أن هذه المجسمات صار ينظر إليها من زوايا مختلفة تكشف البعد الإنساني لأولئك الأسرى ومعاناتهم، وهو البعد الذي حاول القائمون على المعرض إبرازه.
وفي المعرض لوحة بارزة للفنان اليساندرو ماغناسكو (1667- 1749) تصور وصول العبيد إلى جنوى. كما يصور الرسام ميشال سير قيام عبيد بإزالة جثث ضحايا الطاعون في مرسيليا عام 1720.
ومن الرسومات العربية، هناك خطوط ونقوش عبارة عن تمائم سحرية لبعض العبيد المسلمين، أو بعض العبيد المسيحيين الذين اعتنقوا الإسلام. إلى جانب عروض لافتة تحفز المشاهد على الوقوف أمامها طويلا، مثل آلات القيود التي كان يصفد بها الأسرى، وطريقة نقل العبيد جماعيا بالسفن، أو تمسك بعض الأشخاص بأديانهم رغم ما يلاقونه من استعباد وتسلط، حتى إنهم بنوا معابد لهم سواء كانوا مسلمين أم مسيحيين.
وفي الرسوم والوثائق نشاهد رجالا يعملون في السفن. وفي رسوم كورنليس دي وايل في جنوى نجد مسلمين عبيدا يعملون حلاقين وبائعي قهوة ومعالجي أسنان في أكشاك وأكواخ بالقرب من الموانئ، ونساء استعبدن وانتهكن جسديا وجنسيا بعد أن تم شراؤهن، كما يصور أنطوان دو فافراي في لوحة له. وتتساوى المعاناة عند مختلف المنتمين للديانات سواء في الجزائر أو مرسيليا أو جنوى وليفورنو ومالطا. وكان العبيد المسلمون يشار إليهم باسم "الأتراك" أو "المور"، ونقرأ كتابات ورسائل لهم يستغيثون فيها من أجل تحريرهم مقابل فدية. وهناك وثائق فيها أسماء عبيد ومواصفات لهم وأثمان بيعهم في الأسواق.
رسالة من عبد مسلم من نابولي إلى طرابلس يطلب فدية لاطلاق سراحه
وتدل السفن المرسومة على عالم من الصراعات ومحاولة التحكم في التجارة البحرية وعمليات القرصنة والغزوات وما يصاحبهما من أسرى واستعباد. ويلاحظ وجود مجسمات تجسد أسرى مسيحيين لدى المسلمين كانت توضع أمام الكنائس لكسب الاستعطاف وجلب التبرعات من أجل تقديم الفدية لتحريرهم.
وتكشف وثائق المعرض عن أسواق العبيد وتفضيلات شراء عبد على آخر، من خلال مواصفات معينة غالبا ما تتعلق بالعمر والقدرة على العمل، وامتلاك بعض المهارات كالعمل على السفن. وإذا ما أسر من هم في مكانة رفيعة فإن ذلك من أجل الحصول على فدية كبيرة.
لا تنسوا
أبرز ما يظهره هذا المعرض هو دور الفن في توثيق مرحلة ما، إلى جانب الكتابات والمدونات التاريخية، وكيفية تشكل العبودية بصور مختلفة مهما كانت العقائد والأجناس والألوان (عبودية السود والبيض).
لوحة "وجبة العبيد" للفنان كورنيليس دي وايل
ومع استعادة هذا المعرض لمرحلة من التاريخ الحديث، تبدو لنا القرون الثلاثة الماضية قريبة جدا من حياتنا المعاصرة، فبقدر ما يفزعنا سلوك الاستعباد الفظيع باعتباره مرآة لذلك الزمن، حيث انتشرت المغامرات لاكتشاف الآخر المجهول، واستهدافه بالغزو والقرصنة والاستيلاء والاسترقاق، نجد أنفسنا أمام تشكلات معاصرة لهيمنة تبدو متناسلة من تلك الروح الاستعبادية نفسها.
يشهد العبد علي الزواوي في هذه الصفحة الأخيرة بأنه نسخ كتاب قواعد اللغة العربية عن إنجيل يوحنا
ربما أراد القائمون على المعرض أن يقولوا لنا لا تنسوا. وهو ما لا يمكن أن يكون، أو هذا ما نظنه، في حال ظلت مثل هذه المعارض تذكرنا بحياة أسلافنا.