لويس مورا... التاريخ في متاهة سردية

روايته الجديدة تقلق الحاضر بنبش الماضي

Wikimedia Commons
Wikimedia Commons
ڤيسينتي لويس مورا

لويس مورا... التاريخ في متاهة سردية

أهمية الأدب هي في دفعنا إلى سبر أكثر جوانب وجودنا إثارة وقلقا، وفي مساعدتنا على صوغ رؤية عميقة وجديدة لأنفسنا، للآخر، وللعالم الذي نعيش فيه، بماضيه وحاضره ومستقبله.

هذا تماما ما يختبره قارئ رواية الكاتب الإسباني اللامع لويس فينسنتي مورا، "وسط أوروبا" (2020)، التي صدرت ترجمتها الفرنسية حديثا في باريس عن دار "موريس نادو". عمل مذهل يقرأ بنفس واحد لأسباب متعددة، لا تقتصر على تمكن مؤلفه من ابتكار شخصية جذابة للغاية – ريدو هاوبتشامر – محاطة بالغموض ومشبعة بقدر كبير من التضليل، ولا على نثره إشارات في سرديته إلى لغز لا يتكشف إلا تدريجيا، مما يشحذ فضول القارئ ويبقيه مشدودا إلى النص، بل تمتد إلى قدرته على بناء عالم روائي كثيف تتشابك فيه الدلالة التاريخية مع البعد النفسي والرمزي.

مسرح التحولات

تدور أحداث الرواية، كما يوحي عنوانها، في وسط أوروبا خلال القرن التاسع عشر، بين النمسا وبروسيا، وفي جزء كبير منها داخل بلدة زوندن الألمانية؛ ذلك "المكان الصغير بحيث أن اسمه لم يكن معروفا، ولا يزال، إلا في المناطق المحيطة به مباشرة".

اختيار هذا المكان ليس اعتباطيا، بل يعكس رغبة الكاتب في جعل الهامش مسرحا لتحولات كبرى، وفي إظهار كيف يمكن الأحداث المصيرية أن تقع بعيدا من مراكز القرار، في أماكن تبدو للوهلة الأولى خارج التاريخ.

في هذه البلدة، كان ريدو يعتزم الاستقرار مع زوجته أودرا في قطعة أرض تمكن، بفضل الإصلاحات الزراعية الأخيرة، من امتلاكها قانونيا، مما جعله أول مزارع حر في زوندن.

لكن القدر كان قاسيا، إذ لقيت أودرا حتفها في الطريق، فوصل ريدو وحيدا حاملا نعشها، عازما على دفنها في أرضه الجديدة. بيد أن مفاجأة صادمة كانت في انتظاره حين بدأ الحفر، إذ عثر على جثة متجمدة، ثم أخرى، ثم أخرى... ليكتشف مقبرة حقيقية لجنود قتلى.

على مدار جزء كبير من الرواية، يسعى ريدو عبثا إلى معرفة ما الذي ينبغي فعله بهذه الجثث الملعونة التي لا يذوب عنها الجليد، ولا تتحلل. ومع فشل جهوده في التوصل إلى حل، ينتهي به المطاف إلى دفن زوجته تحت أرضية المنزل، لتظل قريبة منه، وغرس جثث الجنود في تربة مزرعته كفزاعات تمنع الطيور من أكل بذور الشمندر التي بدأ بزراعتها، ريثما تتخذ السلطات العليا قرارها في شأن هذه القضية.

"وسط أوروبا" هي إذن رواية متجذرة بعمق في القرن التاسع عشر، لكن ليس لغويا فحسب، بل أدبيا وتاريخيا أيضا

إذا كانت الجثث المتجمدة سرا تحرص السلطات على كتمانه، فإن ريدو وصل إلى زوندن وهو يحمل سرا آخر. فمنذ البداية، نعلم أن ريدو ليس اسمه الحقيقي، وكذلك أودرا. ولأنه ولد ونشأ في بيت دعارة في فيينا كانت تديره أمه، فر مع حبيبته لبدء حياة جديدة، فسلكا طريقا طويلا وملتويا نحو وجهتهما، ليس لمحو آثار الماضي فحسب، بل لاحتضان هويتهما الجديدة، وللانبعاث بوصفهما شخصين آخرين.

إشارات

على امتداد السرد، تتناثر إشارات إلى هذا السر، مثل ذكر ريدو مرارا تلك "الشخصية المراوغة المختبئة في أعمق أعماقي، والتي تسدي إلي نصائح سديدة كلما سنحت لي الفرصة لأهبط إلى سراديبي الخاصة"، في إيحاء بانقسام داخلي يرافقه باستمرار.

تتجلى هذه الإشارات أيضا في حذره الشديد وتصرفاته المدروسة مع الآخرين، علما أن سره لن يكشف كاملا إلا قرب النهاية، فيشكل مفاجأة صاعقة تعيد قراءة الأحداث السابقة في ضوء جديد.

بعيدا من قصة ريدو الشخصية، يخضع مورا روايته لتوتر بنيوي حاد ناجم عن مجموعة من الإكراهات التي فرضها على نفسه أثناء الكتابة. إكراهات رياضية، إذ إن كل فصل من الفصول الستة يتضاعف طوله بدقة عن سابقه، وفي كل فصل يقدم الى القارئ نصف عدد الشخصيات التي ستظهر في الفصل التالي، بينما يتضاعف عدد الجثث المكتشفة مع كل فصل جديد، ضمن تشييد هندسي يجعل من الرواية بنية محسوبة بعناية، لا مجرد حكاية.

إكراه آخر يتعلق باللغة، إذ اختار مورا كتابة روايته بالقشتالية، مثلما كانت تستخدم في إسبانيا خلال القرن التاسع عشر، سعيا إلى خلق انسجام بين لغة السرد وزمن الأحداث، مع الحفاظ على حيويتها المعاصرة.

عن هذا الخيار، يوضح: "إنه التزام فرضته على نفسي لاستخلاص كل ما تختزنه لغة كانت قد بلغت، منذ القرن التاسع عشر، درجة مذهلة من التطور، ولا يزال من الممكن استثمارها — وكان هذا التحدي بالنسبة لي — بطريقة حيوية قابلة للتفعيل".

غلاف "وسط أوروبا"

"وسط أوروبا" هي إذن رواية متجذرة بعمق في القرن التاسع عشر، لكن ليس لغويا فحسب، بل أدبيا وتاريخيا أيضا. فهي تعتمد في افتتاحيات فصولها على اقتباسات من كتاب مثل ستندال وفونتان وغوته، فضلا عن ظهور الكاتبة راهيل فارنهاغن فيها، ثم قول ريدو بعد لقائه بها: "حتى وفاة راهيل، ظللت أتبادل معها الرسائل. يا لها من امرأة استثنائية ومثيرة للإعجاب في نواح كثيرة".

JOHN MACDOUGALL / AFP
منظر للساحة المركزية في نيوروبين مع تمثال فريدريك ويليام الثاني ملك بروسيا، التُقط في 21 مارس 2006

حصاد الجثث

على الصعيد التاريخي، تتناول الرواية التحولات الاجتماعية والسياسية لتلك المرحلة، لا سيما تفكك بنى الاقطاع التقليدية، وتدين ملوكا وأباطرة، مثل فريدريك ويليام الثاني ونابليون، لملئهم أرض أوروبا بالجثث طمعا في دخول التاريخ. فحول الإمبراطور الألماني المذكور، يقول يعقوب المؤرخ لصديقه ريدو: "لقد حصد هذا الرجل من أرواح الألمان والأجانب ما لم تحصده أمراض السرطان والنوبات القلبية مجتمعة طوال القرن، ولم يتفوق عليه في براعة القتل سوى ذلك المجنون البارد الخطير، نابليون".

AFP
نسخة عن بورتريه لنابليون بونابرت، رُسم (وربما نُفّذ على يد إنغر) بين عامي 1802 و1803، حين كان قنصلا مدى الحياة

هكذا تغدو "وسط أوروبا" رواية "أركيولوجية" أيضا، بمعنى أنها تحفر في تربة القرن التاسع عشر، وفي تربة اللغة القشتالية لتلك الحقبة، كما يحفر بطلها أرضه. ومن خلال ذلك، تحفر في الأرض التي نطأها اليوم، لأن شيئا لم يتبدل منذ ذلك الحين: لا الحروب، ولا تقاعس النخب، ولا التفاوت الاجتماعي.

لكن الرواية لا تقتصر على ذلك، إذ ثمة عناصر خيالية فيها تعزز سحرها: الجثث التي لا تذوب ولا تتحلل (رمز لاستمرار المذابح)، بعضها يرتدي زيا عسكريا يبدو من المستقبل، العملاق المحلي المتغير الطول، إيلزي التي يخشاها الجميع في البلدة، ليس فقط لأنها ساحرة ولأن حيوانها الأليف ذئب، بل لقدرتها على قراءة المستقبل...

إلى جانب هذه العناصر التي تمنح النص بعدا أسطوريا من دون أن تفصله عن واقعيته، ثمة عناصر أخرى تساهم أيضا في فتنته، مثل وفاء ريدو لأودرا حتى بعد وفاتها، والغموض المحيط بهويته الجنسية التي لا تنكشف إلا في الصفحات الأخيرة، والتناقضات في سرديته التي يعترف بها في النهاية: "أعلم أن بعض الأمور التي رويتها ليست حقيقية، أو على الأقل ليس بالكامل".

هكذا، ومن خلال اللعب على وتر المسكوت عنه وغير القابل للبوح، ينجح ريدو (ومورا خلفه) في إبقاء قارئه في يقظة دائمة، مأخوذا بالقصة التي يرويها له

هنالك أيضا الرسائل الضمنية في اسمه، فـ"Redo" إشارة إلى إعادة الفعل (re-doing)؛ ومعنى "Hauptshammer" بالألمانية "مخادع كبير"، فضلا عن تفاصيل أخرى نترك للقراء متعة اكتشافها.

تقنيا، يتسم السرد بالذكاء والفاعلية، فالراوي يلهث لإخبار القارئ بما يخفيه، لكن في اللحظة التي يبدو فيها أن كل دواعي الصمت قد تبددت، ينعطف خطابه فجأة نحو مسار آخر. هكذا، ومن خلال اللعب على وتر المسكوت عنه وغير القابل للبوح، ينجح ريدو (ومورا خلفه) في إبقاء قارئه في يقظة دائمة، مأخوذا بالقصة التي يرويها له.

سرد تأملي

أكثر من ذلك، وعلى خلاف معظم الروايات، يشرك مورا قارئه في فعل السرد ذاته عبر تبنيه سردا تأمليا ذاتيا يعي ماهيته كبناء سردي، ويتوق إلى مشاركة طبيعته مع القارئ، بل يجبره على رؤية حيله.

ولا يتوقف الابداع عند هذا الحد، إذ يعمد مورا إلى تكثيف الرواية عبر استخدام بعض تقاليد "السحر الروائي" الكلاسيكي. فسردية الراوي تأتي على شكل مخطوطة هو في صدد كتابتها، بينما يتلقاها القارئ من طريق مترجمتها التي تتدخل أيضا فيها عبر هوامش الحاشية، فتتحول إلى راوية ثانوية.

يلمع مورا أيضا في تطويع الشكل وفق القصة التي يرويها، وفي خلق الجو العالم من خلال القالب والنبرة، بغية وضع قارئه بدقة في السياق التاريخي أو النفسي المطلوب.

والنتيجة؟ رواية مذهلة على مستويات عدة، حيث تساهم المناورات السردية والشكلية في إيصال رسائلها المختلفة، لا سيما سؤالها المركزي الذي يطرحه ريدو في لحظة ما على صديقه المؤرخ: "هل تظن أننا نتعلم، يا يعقوب؟"، ويعيد الأخير صوغه كما يجب في جوابه: "هل يبدو لك أننا نتعلم شيئا؟"

سؤال لم يفقد شيئا من راهنيته، بل يزداد إلحاحا كلما بدا أن تاريخنا الدموي يعيد نفسه في صور جديدة.

font change

مقالات ذات صلة